غالبًا ما يأخذ النقاش عن القضايا في المجال العام الأردني منحى واحدًا وتخرج بعض الأصوات عن هذا المنحى، إلا أنها تغيب في وسط الجوقة التي توظفها السلطة لمنع أصوات النشاز هذه من الظهور. يحاول هذا المقال رصد وتسليط الضوء على مناحي أخرى للنقاش التي تقع على أهمية كبيرة سواء في فهم ما حصل أو في توظيفها لإيجاد حلول للقضايا التي يجري النقاش عليها.


اتجاه النقاش

دائمًا كان السؤال الأهم الذي لا نعرف من يبدؤه في الأحداث العديدة الماضية التي مرّ بها الأردن، هو السؤال عن هوية المجرم وعن أصله. وينتقل النقاش من الأكثر تطرفًا وإقصائية إلى الأكثر ليبرالية، وينتهي بصمت مطبق عند معرفة هوية المجرم الحقيقية والذي في الغالب يكون أردنيًا، ابن إحدى القرى النائية التي تعاني التهميش.

ومن ثم ينزاح النقاش حول التذكير الأهم لنا بنعمة الأمن والأمان وضرورة احترام وحدتنا الوطنية، التي هي أساس بقائنا، وضرورة الالتفاف حول الدولة الأردنية ضد العدو القادم إلينا بخطر كبير، وضرورة فوزنا بالرهان – الذي لا نعرف أيضًا من وضعه – حول تماسك وحدتنا وعبور الأزمة، ويأخذ النقاش شكل ثنائية حادة تجعل الصراع مرتبط فقط بين طرفين: الأردن والإرهاب، فإما أن تكون مع هذا أو مع هذا. ويصور الحدث كونه مرتبط بالنقاش العالمي حول الإرهاب المشكلة التي يعاني منها الإقليم والعالم والأمر الذي يبعد السلطة عن مكان الإدانة والاتهام.

فمن المستفيد من هذا النقاش؟

من المعروف دائمًا أن السلطة تحدد النقاش في المجال العام حتى لا يكون لهذا النقاش تأثير في المجال السياسي، وبالتالي في مجالها – أي السلطة – وفِي الحالة الأردنية تحاول السلطة – من خلال تحديد النقاش في المجال العام الأردني بما ذكرنا أعلاه – الاستفادة من المسألة في تثبيت مكانها، لا بل إضفاء القدسية على ممارستها والحول دون قدرة المجال العام على مساءلتها.


عن الهوية وسؤالها

تحاول السلطة من خلال الأحداث خلق هوية أردنية تقوم على متخيل حديث مرتبط بالسلطة وأجهزتها الأمنية، ولا وجود للمجتمع المدني فيها،وذلك من خلال تشكيل الآخر -الذي هو الإرهاب في هذه الحالة- على مقاس السلطة، وتكبير لرموز في المتخيل الشعبي كلها أمنية، وهكذا يصبح لديها الآخر والتاريخ والرمز والأرض التي وقعت عليها المعارك.

مشكلة هذه الهوية أنها قائمة على تفتيت ما هو أردني بحق بتنوعه الديموغرافي ودوائر انتمائه المتعددة، هوية تبقي الجماعات العضوية قائمة وتحول دون انصهارها في مجتمع تكون العضوية فيه على أساس المواطنة، لأنه من خلال هذا الانتماء سوف يسعى المجتمع نحو صلاحه لا نحو امتيازات كل جماعة على حِدة، وبالتالي إعادة إنتاج المجال السياسي الذي تنتمي له السلطة، مما يعني تراتبية جديدة في السلطة قد تؤدي إلى وصول المعارضة،أو من يحمل مشروعًا مغايرًا عن مشروع السلطة إلى أماكن صناعة القرار.

وتكرس هذه الهوية السلطة كأداة قمعية لا تحتاج إلى تبرير قمعها لأي من كان،إذا كان تحت شعار محاربة الإرهاب: الذي – هو الآخر في متخيلة هذه الهوية – ومثال عليها دعوات أحد أشهر المذيعين الأردنيين بإيقاف الإنترنت كاملًا في مثل هذه الأحداث. لهذا يضخم السؤال عن هوية القاتل في بداية النقاش حول الأحداث.

طبعًا لا يدعي هذا المقال أن الأحداث هي مسرحية من صنع السلطة وإنما يشتغل المقال في ساحة تأويلات هذا الحدث وإزاحته من قبل السلطة بعد حدوثه.


عن مسؤولية السلطة وطرق مواجهة الإرهاب

لا يغيب عنا أن التمدد الحقيقي لداعش هو تمدد أيدولوجي عابر للحدود، لا تمدد تنظيمي يكون بتوظيف خلايا مرتبطة مباشرة معها، هو تمدد بالقابلية التي يحرزها الفكر الداعشي لدى المتابعين لها، وهذه القابلية مرتبطة بعوامل تحفيز كامنة في الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالتالي لا يمكن سد هذا التمدد فقط من خلال فرض السيطرة على المنافذ الحدودية مع سوريا والعراق واتباع الخطة العالمية لمواجهة الإرهاب.

النقاش هنا يجب أن يكون أردنيًا، ويجب على السلطة أن تتحمل مسؤوليتها تجاه ما حدث وما سيحدث وأن تتيح الفرصة للمؤسسات الاجتماعية غير الرسمية العمل، لأن رضا الناس عن هذه المؤسسات العرفية في المجتمع العربي أكبر بكثير من الرضا عن السلطة ومؤسساتها، وهذا يعدّ أول الطريق لإنتاج مجتمع مدني متفاعل غير متماهٍ مع الدولة.

فالسؤال الأهم هنا: هل يمكن تجريد «عاصم وحازم أبورمان» و«محمد الخطيب» و«محمد القراونة» من أردنيتهم؟

وهل يمكن أن نعتبر ظروف انضمامهم لداعش جاءت على حين غفلة من الزمن؟

في الحقيقة لا يمكن تجاوز ذلك مهما قدمنا من استعارات، ولا يمكننا إلا أن نعترف أن منفذي الهجوم هم أبناء واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المغبون، وأن فساد السلطة واستبدادها هو سبب أصيل في تبنيهم العنف خيارًا للتخلص من أزماتهم، وبالتالي لا تُعفى السلطة أبدًا من دم الشهداء الذين ارتقوا تغطية لعورتها والذين توظفهم لحل أزماتها وتقوية استبدادها رغم ذلك.

فمن تبرير التبعية للبوصلة الأمريكية في حربها على داعش بالانتقام للشهيد معاذ الكساسبة، لتبرير تعديل المناهج لنتقيتها من الفكر الداعشي، وتصفية أكبر قوة سياسية وجعلها غير قادرة على الحركة، وتمرير تعديلات دستورية واتفاقيات وتطبيع مع الكيان الصهيوني دون أي حراك شعبي، فهذه السلطة هي أداتنا للتخلص من الإرهاب.

وأخيرًا يكفينا النظر لكمية المنع من دخول الأردن لشخصيات ثقافية ومعرفية ودينية تتبنى تأويلًا معتدلًا للدين، لكن ليس على مقاس السلطة، التي ترى أن المشكلة تكمن فقط في تأويلنا الخاطئ للدين وأنها – أي السلطة – تقدم الفهم الحقيقي لهذا الدين الذي باتباعه سنتخلص من كل آفات الفكر التكفيري، رغم أنه – أي التدين الرسمي – لا يكاد يغادر صفحات الورقات التي كتب عليها فضلًا عن أن يطبق عمليًا.


ما يجب أن يكون النقاش عليه

ربما في حالة أحداث الكرك، أخذ النقاش حول انتقاد تعامل السلطة مع الحدث، سواء أمنيا أو إعلاميا، حيزًا جيدًا قارب من موازاة جوقة التمجيد والتهليل للسلطة ولدعوتها لتشديد قبضتها الأمنية، ولكنه لم يصل لممارسات السلطة التي مهدت للحدث.

لعل الصعوبة التي نجدها في النقد هي وجود شهداء تتخذ منهم السلطة حصنا منيعا ضد النقد، ويصبح من الخروج عن الوطنية التحدث بما هو ليس مقال المقام – أي بالتحدث عن عورات السلطة – لذلك نجد خلال الأحداث تثمينًا لدور المخابرات وتأكيدا على أهمية هذا الجهاز دون التطرق حتى لمسألة تدخله في المجال العام والخاص. ونجد مصطلحات مضللة من النخبة، كالالتفاف حول الدولة والحفاظ على مؤسساتها، دون أي ذكر لتفريق واضح بين الدولة والنظام وسياساته، فما هو معروف لدى الناس أن كلمة الدولة تساوي النظام.

يجب في نقاشنا توجيه الدولة نحو إشراك المجتمع في عملية حل المشكلة، وإدانة أي ممارسة قمعية تختبئ وراء شعارات الحرب على الإرهاب. يجب علينا دائمًا تذكير السلطة بممارستها التي أوصلتنا إلى هنا حتى نستطيع غدا النظر في عيون شهدائنا أن تضحيتكم لم تكن سدى.