مع تطور الاقتصاد الهندي في العقود الثلاثة الماضية، زادت أعمال التعدين واستغلال المواد الخام وشملت استثمارات بمليارات الدولارات، وأصبحت منطقتا شوتا ناجبور وأوريسا موطنًا لعمالقة التعدين الذين وصلت أعمالهم إلى جميع أنحاء الهضاب والغابات في المنطقة التي تضم وحدها 93% من خام الحديد في الهند و84% من الفحم، ولم يجنِ السكان الأصليون من وراء ذلك شيئًا، فلم يتم توظيفهم في تلك الشركات أو تطوير حياتهم، بل إن الحكومة صادرت أراضيهم بالقوة لصالح شركات التعدين، وهـَجّرت القبائل المحلية مما أجج نار التمرد المسلح في تلك المناطق.

في المقابل، ارتفعت شعبية المتمردين «الماويين» الذين يتبنون أيديولوجيا قائمة على فكرة تثوير الفلاحين وحشدهم بهدف إسقاط النظام الرأسمالي وإقامة دولة شيوعية تحقق المساواة، تأثرًا بأفكار ماو تسي تونج مؤسس النظام الشيوعي الحاكم في الصين.

لم تحاول السلطات الهندية بجدية حل الأزمة من جذورها واختارت اتباع النهج العسكري في التعامل مع التمرد لكنها فشلت في قمعه، واستطاعت الميليشيات الثورية حشد عشرات الآلاف من الأتباع وشكلت مناطق القبائل المتضررة حاضنة شعبية متينة لها.

تشكل أول حزب شيوعي هندي عام 1920 تحت رعاية النظام السوفييتي الذي كان حديث العهد بالسلطة في موسكو آنذاك. وبعد استقلال الهند عام 1947، وقعت انشقاقات داخل الحزب بسبب الخلاف على درجة التبعية للسياسة السوفييتية لينشأ الحزب الشيوعي الهندي عام 1964. ومع تصاعد الخلاف بين الصين والاتحاد السوفييتي، بدأ يظهر اتجاه جديد يتبنى نهجًا شيوعيًا لا ينحاز إلى أحد الطرفين. ثم في النصف الثاني من الستينيات، تبلور تيار راديكالي اختار عقيدة ماو المسماة «حرب الشعب المطولة» بقيادة رجل يدعى شارو ماجومدار في منطقة الهيمالايا شمال شرق الهند قاد احتجاجات الفلاحين في قرية صغيرة تسمى ناكسال باري ضد أحد الأثرياء اتُّهم بالمراباة وفرض فوائد كبيرة على القرويين الفقراء الغارقين في الديون.

اشتبك ماجومدار مع قوات الأمن عام 1967، فألقي القبض عليه وقـُتل، مما ألهم كثيرين لمواصلة مسيرته فانتشرت مجموعات ثورية عنيفة في جميع أنحاء البلاد، أطلق عليهم «المتمردون الناكسال»، أعلنوا ولاءهم للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، وظهرت شعارات «رئيس الصين زعيمنا» على جدران المدن الهندية الكبرى مثل كلكتا وبومباي وحيدر أباد.

بعد وفاة ماو وتخلي الصين عن رعاية الحركات الثورية حول العالم، انقسمت الحركة إلى فصائل بلغت حسب بعض التقديرات ما يقرب من 149 مجموعة ادعت كل منها أنها حاملة الراية الحقيقية للإرث الناكسالي، برز من بينهم مجموعتان رئيسيتان كانتا الأكثر تنظيمًا والأفضل تسليحًا هما: «المركز الشيوعي الماوي» في المناطق الشمالية المجاورة لنيبال، و«مجموعة حرب الشعب» في شرق البلاد، وحافظوا على روابط مع مجموعات شيوعية دولية وإقليمية.

لكن الخلاف الإقليمي الدموي بين الطرفين إلى جانب القمع الأمني أبقى المجموعتين منفصلتين حتى عام 2004 عندما اندمجت المجموعتان وشكلتا «الحزب الشيوعي الهندي الجديد»، في عهد رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج، الذي وصفهم بأنهم «أكبر تهديد للأمن الداخلي»، وأعلن المتمردون تمسكهم بجوهر النظرية الماوية مع استبدال العدو ليصبح شركات التعدين بدلاً من ملاك الأراضي.

المواجهة الأمنية

خصصت الحكومة ميزانية خاصة لتقديم المساعدة القتالية للمقاطعات التي ظهر فيها التمرد، وتمت عسكرة الشرطة وتحديث مستودعات الأسلحة بطائرات بدون طيار وغيرها من المعدات المصممة للحروب، وتم بحث إدخال الجيش في تلك المناطق لسحق التمرد، لكن القادة العسكريين رفضوا إقحامهم في نزاعات داخلية وتوجيه أسلحتهم نحو المواطنين، ولم تجد حكومة سينج الدعم الكافي لذلك حتى في صفوف حزب المؤتمر الحاكم.

كحل بديل، كوّنت الحكومة مجاميع مسلحة وقسمت القبائل إلى «مؤيدين» و«أعداء»، ومنحت الراغبين في محاربة الماويين أسلحة وأموالًا ورتبًا فخرية، وقاتلوا ضمن ميليشيا تدعى «سلوى جودوم”»بقيادة الزعيم القبلي ماهيندرا كارما، وهو شيوعي منشق، تحالف مع الحكومة وواجه اتهامات بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

كان عام 2010 أكثر الأعوام دموية في هذه الفترة، فقد خلفت المواجهات بين الطرفين أكثر من ألف قتيل، وتم حظر «سلوى جودوم» بقرار من المحكمة العليا عام 2011، واغتال الماويون كارما ومجموعة من القادة في الحزب الحاكم.

استخدم الماويون قوتهم العسكرية للتأثير على نتائج التصويت في الجولات الانتخابية الهامة، فكان توقيت وأهداف هجمات معينة تدفع لرفع أو خفض أسهم المرشحين والأحزاب المتنافسة. فعلى سبيل المثال، في عام 2007، لعب الماويون دورًا رئيسيًا في إسقاط غريمهم الحزب الشيوعي الهندي الذي يتبنى الأيديولوجيا الماركسية بعدما استمر 34 عامًا كحزب حاكم في ولاية البنغال الغربية.

 وصدّر المتمردون أنفسهم كحماة للسكان الأصليين، وأدى نجاحهم في كبح سلطة الدولة في مناطق القبائل الأصلية إلى ارتفاع شعبيتهم وسط السكان، مما كان له أثر كبير في انضمام مئات المتطوعين الجدد سنويًا إلى الحركة، وضغطوا على التجار لرفع أسعار منتجات الغابات التي كانوا يبيعونها بأقل من سعر السوق، ومنعوا شركات التعدين التابعة للقطاع الخاص من الوصول إلى مناطق الغابات، وقدموا الرعاية الصحية الأولية والتعليم الأساسي لأبناء القبائل ووحدوهم تحت راية حمراء واحدة.

الاحتواء

ساهم تخلي الماويين النيباليين عن العنف عام 2006، في عزلة زملائهم الهنود الذين لا يملكون أكثر من بنادقهم، على عكس الأحزاب الشيوعية الأخرى التي لها حضور قوي في النقابات العمالية واتحادات الطلاب وجمعيات المزارعين. كما أنهم لم يواكبوا الزمن، فالتطلعات المتزايدة للحياة الحضرية بين الأجيال الشابة من أبناء القبائل تجعل الأساليب الماوية القديمة للتوعية باهتة وغير فعالة، ولم تعد الحياة المتنقلة في الغابة جذابة للشباب.

نجحت الحكومة الهندية في اتباع نهج أدى إلى تراجع المد الماوي بشكل كبير، وهو تشجيع المتمردين على القيام بمراجعات فكرية والحصول على عفو حكومي وصرف مكافآت مالية سخية للعائدين، وأدى هذا إلى اختراق معاقل الماويين وفرار العديد من القادة والمقاتلين في السنوات الماضية.

حصل المستسلمون على مكافآت متدرجة بناءً على رتبهم في الميليشيات تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات ومنح مالية إضافية إذا استسلموا برفقة أسلحتهم، وأعلنت الشرطة تجنيد عدد قليل منهم لديها في حين تم تزويد آخرين بمهارات يحتاجها سوق العمل أو قطع أراضٍ لبدء حياة جديدة.

تم نشر قوات الأمن في مناطق كان يتعذر على الشرطة الوصول إليها قبل أعوام قليلة, وأنشئت عشرات المراكز الأمنية هناك، واستعانت الحكومة بتقنيات تكنولوجية حديثة لتتبع أماكنهم كالاستعانة بالأقمار الصناعية أو المراقبة الجوية.

كما ضربت الحكومة جذور المشكلة ووضعت المناطق المتمردة على خريطة التنمية مما أضعف حجج الماويين، فقد ناضلوا لعشرات السنين من أجل توفير الخدمات العامة للقرويين وعندما تم تقديم الخدمات الحكومية رفضوها لأنها تهدد وجودهم، فبناء الطرق وأبراج الهاتف المحمول بشكل عشوائي سيسهل دخول قوات الأمن إلى معاقلهم، وأخذت شعبيتهم تتراجع مع زيادة الخدمات الحكومية حتى تم حصر التمرد في حوالي سبعة جيوب داخل الغابات، وعملت الحكومة على إيجاد وظائف لشباب الريف والاعتراف بحق القبائل في أراضي الغابة، إلى جانب بناء مدارس ريفية وسهلت وصول الأسواق إلى أراضيهم لعزل المتمردين عن السكان.

على الرغم من المحاولات العديدة من قبل مجموعات المجتمع المدني، رفض الماويون جميع العروض للتفاوض بشأن السلام لأن الحكومات السابقة لم تستطع كسب ثقة قادة الحركة الكبار؛ فكل التحركات السابقة للسلام مع الحكومة انهارت بعد أن اكتشف المتمردون أنها كانت محاولات لاختراقهم والكشف عن أسرارهم واستخدم النظام ذلك ضدهم مما أدى إلى اغتيال العديد من القادة، مثل شيروكوري راجكومار الذي كان يشتهر باسمه الحركي، آزاد، المتحدث الرسمي للحزب وأحد أعضاء المكتب السياسي المركزي، الذي اغتالته الحكومة مطلع يوليو/تموز 2010 رغم أنه كان يتولى ملف مفاوضات السلام معها.

اليمين يوحد الكل

في مايو/آيار 2014، تولى حزب بهاراتيا جاناتا اليميني المتطرف زمام السلطة، وتبنى أجندة هندوسية قومية متشددة وقمع المعارضة، مما أدى إلى تقارب المعارضين والتنسيق فيما بينهم، فاجتمع الليبراليون والشيوعيون والداليت والمسلمون والنسويات ومجموعات من مختلف ألوان الطيف الأيديولوجي على اليسار لمواجهة المد اليميني.

ظهر ذلك جليًا في واقعة اغتيال الصحفية جوري لانكيش عام 2017 التي كانت تتناول هموم الطبقة العاملة وتتخذ موقفًا صارمًا مناهضًا للسياسات اليمينية للحزب الحاكم، وتتعرض للتهديد العلني من قبل أنصار رئيس الوزراء ناريندا مودي، لكنها لم تغير نهجها فتم اغتيالها رميًا بالرصاص على أيدي «مجهولين» أمام بوابة منزلها، واحتفل أنصار اليمين بوفاتها علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك اتهم قادة اليمين الهندوسي المتمردين الماويين بقتلها لكن الحزب أصدر بيانًا نفى فيه التهمة بشكل قاطع، وتضامن مع موقفه هذا جميع أطراف المعارضة.

ويبدو أن عزلة الماويين قد تجد حلاً بالتفاف أطراف المعارضة من أقصاها لأقصاها ضد التوجه العنيف المتزايد لأنصار اليمين الذي وصل لدرجة تنظيم حفلات تعذيب وقتل على الهوية لمواطنين يختلفون معهم في الآراء مما أشاع أجواءً من الرعب في أنحاء البلاد؛ ففي موقف ذي دلالة مهمة هدد أحد زعماء طائفة الداليت المنبوذين، براكاش أمبيدكار، بأن الماويين يستطيعون التصدي للغوغاء الذين يحشدهم اليمين قائلًا: «إذا كان لديهم حمقى فلدينا الماويون».

وتشير بعض التحليلات إلى أن الماويين لديهم فرصة ذهبية لاستعادة رونقهم ونفوذهم إذا تمكنوا من تجديد خطابهم واستيعاب المتغيرات المجتمعية والتواصل مع الطبقة العاملة في الهند الذين يقيمون بشكل شبه كامل خارج مناطق الغابات ويرفعون مطالب يمكن للماويين أن يتبنوها، فقد كشف تقرير حديث عن الاختلال الصارخ في توزيع الثروة في الهند حيث يستحوذ 1% من المواطنين على 22% من إجمالي الدخل القومي، ويستحوذ عشر المواطنين على 57% من الثروة، في حين بلغت حصة نصف السكان 13% فقط.