يجلس شاب في العشرين من عمره في غرفته المضاءة بلمبة صغيرة، تشع ضوءا بالكاد يكفي للقراءة. وفي يده يمسك كتيبا صغيرا بحجم كف اليد تقريبا، مرسوم على غلافه رجل عجوز أشيب في نهاية عقده التاسع، يكتب العجوز في ورقة أمامه وخلفه يقف عدة أشخاص هيئتهم مخيفة. أعلى الغلاف يوجد رسمة لبومة فاردة جناحيها ومكتوب تحتها «ما وراء الطبيعة» وبجانبها (روايات مصرية للجيب- أسطورة الأساطير).

أنهى الشاب قراءة الكتيب، وقلبه يدق، لا من الإثارة أو الرعب أو فرط الغموض كما اعتاد منذ بدأ قراءة السلسلة وهو في الحادية عشرة من عمره، ولكن من الحزن. فقد علم أنه لن يكون برفقة «رفعت إسماعيل» مرة أخرى. ولكن كيف أثرت رفقة رفعت إسماعيل على جيل الثمانينيات والتسعينيات، وساهمت في تشكيل تفكيرهم وتطلعاتهم وقيمهم؟


البطل غير الخارق

بداية التسعينيات حيث كان «أدهم صبري» بطل روايات الجيب الأول، رجل المستحيل الذي يجابه وحيداً المخابرات السوفيتية والأمريكية والإسرائيلية. فخر المخابرات المصرية الذي يقود السيارات والطائرات والمكوكات الفضائية. الوصف الأقرب لسلسلة «رجل المستحيل» هي أنها تمثل الأساطير الشعبية التي انتشرت في المجتمع المصري في ذلك الوقت، وربما حتى الآن، ولكن بدرجة أقل عن قدرات المخابرات المصرية، والحروب السرية بين أجهزة المخابرات المختلفة وأقمارهم الصناعية المتطورة التي ترى جسدك بدون ملابس وأنت داخل بيتك. رغم انتشار السلسلة بين الشباب، ولكنها لم تقدم قيمة جديدة ومختلفة، مجرد تسلية في حياة المراهقين المصريين في عقد من أشد عقود مصر رتابة وانحلالا مؤسسيا واقتصاديا.

بظهور رفعت إسماعيل بدأ يأخذ الضوء تدريجيا من أدهم صبري. فرفعت إسماعيل بطل غير خارق، فهو رجل عجوز في أواخر أيامه. لم يتزوج ولم ينجب. ويجلس مع شباب في طور أحفاده يحكي لهم قصصا عاشها. لم يدع البطولة في أي لحظة. بل إنه كان في أغلب الأوقات هو الحلقة الأضعف في تلك القصص، مصدر قوته الوحيد ذكاؤه وبعض الحكمة وربما الخبرة التي اكتسبها مع الوقت والصدفة ورحمة الله به.

كما أنه نحيف جدا ويعاني من الأمراض الصدرية نتيجة التدخين، وأمراض القلب التي تجعله عرضة للموت إذا لم ينقذه قرص «النتروغليسرين». وهو أصلع الرأس شكله قبيح (حسب وصفه)، ويكاد يكون أعمى بدون نظارته «قعر الكوباية». إذن هو مثل الكثير من المصريين في هيئتهم وصحتهم.


التشكيك في الأساطير

بدأت سلسلة «ما وراء الطبيعة» بحكاية الدكتور الشاب رفعت إسماعيل الرافض للخرافات، ولكن في عقده الرابع، وأثناء دراسته في الخارج يواجه أول خرافة، وهي عن مصاصين الدماء. يحاول رفعت إسماعيل إثبات كذب هذه الحكاية، في نهاية القصة لم يجد إجابة واضحة وإن كانت الدلائل تشير لصحة وجهة نظره. الأعداد الأولى للسلسلة أغلبها خصصت للتشكيك في خرافات الرعب الشعبية في البلدان المختلفة. كمصاصي الدماء والنداهة والمذئوبين وآكلي لحوم البشر والوحش الأسكتلندي لوخ ناس والزومبي.

سلسلة ما وراء الطبيعة رفضت بشكل ضمني حكايات الرعب المتداولة في الوطن العربي، كقصص الأشباح والمس الشيطاني والجن وغيرها، وتعد هذه الحكايات هي أبرز تيمات الرعب المستغلة حتى الآن عند كتاب أدب الرعب وصفحات الفيس بوك وأصحاب برامج الرعب في الراديو أو اليوتيوب. يؤمن رفعت أن بعض هذه القصص تحدث، ولكن أغلبها يكون إما خيالات أو نصب.

ميتافزيقيا رفعت إسماعيل هي عن الأساطير غير المشهورة، وعن الكائنات الكونية من العوالم الأخرى. وعن الظواهر غير العلمية كالتخاطر وغيرها. وجبة ميتافزيقيا مختلفة عن السائد في ذلك الوقت. بعض هذه الكائنات ابنة ثقافة دولة أو قبيلة ما. ولكن الكثير من الكائنات التي صاحبها رفعت ابنة «ما وراء الطبيعة». كشياطين جانب النجوم، والدكتور لوسيفر وحكايات سالم وسلمى.

كما قدم تيمات رعب قديمة بأسلوب جديد، بل مصّر بعضها كتيمات الرعب القوطي ورعب المستنقعات وإعادة استغلال الوحوش اللافكرافتية (نسبة إلى الأديب لافكرافت)، وتيمات القصص القصيرة «لإدجر آلان بو». من يكون برفقة رفعة إسماعيل سيصبح عقله محلقا مع الكثير من التيمات الميتافزيقية المختلفة. فما وراء الطبيعة أعادت قيمة الخيال المفقود لقرائها.


الانفتاح على الآخرين

ساهمت سلسلة ما وراء الطبيعة في تدعيم قيمة الانفتاح على الآخرين باختلافاتهم الدينية والعرقية. بالنسبة لشباب لم يكن الإنترنت متاحا لهم، وكان الكثير منهم لم يبدأ بعد في قراءة الأدب بشكل موسع. ورؤيتهم للأجانب والغرب قاصرة على بعض الأفلام الأجنبية في قنوات التليفزيون المصري.

كانت ما وراء الطبيعة تقدم نماذج لأصدقاء رفعت إسماعيل من بلاد مختلفة بثقافات متنوعة. فقصة حب رفعت إسماعيل كانت مع «ماجي كلوب» العالمة الأسكتلندية، ورغم أنها ليست على نفس دينه، ولكنها ظلت مخلصة له، من العدد الثالث حتى العدد الأخير في السلسلة.

وأحد أكثر أصدقاء رفعت إخلاصا ربما بعد «عزت» كان «هاري شيلدون» الأمريكي الأشقر، بالإضافة للراهب الآسيوي «هن تشو كان»، واليهودي «سام كلوبي». أضعف الإيمان قالت ما وراء الطبيعة لقرائها إن هؤلاء يمكن أن يكونوا أصدقاءك وأحبابك. قد تبدو هذه قيمة صغيرة، ولكن في ذلك الوقت وللأعمار السنية المتفاعلة مع السلسلة كانت هذه قيمة ليست بالهينة على الإطلاق.


التشجيع على المعرفة

فتحت ما وراء الطبيعة الباب أمام قرائها من الشباب صغير السن لمعرفة الأدب والكتاب الغربيين، فذكرت أسماء روايات وأدباء على قدر كبير من الأهمية. كـ«ديسفتوسكي» وروايتيه «الجريمة والعقاب» و«الإخوة كرامزوف»، و«تولستوي» وراويتيه «الحرب والسلم» و«آنا كارنينا». والأدباء الأهم في تاريخ أدب الرعب كـ«إدجار آلان بو»، و«ستيفن كينج»، و«لافكرافت».

وذكرت كذلك أسماء الكثير من أهم مخرجي السينما كـ«ستانلي كوبريك»، و«سكورسيزي»، و«فورد كوبلا» وغيرهم. وبالإضافة لكل ذلك كان في جنبات القصة العديد من المعلومات الطبية والعلمية، ومعلومات عن تاريخ الحروب العالمية وحروب القرون الوسطى والممالك المختلفة. كل ذلك يقال على لسان رفعت إسماعيل بسلاسة وبلا تكلف. وهذا فتح أمام القراء أبوابا كثيرة للشغف بالعلوم والآداب المختلفة.

سمح الدكتور «أحمد خالد توفيق» لرفعت إسماعيل بالاستحواذ الكامل على صفحات السلسلة حتى خارج أحداث الرواية. فالمقدمة والأحداث يكتبها رفعت إسماعيل. ومن يرد على جوابات القراء هو رفعت إسماعيل. فجوابات القراء كانت ترسل له وحتى عندما يرسل أحدهم سؤالا لأحمد خالد توفيق، كان يرد رفعت بدلاً من الدكتور أحمد. وأحياناً كثيرة كان يسخر من دكتور أحمد وعاداته وهيئته. السيطرة الكاملة لرفعت إسماعيل على مقاليد السلسلة ساهمت في زيادة شعور قراء السلسلة بوجود رفعت إسماعيل كشخص حقيقي.


نهاية الرفقة

كان قرار الدكتور أحمد القاسي بإنهاء سلسلة ما رواء الطبيعة قرار حكيم. فالشباب الذي تربى على يد الدكتور رفعت أصبحوا طلبة جامعيين وبعضهم تخرج ويعمل، وقد ازدادت رقعة معرفتهم بالأدب والفن. وانتشار الإنترنت واختلاف اهتمامات واحتياجات الأجيال الجديدة حتى على مستوى الأدب، بالإضافة لتقديم السلسلة أغلب تيمات الرعب إن لم يكن كلها. جعل هذا القرار حتميا استمرار السلسلة أكثر من ذلك في غير صالح محبي السلسلة ورفعت إسماعيل والدكتور أحمد.

ولكن رغم إدراك الكثير من قراء ما وراء الطبيعة هذه الحقيقة. وإدراكهم زيادة أمراض وشيخوخة وتدهور حالة رفعت إسماعيل وحتمية الموت. شعر عشاق الرواية بالحزن وبفقدان شخص عزيز غالٍ ظل برفقتهم في سنوات نضوجهم. والآن أصبحنا نتكلم عن ذكرياتنا معه، رحمة الله على الكهل «رفعت إسماعيل» الذي علمتنا رفقته الكثير.