تصنع السينما اللبنانية هذه الأيام إنجازًا فنيًا غير مسبوق على المستوى العربي، وذلك بترشح فيلمين لبنانيين لجائزة الأوسكار في عامين متتاليين؛ وهما فيلم «قضية 23» للمخرج زياد دويري في عام 2017، وفيلم «كفر ناحوم» للمخرجة نادين لبكي في عام 2018.

هذا الحدث التاريخي جذب الأنظار على المستوى العربي والعالمي للتفتيش بشكل أعمق حول تاريخ السينما اللبنانية وكيف تطورت لتصل حكاياتها أخيرًا للتنافس على أهم الجوائز العالمية، وهل نشهد الآن جيلاً سينمائيًا لبنانيًا يعبر عن هذا التطور، أم أنها محاولات فردية صادف حدوثها في أعوام متتالية؟

من المركز البديل للسينما في سنوات تأميم القاهرة، إلى سينما الحرب الأهلية، وأخيرًا إلى الأوسكار، نتتبع معكم اليوم رحلة السينما اللبنانية.


البداية: محاولات اكتشاف الذات

ترجع المحاولات السينمائية في لبنان إلى عام 1929 حيث صنع الإيطالي جوردانو بيدوتي فيلمًا صامتًا في لبنان بعنوان «مغامرات إلياس مبروك». استمرت عقب ذلك المحاولات السينمائية التي قام بها أجانب يعيشون في لبنان خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، لكن أول محاولة سينمائية لبنانية خالصة قد تكون للمخرج علي العريس في فيلميه «بياعة الورد»، و«كوكب أميرة الصحراء» في منتصف الأربعينيات.

في تلك الفترة استقطبت القاهرة، كعاصمة للسينما العربية، الكثير من الفنانين والسينمائيين اللبنانيين، ونذكر منهم المنتجة اللبنانية آسيا داغر، والممثلة اللبنانية صباح، الممثلة اللبنانية سعاد محمد، وغيرهم.

لكن الظهور اللبناني الأول على المستوى العالمي كان من نصيب فيلم «إلى أين» للمخرج اللبناني الراحل مؤخرًا جورج نصر. عرض فيلم نصر في عام 1957 في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي، وحاز على إعجاب الكثيرين نتيجة تعرضه لقضية هجرة الشباب اللبناني والتي كانت ولا زالت تؤرق اللبنانيين جيلاً بعد جيل.

في نفس السياق، وكمحاولة لاكتشاف هوية سينمائية لبنانية، شارك الأخوان رحباني بما يمكننا اعتباره كامتداد لمسرحهم وموسيقاهم وذلك من خلال ثلاثة أفلام قاموا بإنتاجها في الستينيات وقامت السيدة فيروز ببطولتها، ودارت أحداثها بالكامل في الضيعة اللبنانية الجبلية، ولكن المثير للتأمل أن الرحابنة قد استعانوا بمخرجين مصريين لإخراج هذه الأفلام، فرأينا يوسف شاهين في «بياع الخواتم»، و هنري بركات في «سفر برلك»، و«بنت الحارس».


التأميم: مركز السينما البديل

https://www.youtube.com/watch?v=LXF_pw45eNA

ذهاب يوسف شاهين وهنري بركات للبنان لم يكن فقط من أجل الرحابنة، فما حدث في الستينيات كان أشبه بهجرة جماعية بعد قرار الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر بتأميم الإنتاج السينمائي في مصر، وتحديد عدد معين من الأفلام لكل مخرج وكل ممثل، مع زيادة حدة الرقابة على التعبير الفني والسينمائي.

هكذا ويومًا بعد يوم هاجر المزيد من الفنانين المصريين إلى لبنان، انضم إليهم عقب ذلك مجموعة من الفنانين السوريين نتيجة لضغوط مشابهة من السلطة في دمشق، ومع وجود هذا الخليط الثقافي والفني أصبحت بيروت مركزًا بديلاً للسينما العربية، كما أصبح الأستديو اللبناني الأشهر «ستديو بعلبك» أحد أهم مراكز الإنتاج السينمائي في الشرق الأوسط.

في تلك الحقبة زاد عدد الأفلام المنتجة في لبنان لكنها كانت أفلامًا ذات محتوى متواضع، حيث سيطرت عليها الاعتبارات الإنتاجية، بالإضافة لتأرجحها بين اللهجات المصرية واللبنانية والسورية. كانت الخلطة هي من تحكم إذن، نجم مصري ونجمة لبنانية وبعض الممثلين السوريين، قصة حب وبعض المشاهد الكوميدية بالإضافة لبعض مشاهد الأكشن.

استمر الأمر هكذا حتى تأثر الإنتاج السينمائي في لبنان في بداية السبعينات بموجة التحرر العالمي وأفلام الهيبيز، فنتج عن ذلك محتوى سينمائي مهتم بالأساس بالحب والجنس.

على الرغم من كل هذا فإن هذه الفترة أيضًا قد تخللها إنتاج بعض الأفلام المتأثرة ببداية نشاط المقاومة الفلسطينية ضد المحتل الصهيوني ونذكر منها فيلم «كفر قاسم» للمخرج اللبناني برهان علوية ومن إنتاج لبناني سوري مشترك، وهو الفيلم الذي تدور أحداثه عن مذبحة إسرائيلية بشعة وقعت في منتصف الخمسينيات، الفيلم من إنتاج عام 1974.


الحرب: سينما الإخوة الأعداء

في عام 1975 اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية واستمرت أحداثها حتى بداية التسعينيات. خلفت الحرب وراءها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين، وفي القلب من كل ذلك كانت السينما اللبنانية، لينضج على نار هادئة ما يمكننا وصفه بأنه أسلوب سينمائي لبناني خاص، لا زلنا نرى خصائصه حتى اليوم.

إذا أردنا أن نؤرخ لبداية موجة سينما الحرب الأهلية في لبنان فلا شك أن مارون بغدادي هو المثال الأفضل. بغدادي هو مخرج وكاتب لبناني ولد في الخمسينات وبدأ عمله السينمائي بفيلمه الأول «بيروت يا بيروت» في عام 1975 أي في أوج اشتعال الحرب الأهلية، استمر بغدادي طوال 15 عامًا وهو يعبر بأفلامه عن الحرب الأهلية وفقط.

أسلوب مارون بغدادي قد أثر وبلا شك في من تلوه، فنرى أن التيمة الإنسانية هي المسيطرة على الحكاية حتى ولو وقعت الأحداث في خلفية الحرب، التفاصيل الإنسانية الصغيرة هي الأهم، حكايات المحبين، المراهقون الشغوفون بالحياة، بالإضافة لانتشار لغة شعرية رومانسية حالمة في كافة أفلامه.

هذا الأسلوب الفريد من نوعه قد حمل حكايات مارون بغدادي إلى خارج لبنان، فعرضت أفلامه في مهرجانات سينمائية أوروبية وعالمية، ونذكر منها فيلم «حروب صغيرة» الذي تم عرضه خلال عام 1982 في مهرجان كان السينمائي الدولي ضمن قسم نظرة ما، وفيلم «خارج الحياة» الذي تم عرضه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان في عام 1991، وفاز في خاتم المهرجان بجائزة لجنة التحكيم ليصنع الإنجاز اللبناني السينمائي الأهم في تلك الحقبة.

في نفس الجيل أيضًا ألهمت الحرب المخرج اللبناني جان شمعون لصناعة أفلام غلب عليها الطابع التسجيلي، ليحاول من خلالها تأريخ الاقتتال الأهلي الذي شهدته لبنان، ومن أبرز هذه الأفلام فيلمه «تل الزعتر» عام 1976 الذي سجل فيه المجزرة البشعة التي وقعت في حق اللاجئين الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

استمر جان شمعون وحتى رحيله عن الدنيا في صناعة أفلام تجمع بين النمط التسجيلي والروائي وتدور حول الحرب وآثارها حتى رحل في عام 2017، وطوال هذه الرحلة شاركته زوجته ورفيقة كفاحه مي المصري في إخراج العديد من الأفلام، ونذكر منها فيلم « بيروت – جيل الحرب» الذي تشاركا في إخراجه سويًا.


الأوسكار: حاضر الإنتاج المشترك

الآن وبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا على نهاية حقبة الحرب الأهلية اللبنانية، لا تزال مخلفات الحرب وآثارها مسيطرة على أسلوب السينمائيين اللبنانيين.

يبدو زياد دويري مثالاً واضحًا على هذا، فالرجل الذي بدأ مشواره بفيلم «بيروت الغربية» في عام 1998 والذي فاز من خلاله بجائزة خاصة من مهرجان كان السينمائي الدولي، ﻻ يزال يركز في أفلامه على حكايات الحرب الأهلية، سواء في «بيروت الغربية» الذي تدور أحداثه عن ذكريات زياد دويري نفسه في زمن الحرب، أو فيلمه الأخير «قضية 23» والذي ترشح لجائزة الأوسكار في العام الماضي، والذي تدور أحداثه عن مشاجرة بين لاجئ فلسطيني مسلم ومواطن لبناني مسيحي، وفي خلفية المشاجرة يعود بنا دويري لذكريات مجازر الحرب الأهلية أيضًا.

اقرأ أيضًا:فيلم «قضية رقم 23»: التعرية والسباب قبل المصالحة

الجديد في المعادلة الخاصة بالسينما اللبنانية في جيلها الحالي هو وجود الإنتاج الغربي، الأوروبي بالتحديد، كعنصر جديد، فزياد دويري الذي ذكرناه مسبقًا قد هاجر بالكامل هو أسرته إلى فرنسا، ويقوم الآن بصناعة أفلامه بإنتاج فرنسي مشترك.

الاسم الجديد أيضًا على خارطة السينما اللبنانية هي المخرجة والممثلة نادين لبكي، التي ظهرت كمخرجة سينمائية بعد سلسلة قصيرة في إخراج الكليبات الغنائية. منذ فيلمها الأول «سكر بنات» في عام 2007، أظهرت نادين رؤية سينمائية خاصة يمكنها جذب الاهتمام الغربي أيضًا.

استمرت لبكي في التاثر بأسلوب السينمائيين اللبنانيين في التركيز على تفاصيل اللغة السينمائية واستخدام لغة شعرية لكنها أضافت لها أيضًا بعدًا نسويًا، وهو ما ظهر في «سكر بنات»، حيث تدور الحكاية بالأساس عن هواجس النساء في المجتمع اللبناني، نساء عاملات في مختلف المراحل العمرية يبحثون عن الحب. عُرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي ضمن فعالية «أسبوع المخرجين».

أفلام نادين لبكي الثلاثة يجمعها عاملان مشتركان أولهما أنهم جميعًا قد تم عرضهم للمرة الأولى في كان، فبعد «سكر بنات» في أسبوع المخرجين، تم عرض «وهلأ لوين» في قسم نظرة ما عام 2011، قبل أن يُعرض أخيرًا فيلم «كفر ناحوم» ضمن المسابقة الرسمية عام 2018، ويفوز بجائزة لجنة التحكيم. العامل المشترك الآخر أن المنتجة البلجيكية المقيمة في باريس آن دومينيك دوسان قد شاركت في إنتاج الأفلام الثلاثة.

يبدو إذن أن رؤية لبكي الإنتاجية تتقاطع بشكل مباشر مع رؤية توسان، فيصلنا في النهاية منتج سينمائي لبناني شارك في صياغته وصنعه الأوربيون كما أنهم يستسيغون أفكاره ومحتواه. كل هذا لا يقلل من قدرة لبكي الإخراجية على سرد حكايات إنسانية مؤثرة لا زالت تحمل في طياتها خصائص مجتمعها اللبناني.

المعضلة الأساسية والتي عبرت عنها نادين لبكي وآخرون من قبلها هي أن صناعة السينما اللبنانية غير موجودة بشكل حقيقي، وأن ما نراه الآن ما هو إلا مشاريع لبنانية فردية تمول بالأساس من منتجين غربيين، وهكذا ومع قلة مشاريع السينما اللبنانية سنويًا يبقى على عاتق من ينجح في الوصول لهذا التمويل مسئولية تمثيل لبنان ومجتمعها وسرد حكايته.