هل اختبرت يومًا بعض أحلام اليقظة؟

سأخبرك كيف تبدو على أي حال، سترى نفسك أكثر جرأةً من الحقيقة، ستغني، ستعزف وترقص دون تفكير، لن تتردد في مصارحة من تحبها بمشاعرك، ولن تفكر للحظة قبل أن تقتنص كل لحظات السعادة التي يمكنك تخيلها في الحياة. يمكنك حتى الطيران.

ولكن المختلف في أحلام اليقظة عن أحلام النوم أنها تنتهي سريعًا، يمكنك اعتبارها نافذة في حياتنا نستنشق من خلالها بعض الهواء ثم نعود سريعًا لواقعنا الصعب الذي ﻻ نملك فيه إﻻ قدرات محدودة، ولا تسير الأمور فيه دومًا كما نشتهي. أحلام اليقظة لذلك أكثر صدقًا من أحلام النوم؛ لأنها لا تخدعنا ولا تخبرنا بأن كل شيء على ما يرام، هي تعطينا فقط القدرة على الإحساس بما اشتقنا له، دون أن نفقد الوعي، ودون أن نفقد إحساسنا بواقعنا. هذه الأحلام تمثل هذا الخيط الرفيع بين واقعنا وأحلامنا، هذا الخيط الذي لولاه لما احتملنا الحياة. وهذا الفيلم La La Land يذكرنا بأن بعض الأفلام لا زالت هي نافذتنا على هذه الأحلام.


جائزة الصورة

pegasus_LARGE_t_1581_106952634
pegasus_LARGE_t_1581_106952634

الفيلم يحكي لنا حكاية شاب وفتاة، عازف جاز طموح وممثلة تبحث عن فرصة، يقابل كل منهما الآخر وتستمر علاقتهما في التطور طوال أحداث الفيلم الذي تم تقسيمه لخمسة فصول تحمل أسماء فصول السنة «شتاء، ربيع، صيف، خريف، ثم شتاء مرة أخرى».

نرى في حكايتهما حلم عازف الجاز في امتلاك ناديه الخاص، وحلم الممثلة الشابة في الحصول على دور كبير في أحد الأفلام، ووسط كل هذه الأحلام نرى قصة حب. وبين أحلام تحارب الواقع الصعب لمجتمع السينما والموسيقى في أمريكا، وحب يحارب من أجل البقاء حيًا وسط الأحلام، تستمر الأحداث.

حاول «داميان شازيل» أن يحول قصته هذه إلى فيلم من إخراجه طوال ست سنوات، ولكنه لم يجد من يخاطر من منتجي هوليوود خصوصًا في ظل تراجع وقرب اندثار الأفلام الموسيقية. ولكن بعد فوز فيلمه السابق «Whiplash» بثلاث جوائز أوسكار تغير الأمر وتحول حلمه القديم إلى حقيقة.

الفيلم إذن يعبر عن رغبة قديمة لدى شازيل في صنع فيلم موسيقي يعبر فيه عن امتنانه للعصر الذهبي للأفلام الموسيقية التي أبهرت محبي السينما في الخمسينات. ولذا فقد قرر شازيل أن يتم تصوير الفيلم على طريقة «السينما سكوب»، وهي طريقة لتصوير الأفلام كانت متبعة من بداية الخمسينات وحتى منتصف السبعينات في هوليوود. لم يقتصر الأمر على طريقة التصوير ولكنه امتد أيضًا لروح الفيلم واختيار الأزياء والألوان والتي تستمر في تذكيرنا بكلاسيكيات الخمسينات، ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر «Singin’ in the rain»، و«It’s always fair weather».

وجه آخر للنوستالجيا هو طريقة تصوير شازيل لمدينة لوس أنجلوس والتي أراد أيضًا أن يعبر لها عن امتنانه، وربما في هذه النقطة بالتحديد يمكننا اعتبار لقطات لوس أنجلوس في هذا الفيلم هي من أفضل اللقطات للمدينة في تاريخ السينما الأمريكية. سيتذكر الجميع سماء لوس أنجلوس المليئة بالنجوم وشوارعها التي تراقص فيها «رايان جوسلنج» و«إيما ستون».

la la land
la la land

الجدير بالذكر أن كادرات المدينة تم تصويرها باستخدام الضوء الطبيعي للشوارع في كثير من الأحيان، وفي أحيانٍ أخرى اكتفى شازيل بمصباح إضاءة ملون ومحمول يسلطه على أبطاله أثناء الفيلم. ولكنه تعمد التصوير في لحظات الفجر وشروق الشمس، وهو ما يمكننا في النهاية وصفه بأكثر لحظات الواقع قربًا من الأحلام.


جائزة التمثيل

رايان جوسلنج وإيما ستون هما -وبفارق كبير عن أي منافسين- الثنائي الأكثر قدرة على التفاهم في هوليوود حاليًا. رؤيتهما على الشاشة كانت ربما في نفس مستوى ثنائيات هوليوود الكلاسيكية في الخمسينات. ستراهما يغنيان بشكل جيد ويرقصان بشكل أكثر من جيد. يمتلك كل منهما مواهب متعددة، ولكنهما أيضًا تعلما الكثير من أجل هذين الدورين؛ منها مثلاً تحول رايان جوسلنج لعازف بيانو شبه محترف من أجل هذا الفيلم.

ظهر الجديد في أداء رايان وإيما في La La Land في اللحظات الدرامية الكثيرة التي جمعتهما وعلى غير المعتاد في الأفلام الموسيقية، ليظهر الواقع وصعوباته بين الحين والآخر كلما انتهى أحد الاستعراضات التي تنقلنا لأرض الأحلام.

وأخيرًا لم تقتصر ترشيحات ما قدمه رايان وإيما لجائزة «جولدن جلوب» على فئتي أفضل ممثل وأفضل ممثلة، ولكن ترشحت أيضًا الأغنية الوحيدة التي قاما بغنائها سويًا خلال أحداث الفيلم في فئة أفضل أغنية.


جائزة الموسيقى

من فترة ليست بالقليلة تحولت الأفلام الموسيقية إلى مادة خاصة بأفلام ديزني وغيرها من شركات الرسوم المتحركة، وبسبب تغير عقلية المشاهدين عبر السنين أصبحت الصورة النمطية للأفلام الموسيقية أنها أفلام سطحية تحكي قصة رومانسية بشكل عابر ثم تختمها بنهاية سعيدة.

ولكن ما فعله المؤلف والمخرج داميان شازيل والمؤلف الموسيقي جاستن هوروتز في هذا الفيلم أعاد للأذهان مرة أخرى أن الأفلام الموسيقية تصلح أيضًا كإطار لقصة درامية تحمل في طياتها صراعًا نفسيًا عميقًا تدور أحداثه في الواقع ولا تسير فيه الأمور عادةً كما يحدث في أفلام الأنيمشن، واستحقا بناءً على ذلك ترشيح الفيلم لجائزة الجولدن جلوب في فئة فيلم العام، وترشيح شازيل لجائزتي أفضل مخرج وأفضل مؤلف.

ويمكننا القول أخيرًا بأن الفيلم لم يكتفِ بإثارة النوستالجيا ومزجها بالواقع في صورة مبهجة وجديدة جعلت من استحضار الماضي ميزة وليست عيبًا، ولكنه أيضًا سيجعلك تتساءل وتفكر عقب نهايته في أفكار كثيرة عن الحياة والطموح والحب، تلك الأفكار التي ستلمس كل مشاهد بشكل يختلف عن الآخر.

المقطوعات الموسيقية التي ألفها خصيصًا هوروتز لهذا الفيلم لم تكن مجرد خلفية لغناء الأبطال أو إيقاعًا للرقصات، ولكنها كانت بطلاً لا تقل أهميته عن بطلي العمل الرئيسيين، وربما بعد مشاهدتك للفيلم ستستمر هذه المقطوعة بشكل خاص في الحضور في ذاكرتك لتطرح عليك سؤالاً واحدًا، وربما ستخرج في كل مرة بإجابة مختلفة.


موسم الجوائز السينمائية

lala land
lala land

سلسلة «موسم الجوائز السينمائية» نتتبع فيها أهم الأعمال السينمائية التي تتسابق على الجوائز الفنية المختلفة في موسم يمتد منذ ديسمبر/كانون الأول 2016، بإعلان ترشيحات جائزة «جولدن جلوب»، مرورًا بجائزة «البافتا»، وانتهاءً بإعلان الفائزين بجوائز أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة «الأوسكار» في نهاية فبراير/شباط 2017.

يعتبر فيلم «La La Land» من أكثر الأسماء ترددًا في موسم الجوائز، فالفيلم مرشح لسبع جوائز «جولدن جلوب» دفعة واحدة، أهمها جوائز أفضل فيلم موسيقي أو كوميدي، أفضل ممثل رايان جوسلنج، أفضل ممثلة إيما ستون، وأفضل مخرج «داميان شازيل»، وهو ما يدعم فرصة الفيلم في المنافسة بقوة على جوائز الأوسكار لهذا العام، والتي سيتم الإعلان عنها في 24 يناير/كانون الثاني الجاري.

(يمكنكم متابعة جميع حلقات السلسلة من هنا)