الجمال شيء شديد الخصوصية والنسبية، ولكنها إحدى المُتفق عليهن. في السينما جميلات كثر، ولكن من يجدن التمثيل حقاً معدودات. فما بالك بمن يمكنها التعبير عن كل المشاعر البشرية تقريبًا بعيونها دون كلمات.

هي التي جمعت بين الجمال والموهبة، العيون الواسعة والقد الدقيق، والصوت الهش، القدرة الكاملة على التجسيد، والقدرة الكاملة على الغواية أيضًا.

اليوم نتحدث عن الكنز الفرنسي الوطني، صاحبة الأوسكار الوحيد عن دور ناطق بالفرنسية، «أفروديت» كما يلقبها قدماء الإغريق، «سيمون» كما تلقب نفسها في جولاتها الغنائية، أو كما يعرفها الجميع على الشاشة الكبيرة «ماريون كوتيار».

يمكنها أن تكون قوية وهشة، مفعمة بالأمل ومحطمة للقلوب، كل هذا في آن واحد.

ليوناردو ديكابريو عن ماريون كوتيار


وجه جميل لدى صناع الحكايات

ماريون كوتيار، روسل كرو،
ماريون كوتيار وروسل كرو من فيلم a good year

ماريون، التي ولدت لأب وأم يعملان في التمثيل والإخراج وتدريس الدراما، تربت على أن تسرد حكايات بملامح وجهها وحركات جسدها، هكذا بالفطرة ولدت كممثلة. شبت شيئًا فشيئًا، وتنقلت بين المسرح والأدوار الصغيرة في فرنسا.

أصابها الشك كما يصيب الجميع، وحينما كانت قريبة جدًا من التوقف عن التمثيل والبحث عن شغف آخر، أتى لها أحد صانعي الأحلام لينقذها، وليجعلها تستمر في التمثيل لحسن حظنا جميعًا.

كان العام هو 2003 حينما أخبرها وكيلها أن المخرج الأمريكي الكبير «تيم بيرتون» يريدها لدور جوزفين في فيلمه «Big Fish»، لم يكن دورًا كبيرًا ولكنها تركت أثرها، جوزفين حبيبة وزوجة الابن الذي يعيد اكتشاف الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال في حياة والده الذي لا يتوقف عن إلقاء الحكايات حتى وهو على فراش الموت. هذه الحكاية الدافئة والمحببة للغاية أعطت لماريون إشارة بأنها على الطريق الصحيح.

في العام التالي أتى صانع أحلام آخر بدور أكبر. اختار الفرنسي الشهير «جان بيير جونيه» أن تقوم ماريون بدور «تينا لومباردي» في فيلمه «A Very Long Engagement»، فتاة شغوفة فقدت حبيبها وتبحث عنه، تسعى للانتقام بقدر ما تشعر بالفقد. وفي نهاية العام فازت ماريون بجائزة سيزار الفرنسية لأفضل ممثلة في دور مساعد.

بدأ الصعود شيئًا فشيئًا، حتى وصلت للبطولة المطلقة في فيلم ريدلي سكوت «A Good Year»، في عام 2006. صانع حكايات أمريكي آخر اختارها كوجه فرنسي جميل في حكايته التي قام ببطولتها «راسل كرو» عن رجل أمريكي يعود للريف الفرنسي ليبيع إرث عمه فيجد نفسه غارقًا في الحب ونوستالجيا ذكريات الطفولة معًا. «فاني شانيل» التي قامت بدورها ماريون هي رمز الغواية الفرنسي التي تجمع بين الجمال وخفة الظل والقسوة في بعض الأحيان. فيلم محبب آخر مثل خطوة جديدة لماريون في طرق الصعود لحلمها.


إديث بياف تعود للحياة

https://www.youtube.com/watch?v=aBr74pZCKd0

إن كان لفرنسا صوت فهو بالتأكيد صوت «إديث بياف». حاد وسريع في بعض الأحيان، شجي وحنون في أحيان أخرى، به رائحة النبيذ الأحمر دائمًا.

الطفلة الصغيرة أو «La Mome» هو لقبها، عاشت حياة قاسية بدءًا من طفولة معذبة قضتها بين فتيات الليل في باريس، وشباب قاس قضت نصفه وهي تغني على الأرصفة، وطفل صغير فقدته بسبب المرض وضيق ذات اليد، وأنوثة لم تتمتع بها حيث بحثت عن الحب كثيرًا وحينما وجدته مات حبيبها. رحلة طويلة من الدموع والآلام وصوت امتلك قدرة سحرية للتعبير عن كل هذا، هذه هي إديث بياف التي اختيرت ماريون كوتيار لتؤدي دورها في عام 2007.

التحدي الأكبر هنا أن ماريون جميلة للغاية، كان عليها أن تنسى هذا حتى تجسد إديث المعَذبة، كما كان عليها وطوال مشاهد كثيرة أن تؤدي دور بياف وهي في نهاية حياتها وقبل موتها بشهور وأيام.

قدمت ماريون تجسيدًا لا نبالغ إذا ما وصفناه بأنه من بين أفضل الأداءات التمثيلية في تاريخ الأفلام عمومًا، تجسيد جمعت فيه بين الأداء الجسدي المبهر، والتعبير الدائم عن المشاعر بنظرات العيون، والقدرة على التحكم في درجة الصوت وتردده، الصوت كان دائمًا من نقاط عبقرية أداء ماريون.

ماريون كوتيار في دور إديث بياف

في المشاهد الأخيرة تقدم ماريون تحولات بياف بين الأمل واليأس، حيث تحاول بياف أن تستجمع قواها لأداء أخير لأغنية «Non Ne Ne Regrette Rien». في البدء نشاهد زيارة غير مرتب لها لمؤلف وملحن الأغنية، بياف المريضة بشدة تستمع على مضض في البدء، ثم تتحول مع كل كلمة وكل نغمة، تحب الأغنية وتشعر بها وتضئ عيناها مع كل لحظة فيها.

يجمع المخرج الفرنسي أوليفييه داهان في هذا التتابع بين مقاطع لبياف وهي تستعد للصعود على المسرح، ومقاطع لها وهي على الفراش تعاني من الإعياء الشديد بسبب إصابتها بسرطان الكبد، بالإضافة لمقطع لمقابلة قصيرة لها وهي جالسة على الشاطئ مع صحفية شابة تسألها أسئلة قصيرة عن حياتها بينما هي تحيك وشاحًا من الصوف، وفي النهاية تصعد كوتيار/بياف على المسرح وهي محنية الجسد، تحرك عينيها في تردد، خوف، ترقب، ثم تومئ برأسها نحو الفرقة الموسيقية، تبدأ في الغناء، لا شيء، لا لا أندم على شيء، تتحول عيناها لنظرة متحدية ويستقيم جسدها واقفًا، ثم تختم الأغنية بنظرة رضا.

هكذا استدعت ماريون روح إديث بياف وتلبستها، ونطقت بها عيناها وجسدها قبل صوتها وكلماتها. وفي نهائي العام حصدت ماريون كل شيء تقريبًا، جائزة سيزار، جائزة البافتا، جائزة الجولدن جلوب، وأخيرًا جائزة أوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي، لتصبح أول من يفوز بهذه الجائزة في فيلم ناطق بالفرنسية، والثانية عبر التاريخ لدور غير ناطق بالإنجليزية.

لامست ماريون كوتيار النجوم، صعدت لمسرح الأوسكار لاستلام جائزتها،هتفت: «شكرًا للحياة، شكرًا للحب، يبدو بالفعل أن هناك بعض الملائكة في سماء هذه المدينة».


هشة كالزجاج، قاتلة كألف شمس

ماريون كوتيار، إديث بياف،
ماريون كوتيار، إديث بياف،

تجمع ماريون كوتيار في أدوارها بين نقيضين، فعلى جانب يمكننا اعتبارها الوجه المفضل للسينما في عصرنا لتأدية أدوار الأنثى القاتلة أو «Femme Fatale». وهي أنثى تظهر في الحكاية بجمال ساحر وقدرة قاتلة على الغواية وجذب الأبصار، وعادة ما يرتبط بها مصير البطل وحياته.

أجادت ماريون تأدية هذا النوع من الأدوار فلا يمكننا نسيانها في دور تينا لومباردي في «A Very Long Engagement»، و«أدريانا» عشيقة بيكاسو التي تغوي بطل نسخة وودي ألن الرومانسية في «Midnight In Paris»، و«تاليا الغول» التي تغوي بروس واين ثم تحاول قتله في «The Dark Knight Rises»، و«ماريانا» الزوجة المحبة وعميلة المخابرات السرية في آن واحد في «Allied»، وهي «ليزا كونتيني» الصاخبة، التي تغني وترقص وتعشق بلا خجل في نسخة روب مارشال الموسيقية في فيلم «Nine».

لكن دور المرأة القاتلة الأشهر لماريون كوتيار حتى الآن هو -وبلا شك- دورها أمام ليوناردو ديكابريو في فيلم «Inception». في قصة كريستوفر نولان عن الأحلام المتداخلة تظهر ماريون في دور «مول»، زوجة كوب/ديكابريو التي انتحرت بعد أن فقدت القدرة على التمييز بين الواقع والأحلام، والتي ظلت صورتها المتخيلة تطارده في أحلامه، وتهدد قدرته على تنفيذ عمله، وعلى الحياة بشكل عام.

تظل ماريون/مول تطاردنا كمشاهدين كصورة معبرة عن كل الأحبة الذين فقدناهم، كل الأحداث الأليمة التي تمنينا لو كانت كوابيس، وكل الأحلام التي رأينا فيها أحبابنا وودنا لو كانت حقيقة. تظل غواية وجودها في مقابل خطورة العيش في أرض اللاواقع كسؤال دائم أمام البطل وأمامنا كمشاهدين تائهين بين حياة كتب علينا الفقد فيها حتى نفنى، وخيال لا يمكننا العيش فيه بشكل مكتمل مهما حاولنا. ماريون/مول خطيرة قد تؤدي لهلاكك ولكنك تحبها ولا تستطيع الابتعاد عنها.

على جانب آخر فماريون هشة كالزجاج في معظم أدوارها، فهي كذلك في أحد جوانبها كمرأة قاتلة وهذا ما يدفع محبيها للغواية بها أيضًا، وهي كذلك أيضًا بشكل نقي للغاية في أدوار أخرى، ماريون إحدى أفضل الممثلات التي يمكنها أداء أدوار المعاناة على الشاشة.

فهي «ستيفاني» مدربة الحيوانات البحرية التي فقدت ساقيها في «Rust And Bone» ولكنها استمرت في الحياة ووقعت في الحب، نشاهد الحياة بيعنيها المليئة بالدموع ونظرات التحدي في آن واحد. وهي أيضًا «ساندرا» في «Two Days And One Night»، الشابة التي تحاول إقناع زملائها في العمل بعدم التصويت لصالح فصلها الذي سينتج عنه زيادة رواتبهم، في نسخة الأخوان داردان للنقض الاجتماعي للسياسات النيوليبرالية التي تجتاح أوروبا. ساندرا هشة ومتحدية، ضعيفة وقابلة للأذى ولكنها أيضًا تقاتل من أجل الدفاع عن قوتها واستقلال حياتها.

رُشحت ماريون للفوز بجائزة الجولدن جلوب في عام 2012 عن فيلم «Rust And Bone»، كما أنها رُشحت لجائزة أوسكار ثانية في عام 2015 عن «Two Days And One Night».

في النهاية لا يبدو أن ماريون كوتيار تهتم بشكل كبير بالايرادات أو الجوائز قدر اهتمامها بالعمل مع مخرجين وكتاب يريدون سرد حكايات ذات مغزى، كما أنها تبدو غير مكترثة بالحدود التي يجب عليها تجاوزها من أجل التجسيد المكتمل لشخصياتها، وهي تقول عن هذا إنها تحب نفسها، لا تفكر في إجراء عمليات تجميل لكى تبدو أصغر سنًا في المستقبل، ولكنها أيضا تحب عملها الذي يوفر لها تغييرًا في الشخصيات بشكل مستمر.

لديها ابن وابنة من حبيبها الفرنسي «جواليمي كانيه»، وتقول أن أبويها لطالما أخبراها أنها إن أرادت شيئًا فعليها أن تفعل كل ما تستطيع للحصول عليه، طالما أنها لن تؤذي في طريقها شخصًا آخر. نحن محظوظون لأننا نعيش عصر تألق ماريون كوتيار على الشاشة الكبيرة، والأكيد أننا ننتظر منها المزيد في ما هو قادم من سنين، لتحفر اسمها أكثر فأكثر بين أساطير التمثيل الذين سنتذكرهم من هذا الزمان.