لا يزال الفن قادرًا على إدهاشنا، ولا يزال لدى «السينما» تحديدًا الكثير الذي يمكنها أن تقدمه لعشّاقها، خاصة إذا توفّرت لها عوامل الاجتهاد والإخلاص والصدق في تقديم صورةٍ بصريّة شيقة، وبذل الجهد الكبير من أجل تقديم العمل الفني بكل إتقان.

في أول فيلم يتم تصميمه كليةً بواسطة «لوحات زيتية»، تم رسمها والعمل عليها من خلال رسومات 125 فنانًا من دولٍ مختلفة على مدى أكثر من خمس سنوات، يقدّم المخرجان «دوروتا كوبيلا» و«هيو ويلشمان» لوحةً سينمائيةً شديدة الجمال والدقة في فيلمهما «Loving Vincent» الذي يعرض في مصر حاليا ضمن برنامج «بانوراما الفيلم الأوروبي»، يتناولان فيه الأيّام الأخيرة التي سبقت وفاة الفنان العالمي الكبير «فينيست فان جوخ» الذي قضى حياته من أجل الفن، وقرر فجأة أن ينهيها منتحرًا في وفاةٍ غامضة، لم يعرف أسبابها أقرب الناس إليه.


الحكاية التي يعرفها الجميع

تبدأ حكاية الفيلم بالرسالة الأخيرة التي يود أن يوصلها الشاب «آرماند رولين» إلى «ثيو فان جوخ» بعد عامٍ من وفاة أخيه، فيفاجأ أنه قد توفي هو الآخر بعد وفاة أخيه بستة أشهر، فيبحث عمّن يوصل إليه رسالته في نفس المكان الذي شهد وفاته، وهناك يتتبّع سيرة حياة «فان جوخ» من خلال تعرفه على الأشخاص الذين قضى معهم أيامه الأخيرة. وبتتبع حكايات فان جوخ المختلفة يتشكك في أمر وفاته أيضًا، وما إذا كان قد مات مقتولاً أم منتحرًا بالفعل!

لم تكن حادثة انتحار «فان جوخ» المأساوية وحدها هي قصة الفيلم، وإن اعتمد الخط الرئيسي في السرد السينمائي عليها، ولكن استطاع المؤلف أن يضفِّر مع هذه الحكاية حكايات أخرى تعكس جوانب من حياة ذلك الفنان الاستثنائي، الذي كان حريصًا على أن يصل بفنه إلى العالم، وأن يترك ذلك الأثر الخالد بفنه ورسوماته ذات الطبيعة الخاصة جدًا، والتي أصبحت علامة فنيّة حقيقية بعد وفاته!

يدور «آرماند»، الحداد الشاب بنفسية المحقق في بلدة «أوفير» الفرنسية الصغيرة التي مات فيها «فينيست فان جوخ»، فيسعى لمقابلة طبيبه «غاشيه»، ولكنه قبل أن يلتقيه يرى عدداً من الأشخاص المحيطين به، ويتعرّف من خلالهم على طبيعة علاقات «جوخ» بالناس من حوله، وكيف أنه من الممكن أن يكون قد قتله أحد الشباب الذين كان يسهر معهم، يسعى «آرماند» للوصول إلى تلك الحقيقة، ويبقى المشاهد متعلقًا بكشف غموض وفاة «فان جوخ» حتى اللحظات الأخيرة من الفيلم، حينما يظهر طبيبه، ويعترف له ببساطه أنه ربما كان سببًا رئيسًا في أخذه قرار الانتحار.


فان جوخ في السينما

تم تصميم الفيلم بالكامل من خلال تلك اللوحات الزيتية التي رسمها الفنانون، والتي اعتمدت بشكل أساسي على لوحات رسمها فان جوخ نفسه، بل اعتمد الفيلم على الشخصيات التي ظهرت في لوحاته، حتى أماكن التصوير تظهر في الخلفية، وهكذا ظهرت اللوحات متحركة بأسلوب ضربات الفرشاة في اللوحة الزيتية الذي عُرف به “فان جوخ” وكانت حركة تلك الضربات مما بث الروح في لوحات فان جوخ وجعلنا ندخل في عالمه الفريد الذي أسس عليه ثورته الفنية كلها، كما جعلتنا نشعر أننا نشاهد شخصيات الفيلم وحركاتهم كأنها حقيقية، وكان من البراعة بمكان أن تكون تلك اللوحات مستلهمة من رسومات «فان جوخ» نفسه، كما استعان المؤلفان برسائله إلى أخيه، ذلك التراث المكتوب الوحيد تقريبًا الذي بقي من «فان جوخ» إلى جوار رسوماته.

استعان المخرجان أيضًا باللوحات المرسومة بالأبيض والأسود للعودة إلى الماضي، ولقص أطرافٍ من حكاية «جوخ» السابقة، تلك التي تأتي على لسان الأشخاص الذين يقابلهم «آرماند»، وكان ذلك الاستخدام لتلك التقنية أيضًا موفقًا إلى حدٍ بعيد، إذ استطاع أن ينقل المشاهد ببساطة إلى أطراف الحكاية، دون أن يضيع تركيزه في الحكاية الأصلية، كما اعتمد المخرجان على مشاهد مصورة لممثلين حقيقيين لأداء الشخصيات الأساسية، ثم قام الرسامون بعد ذلك بالاعتماد على هذه الصور لرسم لوحاتهم، بالرغم من أن بعض النقّاد يرون أن تلك الفكرة متناقضة مع فلسفة فان جوخ، لأنهم اختزلوا الرؤية الخاصة بهؤلاء الرسامين في لوحاتٍ مرسومة بالفعل، مما قلّص من فرصتهم في وضع رؤيتهم الخاصة للواقع، وهو ما قامت عليه مدرسة «جوخ» الانطباعية.


حياة قصيرة وسيرة واسعة

أنا في نظر الناس نكرة، شخص بغيض ومستهجن، أريدهم أن يعرفوا عبر لوحاتي ذات يوم كم كانت مشاعري حنونة وعميقة.

تبدو حياة «فان جوخ» في النهاية شديدة الغنى والثراء، ولا شك في أن علاقته بأخيه «ثيو» والرسائل المتبادلة بينهما طوال حياته كان بإمكانها أن تضيف أبعادًا أخرى أكثر تفصيلًا في حياته، ولكن صناع العمل قرروا أن يتم التركيز على أيامه الأخيرة، مع إشارات بسيطة إلى طفولته ونشأته، ولا شك أن تلك الحياة ـ على قصرها ـ (حيث انتحر في السابعة والثلاثين من عمره) تستحق المزيد من الحكايت والأفلام، وتجدر الإشارة إلى أن حياة فان جوخ تلك كان قد استلهمها الكاتب الأمريكي «إيرفنج ستون» وكتبها في رواية من 770 صفحة تم نشرها في رواية باسم «فان جوخ .. بين الشهوة والحرمان»، وترجمها ناهض الريٍس وتم نشرها في وزارة الثقافة السورية.

بما يقارب الـ65 ألف كادر سينمائي، وبالاعتماد على 853 لوحة زيتية لأكثر من 100 فنان، استطاع مخرجا الفيلم (وهما المؤلفان أيضًا بالتعاون مع جاسيك دينيل) أن يقدما لوحة سينمائية مبهرة شديدة الجمال والجاذبية، وأن يضعا المشاهدين في معرضٍ لوحات «فان جوخ» بينما تُروى أطراف من حكايته، وفي النهاية نستمع إلى إحدى رسائله التي يتساءل فيها عن جدوى ما يقوم به، وهي مأساة الفنان في كل عصر وأوان، ذلك الذي لا يجد له مكانًا بين الناس، وحينما يموت يدركون أنه فاتهم روح عظيمة وفنان كبير استطاع أن يجسّد بريشته وأقلامه ذلك التراث الفني الخالد.