إننا نرغب في إقامة علاقات جيدة مع دول الجوار، قائمة على الاحترام والتفاهم والمنفعة المشتركة، كما أننا نتعهد بألا نكون مصدر تهديد لأي دولة، ولن نسمح باستغلال أراضينا ضد أيٍ من جيراننا، ونؤكد أننا لن نتدخل في الشؤون الداخلية للأكراد في المناطق الأخرى

«فلاح مصطفى»-رئيس إدارة العلاقات الخارجية لحكومة إقليم كردستان

بؤرة جديدة ساخنة تُضاف إلى رصيد بؤر الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وتفتح الباب على مصراعيه أمام تدخلات دولية وإقليمية مستقبلية لن تثمر سوى مزيد من عدم الاستقرار لدولة العراق.

فبإجراء كردستان العراق لاستفتاء حق تقرير المصير، الذي أسفرت نتائجه عن تصويت أكثر من 92% من الأكراد المشاركين في الاستفتاء لصالح الاستقلال. تراوحت ردود الأفعال بين الرفض الشديد والاستهجان من قبل حكومة بغداد ودول الجوار، ولجوئهم إلى اجتماعات مشتركة للتباحث بشأن ما يحدث في العاصمة الكردية «أربيل»، وللوقوف جنبًا إلى جنب في مواجهة تقسيم العراق، مستنكرين بذلك الاستفتاء الذي اعتبروه باطلًا، والتأييد المطلق من قبل إسرائيل ودولٍ خليجية وجدوا في استقلال كردستان عن العراق وصعود الأكراد فرصة ذهبية لتقويض النفوذ الإيراني والتركي في المنطقة، عن طريق اللعب بورقة الأكراد في كلا البلدين، والضغط من خلالها. الأمر الذي قد يسفر عن حرب إقليمية تتصارع فيه القوى الإقليمية على أرض كردستان، سواءٌ كانت هذه الحرب عسكرية أو اقتصادية أو دبلوماسية، هذا لن تحدده إلا الساعات المقبلة.


قوة الردع العسكري وتحالف «الأضداد»

جدير بالقول أن ما يحدث في دولة العراق من حالة انقسام وتشرذم بات أمرًا غير داخلي، لا تنعكس مفرداته على مواطني الدولة فحسب، بل أصبح قضية ذات طابع إقليمي ودولي، لها أبعاد وانعكاسات كثيرة على دول الجوار.

في اجتماعٍ سابق قبل الاستفتاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت قد أصدرت الدول الثلاث، إيران وتركيا والعراق بيانًا مشتركًا، أكد فيه «إبراهيم الجعفري» وزير الخارجية العراقي ونظيراه الإيراني «محمد جواد ظريف» والتركي «مولود جاويش أوغلو»، عدم دستورية الاستفتاء، لأنه سيتسبب في صراعات لا حصر لها في المنطقة، كما سيعرّض المكاسب التي حققتها العراق ضد تنظيم «داعش» للخطر، واتفق الوزراء الثلاثة على اتخاذ إجراءات مضادة بالتنسيق فيما بينهم.

يعلن الرئيس التركي بزيارته لطهران، والتي سبقتها زيارة لوزير خارجيته، أن الملف الاقتصادي والكردي أهم لأنقرة من الملف السوري، حيث يقف الطرفان على النقيض من حيث الموقف والمشاركة

وفي الثامن عشر من سبتمبر/أيلول الماضي، انطلقت مناورات عسكرية تركية، على بُعد ثلاثة كيلومترات عن معبر «خابور» الحدودي مع العراق، انضمت إليها وحدات تابعة للقوات المسلحة العراقية في 26 سبتمبر/أيلول. و تستمر المناورات المشتركة بين القوات التركية والعراقية في قضاء «سيلوبي» بولاية شرناق، جنوب شرقي تركيا.

وفي اليوم الأخير من شهر سبتمبر/أيلول،أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية العميد «مسعود جزائري» أن ثمة اجتماعا عُقد صباح السبت برئاسة رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية، وأن هذا الاجتماع تقرر فيه إجراء مناورة مشتركة خلال الأيام المقبلة بين القوات المسلحة الإيرانية ووحدات من الجيش العراقي على الحدود المشتركة بينهما. كما هددت إيران بالقيام بأعمال انتقامية ضد «أربيل»، وقامت طهران على إثر نتيجة الاستفتاء بإيقاف جميع الرحلات الجوية من وإلى «أربيل» و«السليمانية» في شمال العراق، إذ اعتبر قادةٌ إيرانيون أن ما يحدث محض مؤامرة إسرائيلية لتقسيم العراق و تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة.

اقرأ أيضًا:الاستقلال الكردي في ضوء الصراع العربي الإسرائيلي

فضلاً عن اندلاع اشتباكات وأعمال عنف بين القوات الكردية (البيشمركة) والمجموعات المدعومة من إيران وقوات الحشد الشعبي العراقي، الأمر الذي ينذر باحتمالية نشوب حرب إقليمية على أرض كردستان العراق. ثم في الأول من أكتوبر/تشرين، توجه «خلوصي أكار» رئيس هيئة الأركان التركية إلى طهران تمهيدًا لزيارة مماثلة من قبل الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» تجري اليوم الأربعاء، وذلك من أجل البحث في ملف استفتاء كردستان العراق مع مسؤولين إيرانيين، وكان الرئيس التركي قد وصفه بأنه «خطأ يجب التراجع عنه».


من العسكري إلى الاقتصادي: تكتيك أم خطوة للوراء؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

هددت تركيا بتوقيع عقوبات اقتصادية ضد كردستان العراق، الذي كان حليفًا لها لفترة طويلة من الزمان، فلطالما كان «مسعود البرزاني» رئيس الحكومة الكردية الحليف الذي يراهن عليه الرئيس التركي في مواجهة حزب العمل الكردستاني، سواءٌ داخل تركيا أو خارجها.

وجمعت تركيا بكردستان العراق علاقات ومصالح اقتصادية متبادلة، فمنذ عام 2014 بدأ تصدير نفط إقليم كردستان إلى تركيا بمعدل 300 ألف برميل يوميًا من حقول «طق طق» النفطيّة إلى ميناء «جيهان» التُركي؛ وذلك بموجب الاتّفاقية النفطيّة المُشتركة بين إقليم كُردستان وتركيا، الأمر الذي يعني أن أي عقوبات اقتصادية ستوقعها تركيا على كردستان ستضر تركيا أيضًا لما لها من مصالح مشتركة مع الإقليم، وهو ما يرجح احتمالية تراجع تركيا عن معاداتها في اللحظات الأخيرة، واللعب على أوراق أخرى أقل تأثيرًا على المصالح التركية.

على الجانب الآخر، شرعت إيران في إتخاذ إجراءات عقابية ضد كردستان، إذ حظرت طهران حركة شحن المنتجات النفطية من وإلى الإقليم حتى إشعار آخر، كما حذرت وزارة النقل الإيرانية شركات الشحن وسائقيها من مخالفة قرار الحظر.


«الإرادة الكردية» في مواجهة التهديدات؟

إن مركز تنسيق تم تشكيله بين الدول الثلاث – العراق وتركيا وإيران، برئاسة قاسم سليماني القائد العام لفيلق حرس الثورة الإسلامية والمسؤول عن جميع العمليات السرية الإيرانية في الشرق الأوسط. وهذه البلدان تغلق مجالها الجوي وحدودها أمام كردستان. وهذا يعني حصارًا تامًا، حيث لن يكون بمستطاعنا تصدير النفط عبر تركيا، ولكن تظل البدائل حاضرة.
المحلل السياسي الكردي «رمضان كريم».

إذا نظرنا إلى المشهد بالكامل، سنجد أن كردستان كما أن لديها أعداء يعملون بكل الطرق على إفشال مساعيها نحو الانفصال، فإن لها على الجانب الآخر داعمين لا يستهان بهم، قد يتمكنون من قلب المعادلة وإنجاح الإنفصال وبالتالي قد تضطر الدول المعادية إلى المهادنة والحلول الدبلوماسية إذا وجدوا أن في معاداتهم للاستقلال خسارة لمصالحهم وتراجع لنفوذهم.

يجب أن نعمل على إيجاد كردستان الكبرى بالطرق السلمية لأنه من شأن ذلك أن يخفف من المطامع التركية والإيرانية والعراقية، وستقتطع دولة كردستان الكبرى، ثلث إيران وثلث تركيا وثلث العراق.

اللواء السعودي المتقاعد «أنور عشقي»، رئيس مركز الشرق الأوسط بجدة.

الانفتاح على إقليم كردستان في نظر العديد من دول الخليج العربي وبخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فرصة لتوسيع الكتلة السنية المؤيدة للعرب في الشرق الأوسط، وخلق نفوذ إضافي أمام تركيا وإيران، إذ بإمكانهم التلاعب بالورقة الكردية لدعم انفصال أكراد تركيا عنها وانضمامهم إلى كردستان العراق، كما أن في ذلك إحباطًا لإيران على عدة جبهات وتقويضًا لنفوذها في المنطقة.

اقرأ أيضًأ:أكراد سوريا والثورة: الدوران مع المصلحة حيث دارت

فدولة الإمارات تحظى بعلاقات دبلوماسية وسياسية واسعة مع العاصمة الكردية أربيل منذ عام 2012 عندما أنشأت قنصلية عامة هناك، كما قام رئيس حكومة إقليم كردستان، «مسعود بارزاني»، بزيارة عددٍ من دول الخليج عام 2015، كان على رأسها السعودية والإمارات.

فضلاً عن الاستثمارات الواسعة التي تجمع بين إقليم كردستان وعدد من دول الخليج، وخاصة الإمارات وبدرجة أقل السعودية. ففي العام 2014، وصلت العراق إلى المركز السابع من بين الشركاء التجاريين لدولة الإمارات، نظرًا لتركز معظم الاستثمارات الإماراتية في إقليم كردستان وتسجيل 130 شركة إماراتية في مجال الأعمال التجارية هناك. وعليه فإن في تصاعد النفوذ الكردي في العراق مصلحة استراتيجية واقتصادية قوية لكل من المملكة والإمارات.

ومن المرجح أن تدعم السعودية والإمارات الإقليم وتعوضه اقتصاديًا عن أي خسائر قد يتلقاها نتيجة أي عقوبات اقتصادية تفرضها تركيا عليه، وذلك بتوسيع استثماراتهم في الإقليم ومساندة الإقليم في حربه من أجل نيل الاستقلال عن العراق.


إسرائيل الصديق الأوفى

سنغلق تصدير النفط أمام إقليم كردستان. وسنمنع تصدير النفط من الإقليم، بعد هذا.. دعونا نرى عبر أي قنوات يمكن للحكومة الإقليمية في شمال العراق أن ترسل نفطها وأين ستبيعه.
إن إسرائيل يجب أن تقف في الجانب الصحيح من المسألة الكردية، لأنه عاجلًا أو آجلًا ستقوم دولة الأكراد على الأرض، وتصبح أمرًا واقعًا، ومن الأفضل أن تكون حليفة لدولة إسرائيل.
كاسنيا سيفاتلوفا-نائبة في الكنيسيت الإسرائيلي.

للتأييد الإسرائيلي المطلق للاستفتاء الكردي ودعمه لقرار الانفصال، أسباب يعود بعضها إلى حقائق تاريخية، فأكراد العراق هم «حليف الأحلام لإسرائيل» بحسب ما وصفه «آلون بن دافيد» في صحفية «معاريف» الإسرائيلية في الثلاثين من يونيو/حزيران. وتعتبر «إسرائيل» (الدولة) الوحيدة التي أعلنت بكل وضوح تأييدها لقيام الدولة الكردية.

ولعل السبب الأهم وراء التوجه الإسرائيلي هو أن وجودة دولة كردية يعني أنه قد تكون مستقبلًا نواة لدولة كردية أكبر تضم مناطق الوجود الكردي في سوريا وتركيا وإيران، وبالتالي فإن مساندة الدولة الكردية وإرساء دعائم وجودها سيعمل بكل تأكيد على إضعاف نفوذ تركيا وإيران في المنطقة، كما أن دعم الإقليات يندر ضمن الاستراتيجيات الإسرائيلية في المنطقة لإيجاد حلفاء مخلصين وشراكات طويلة الأمد.

لذا ستسعى «تل أبيب» لإجراء شراكة استراتيجية مع الدولة الكردية كي تقلص عزلتها من ناحية، ومن ناحية أخرى تزيد من هامش المناورة لديها على المستوى الإقليمي وتتمكن من تقليص نفوذ تركيا وإيران في المنطقة.

تساءلت النائبة الإسرائيلية في الكنيسيت «كاسنيا سيفاتلوفا» عن كيفية مساعدة إسرائيل للأكراد في حالة اندلاع حرب بين الأكراد من جهة، وبين العراق وإيران وتركيا من جهة أخرى، وأشارت إلى أن إسرائيل ستعمل «خلف الكواليس» لدعم الملف الكردي في الكونجرس الأمريكي، وجعل الموقف الأمريكي يصب في صالح استقلال إقليم كردستان، واتفقت الآراء داخل إسرائيل، على أن إسرائيل ستدعم الاستقلال في صمت وأنها لن تسمح بتضييق الخناق على كردستان أو محاصرتها.

لكن إجمالًا، يظل مستقبل الدولة الكردية واستقلال الأكراد الفعلي من عدمه يتوقف على مدى قدرة الحكومة الكردية على الثبات في وجه التهديدات والتحديات الإقليمية التي تواجهها، ومدى قدرة الدعم الإسرائيلي والخليجي على تعويض الحكومة الكردية عن الخسائر التي قد تتلقاها من دول الجوار، فالكفة الراجحة هي من ستحدد مستقبل الإقليم، كذلك فإن جدية محور (العراق-تركيا-إيران) سيكون له أثره في تحديد مصير الإقليم.