جيل الثمانينيات والتسعينيات أكثر أجيال اختفت فيها أصوات نسائية مصرية، اختفاء لفترة طويلة مثل «نادية مصطفى» و«شيرين وجدي»، أو للأبد مثل المطربة «أميرة»، التي اكتشفها «حميد الشاعري»، وللعلم أغلب من اكتشفهم حميد من أصوات نسائية اختفى أيضًا من الوسط الفني.

مع فضاء الساحة النسائية في الغناء، كانت «أنغام» تثبت كل يوم أنها أهم مطربة في مصر، حتى مع ظهور مطربات جدد مع بداية الألفية، كان قد أصبح لها تاريخ طويل تستند إليه لتؤكد أنها واحدة من أهم مطربات مصر خلال الثلاثين سنة الأخيرة.


الكنز الفني

التأسيس الصحيح والبناء بدقة مهندس وخبرة عامل، جعل صوت أنغام يتقن الغناء، وجعلها واثقة في قدراتها وعلمها بالغناء وقواعده، فنشأت في أسرة فنية، والدها الموسيقار والملحن «محمد علي سليمان»، وعمها المطرب «عماد عبد الحليم»، الذي أهداه «عبد الحليم حافظ» اسمه، اقتناعا منه بصوته وموهبته، درست الموسيقى في معهد الكونسرفتوار، فكان التأسيس من الاتجاهين الأكاديمي والعملي.

بجانب التعليم، كانت البداية على الساحة الفنية وهي طفلة صغيرة لم تتعدَ العشر سنوات، وبالطبع بتقديم وإشراق من والدها، فغنت معه أغنية «أنغام بنتي حبيبتي»، ثم غنت بعدها بعدة سنوات أغنية من لحن والدها أيضا هي «عصبية وكلي غيرة»، وهي أغنية غريبة على أن تكون بداية لطفلة لم يتجاوز عمرها الــخامسة عشر عاما، لكن بعد كل هذه السنين، ربما تكون هي أكثر أغنية تصف شخصية أنغام وخاصة جملة «عنديه وطبعي حامي، وكرامتي واحترامي عندي بالدنيا ديه».

تم اعتماد أنغام مطربة بالإذاعة والتلفزيون وهي في الرابعة عشر من عمرها، وأطلقت أول ألبوم «الركن البعيد الهادي» بعدها بعامين، وتوالت الألبومات والنجاحات، وبدأ والدها يجني ثمار تربيته وتأسيسه للطفلة أنغام، كان محمد علي سليمان يرى أن أنغام هي كنزه من الفن، هدية القدر له بعد أن خالفه الحظ ليثبت وجوده الشخصي في التاريخ الفني، فكانت أنغام وحنجرتها أغلى وأثمن مكافأة ومفاجأة له وللناس.

استمر عمل أنغام تحت عباءة والدها حتى ألبوم «بتحب مين» 1997 الذي كان آخر تعاون بينهما، وكان ألبوم «وحدانية» 1999 أول ألبوم لأنغام دون وجود مكتشفها ومربيها ومعلمها ووالدها.

وكان الخلاف أساسه زواج أنغام من مهندس الصوت «مجدي عارف»، ورفض الأب للزواج، وإصرار أنغام، لكن الخلاف الخفي هو خلاف الحلم والنجاح، أنغام ستخرج من سيطرة والدها، سيصبح لها حياتها الخاصة، وبالتبعية ستصبح لها حياة فنية خاصة، وبدأتها بالفعل مع ألبوم «وحدانية» ليمثل انطلاقة فنية لأنغام وحدها بلا سند ولا قائد، تحمل فقط خبرة واحتكاك وعمر من التعلم والدراسة.

هل بعد 17 عامًا من الفراق فني، نستطيع الفصل أن أنغام لم تعِش في جلباب أبيها؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه، أو على الأقل عرض الصورة من زاوية مختلفة، وترك الإجابة على المتلقي، ماذا كانت تقدم أنغام قبل الافتراق الفني عن والدها، وهل اختلف عما قدمته بعد ذلك وحتى الآن؟


جلباب محمد علي سليمان

امتازت أنغام بالغناء الصحيح، وعدم النشاز، والقدرة على غناء الأغاني الصعبة، فأول ما غنت أنغام كانت قصيدة أشواق للموسيقار «رياض السنباطي» وهي بعمر خمس سنوات، وغنتها فيما بعد مع والدها في برنامج «أستديو 85» في التلفزيون الأردني مع الإعلامي «حكمت وهبي»، وغنت أيضًا قصيدة «اعتذار» من ألحان الموسيقار «محمد الموجي»، وكل ذلك تحت أشراف والدها.

ولأنغام جوالات مع الأغاني القديمة في بدايتها الفنية، فغنت للعظماء الثلاثة، «أم كلثوم» و«محمد عبد الوهاب» و«عبد الحليم حافظ» منذ بدايتها، في عيد الإعلاميين 1991م، ومهرجان قرطاج في نفس العام، وبعدها بأقل من عشرة أعوام، غنت في مهرجان الموسيقى العربية الثامن، قصيدة «وجلست»، وقصيدة «مضناك» للموسيقار «محمد عبد الوهاب»، لذلك ليس جديد ظهور أنغام في حفلات مهرجان الموسيقى العربية، أو غنائها للأغاني القديمة في برنامج أو حفلة.

أيضًا كان لذلك أثر في طريقة غناء أنغام، أثقل الموهبة، لتقدم أغاني طربية وطويلة بكل ثقة واقتدار، مثل «يا طيب» في ألبوم (ببساطة كده 1991)، ومن بعدها «شنطة سفر» في ألبوم (إلا أنا 1993)، وأغنية «بكرة تشوف» والتي تحولت لأغنية شعبية فيما بعد، وبالطبع الثلاث أغنيات من تلحين والدها، ومن ثمَ أغنية «أقدر ومقدرشي» وبدايات دخول الملحن أمير عبد المجيد في مسيرة أنغام الفنية.

كما لعب محمد علي سليمان على فكرة جديدة مع الشاعر «بخيت بيومي» في تقديم أغاني يكتبهم بخيت مستدعيا أدوارًا وقصائد قديمة، وقدموا موشح «الغرام في الأصل إيه»، في ألبوم (اتفقنا 1990)، ليأتي في ذهنك سريعا دور محمد عثمان «الغرام في الأصل نظرة»، وبعدها بثلاث سنوات، يقدم الثلاثي مرة أخرى أغنية «لا زلت أبحث عن سبب» وفيه تقول أنغام: «الحبيب اللي فتني مال عني واحتجب في الليالي سبني أغنى وادعى مني الغضب»، وبالطبع فهي مبنية على قصيدة شوقي «مال واحتجب».

كانت الخطوة الثانية بعد التأسيس والظهور في مصر، هو الوطن العربي والخليج تحديدا، ومثلما كان الخليج هو سفينة نوح وطوق النجاة وحلم النجاح والثورة، لأغلب طوائف الشعب، كان للفنانين نصيب كبير في هذه السفينة، وخاصة في التلفزيونات الخليجية أو الحفلات، وكان والد أنغام يحاول بكل الطرق ليعرف الوطن العربي كله هذه المفاجأة الجميلة، عن كنزه في الفن ومكافأة الرب له، فكانت الكويت والأردن بداية الانطلاق للوطن العربي عامة والخليج خاصة، فظهرت في أغنية «عصبية وكلي غيرة» في التلفزيون الكويتي، ومع الإعلامي حكمت وهبي في التلفزيون الأردني.

غنت أنغام أغاني وطنية مصرية، وأغاني دينية، كالليلة المحمدية، وأغنية «الطيبات للطيبين»، وكان لها عدة أغانٍ اجتماعية عن الأم والأشقاء والأب والأعياد، والمصايف وغيرها من المناسبات الاجتماعية، لتبقى أقرب وأقرب لجمهورها، ومع رحلة الجيش للكويت وقت غزو العراق في بداية التسعينيات، غنت أنغام بصحبة مجموعة من المطربين على رأسهم عمها «عماد عبد الحليم»، أغنية «أنا من البلاد دي»، كلمات «عبد الوهاب محمد» ولحن «بليغ حمدي»، وإذا ما نظرنا الآن على المطربات المشاركات في هذه الأغنية، سنجد أنغام على رأس القائمة من النجومية والمكانة الفنية والتاريخية.

كل ما سبق كان يزيد من التنوع أمام الجمهور، تتسع مساحة جمهورها، كان والدها والمسئول عن كل تحركاتها في البداية، يرى منذ البداية أن حفلات الخليج غير كافية لترك بصمة في الخليج، فكانت مثلا أغنية «لا يا الحب» في أول ألبوماتها وأول تعامل مع الجمهور في شكل ألبوم، تقدم أغنية خليجية بحتة، من كلمات «عزت الجندي» ولحن والدها، لتؤكد أن المطربة القادمة قادرة على غناء أغانيكم، وبعدها بعدة سنوات ومع بداية التسعينات، تبدأ الشابة أنغام حفلتها في قصر الثقافة في الأردن بأغنية وطنية أدرنية، «عمان شمس ونجوم.. مدينة الأبطال»، لذلك عندما تغني أنغام بعد ذلك بعدة سنين أغنية «صباح الخير يا عمان»، لا يكون أمرًا جديدًا أو اختلافًا طارئًا على مسيرة أنغام التي رسمها لها والدها منذ البداية.

ومع رؤية بدايات أنغام، نجد الأغنية الأولى كانت أقرب للذاتية، حتى في تقديم والدها: «مشكلة بيني وبين المدام تصالحني هي عليها، اسمعوا الفكرة دي يمكن تعجبكم»، وبعدها «عصبية وكل حيرة»، ومع العلاقات العاطفية قدمت أنغام منذ البداية أفكارًا وتناولًا جعل لها بصمة مختلفة عن باقي جيلها، مثل «الركن البعيد الهادي»، و«أول جواب»، و«صديقة الطفولة»، و«احلويتي»، وغيرها من الأغاني، فكل ما غنته فيما بعد أنغام ونجح نجاح باهر كان مبني على هذه الفترة، على المؤسس صاحب المفاجأة.

ولأنغام علاقة قوية بالذاتية والحزن، ربما كانت وراثة من عمها، عماد عبد الحليم، الذي كان بمثابة شقيق أكبر أو صديق مقرب، يعلم كل أسرارها الشخصية، ورأت أنغام نجاح عمها، وسقوطه أيضُا في بئر الاكتئاب والمخدرات ثم الرحيل صغيرًا، في كل فترة من فتراتها الفنية، أو حفلة، تجد أغنية تخرج فيها أنغام إلى حدود السماء، تخرج فيها كل أحاسيسها وطاقتها الغنائية، بداية من أغنية «يا طيب»، وحتى أغنية «اكتبلك تعهد» في حفل ختام مهرجان الموسيقى العربية.

ربما يرى البعض اختلافًا تامًا، بين أنغام مع والدها، وأنغام بمفردها، ولكنه ﻻ يعدو أن يكون اختلافًا شكليًا وسطحيًا، لمواكبة التطور وبداية الألفية، ولكن الأساس لم يتغير، حافظت فيه أنغام على مكانتها، وعلى احترامها لفنها، ولم تنسق وراء الأغاني الرديئة من كلمات أو لحن، وأيضًا تطورت وقدمت أغاني تتناسب الذوق الحالي والعام، وتحقق انتشارًا وتزداد قاعدتها الجماهيرية بشكل واضح.

ومع مرور ما يقارب الــسبعة عشر عاما، على انقطاع العلاقة الفنية بين أنغام ومكتشفها ومعلمها الأول، ربما لم تخرج أنغام عن مدرسة والدها، ولكنها قررت أن تكون هي المديرة والناظرة والمسئولة الأولى والأخيرة عما تقدمه، بداية من خلق شخصية لها، وتقديم أغانٍ خليجية، وبعده أصبحت من عادة أنغام تقديم ألبومات خليجية وربما كانت هي صاحبة هذه الفكرة في أبناء جيلها، أو بمعنى أدق والدها هو صاحب الفكرة، وتقديم أفكار جديدة مع غناء أغانٍ قديمة والحفاظ على ما وصلت له من مكانة فنية، لم يستطع محمد علي سليمان الحفاظ على المجد لشخصه وحده فقط، ولم تخلع أنغام عباءة والدها إلا في أوقات قليلة، واستثمرت ما صنعه والدها بأحسن صورة، لتبقى أنغام على عرش مطربات مصر الآن.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.