في الآونة الأخيرة تحولت صفحات السخرية «sarcasm» على الفيس بوك لمصدر لإعادة اكتشاف الأفلام والمسلسلات أو بعض اللقطات منها. كذلك تحولت لمصدر لاكتشاف شخصيات كوميدية ظلت مجهولة طوال تاريخها. أو السخرية من شخص ظل طوال تاريخه رمزا وقدوة عند الكثير من شباب المجتمع. مثل «محمد صبحي» الذي انقلب عليه سحره. فدعوته الدائمة للأخلاق أصبحت مصدر السخرية والتندر في كل صفحات الـ sarcasm. عبارات مثل «م ح ت ر م»، و«برميل أخلاق»، و«وسع لشرطة الأخلاق» كلها أصبحت تشير لمحمد صبحي ودعوته المزيفة للأخلاقيات.في هذا التقرير نتتبع مسيرة «محمد صبحي» الحافلة بالتحولات من ممثل سينمائي غير ناجح، لممثل مسرحي مرموق، لدرامي ومصلح اجتماعي، وأخيرا لـ«قائد شرطة الأخلاق».


فشل الحلم السينمائي

حاول محمد صبحي العمل في السينما، فقام ببطولة بعض الأفلام. امتازت هذه الأفلام بالأدوار الكوميدية واستغلال صبحي لجسده النحيف والرشيق في نفس الآن لخلق مواقف كوميدية. بالإضافة لتجربته في فيلم «الكرنك» عن رواية لـ «نجيب محفوظ»، والذي لم يأخذ مساحة عرض وتسويق كافية لجرأته السياسية في الحديث عما يدور في معتقلات سلطة يوليو 52.لنقل إن أفلام محمد صبحي فشلت بدرجة كبيرة، على الرغم أنه التزم بمقتضيات السوق آنذاك. فلم يحاول تقديم رسالة طاغية مثلا، أو محاربة للسلطة السياسية. بل لجأ للقصة الطريفة التي بها بعض الفنتازيا كفيلمي «أونكل زيزو حبيبي» و«هنا القاهرة». لم يبق في الذاكرة من مسيرة محمد صبحي في السينما، وهي ليست بالقليلة على أي حال (قدم 24 فيلم)، سوى فيلمي «الكرنك» الذي شارك فيه صبحي ببطولة ثانوية واكتسب الفيلم شعبيته بعد فترة طويلة من عرضه. و«أونكل زيزو حبيبي» الذي قدم فيه صبحي كوميديا عائلية جيدة.


رفاق النجاح: صبحي ولينين

لمع نجم محمد صبحي في الأعمال المسرحية، خصوصاً في المسرحيات التي تعاون فيها مع صديقه المؤلف المسرحي «لينين الرملي». لينين الرملي هو مؤلف مسرحي من الطراز الأول، ويستطيع الدمج بين قواعد التأليف المسرحي والكوميديا والأحداث الدرامية، مع دعوته القيمية ورؤيته ونقده للمجتمع ورسالته التي يدعو إليها. هذا المزيج الذي يجمع بين المعايير الفنية القوية وتقديم رسالة ما (اتفقت معها أو اختلفت) هو ما افتقده صبحي في الأعمال التي كتبها وأخرجها منفردا أو مع شخص آخر غير لينين الرملي، سواء مسرحية أو درامية. «الجوكر» و«الهمجي» و«تخاريف» و«وجهة نظر» و«علي بيه مظهر» و«أنت حر». كلها مسرحيات ذات قيمة فنية عالية وقدمت رسالتها بشكل جيد ومتوازن وبلا مبالغات.في حوارهما المعنون بـ(حوار مع شقيقي الملحد بمحمد صبحي) على موقع «مدى مصر»، قدم «علي ومحمد قنديل» ملاحظتين ذكيتين، تظهران ميل صبحي مع مرور الوقت للسيطرة بشكل كامل على اللحظات المهمة، سواء كوميدية أو درامية وتهميشه لبقية الممثلين.الملاحظة الأولى يقول فيها علي قنديل: (هاقولك حاجة؛ لاحظ كده لما صبحي يرمي إفيه، هتلاقي الممثلين واقفين ثابتين زي الكراتين، لحد ما السوكسيه يخلص خالص، وبعدها يشتغلوا تاني، لكن لو حد منهم رمى إفيه، أوتوماتيكيًا وبشكل شبه دائم هتلاقي صبحي بيقطعه ويكمل شغل).الثانية؛ يقول محمد قنديل: (كمان في النهاية كل القصص بغض النظر عن جديتها أو هزلها محشورة في إن فيه بطل أوحد ذكي فشخ وهو محور الأحداث، والآخرين كلهم أغبيا أو مغيبين وهو اللي بينقذهم، اللي هي فكرة في حد ذاتها مش تحررية خالص وبتخدم على فلسفة الديكتاتور، الراعي، الأب، البطريرك).على الرغم من أن الأخوان قنديل لم ينكرا تألق هذه المسرحيات وجودتها، ولكن فردانية محمد صبحي وبطولته الكاملة وسيطرة الرسالة والمضمون الأخلاقي على المستوى الفني ظهرت في أعماله الدرامية بشكل فج.


«سوبر صبحي» والمدينة الفاضلة

أدوار محمد صبحي الدرامية تتلخص في الرجل الناصح للمجتمع، ومرشده للقيم والأخلاق، أو البطل العروبي القومي موحد الأمة. قدم صبحي مسلسله الأشهر «يوميات ونيس» ويتجلي في هذا المسلسل رؤية صبحي للأخلاق الأسرية، حيث طابور الصباح والنشيد اليومي والوقوف المنضبط للأولاد. حيث تشعر وكأنك أمام نموذج لأسرة معسكرة وبها درجة كبيرة من تهميش لعقل أولاده وتلقينهم الأخلاقيات. بعدها قدم «فارس بلا جواد» الذي جسد فيه شخصية «حافظ نجيب» البطل الأسطوري المحارب للصهيونية. المسلسل أنتج في فترة الانتفاضة الفلسطينية وحظي بنجاح كبير. ولكن المسلسل كان معتمدا في الأساس على كتاب مجهول المصدر والنشأة كمصدر للمعلومات، وهو «بروتوكولات حكماء صهيون».بعدها عاد صبحي لصيغة يوميات ونيس في عدة صور، مثل «أنا وهؤلاء» و«رجل غني فقير جدا» و«ماما أميركا». دائما صبحي في مسلسلاته يكون مصدر الأخلاق والقيم والنبل الخالص، ودائما يرشد المجتمع المتمثل في بقية شخصيات المسلسل. جميع هذه المسلسلات اعتمدت على أسلوب مباشر للحد الذي جعله يعلق على أزمات يومية في آخر أجزاء ونيس. فكان يجلس مع أحفاده ويفتح نشرة الأخبار (تعرض أخبارا حقيقية اقتصادية واجتماعية في ذلك التوقيت)، ويقوم ونيس بعرض رؤيته لحلول هذه الأزمة (والتي هي رؤية صبحي). تحول صبحي في مسلسلاته الأخيرة التي لم تحظ بأي نجاح نقدي أو جماهيري لخبير اقتصادي واجتماعي وسياسي ومرشد أخلاقي وديني وعروبي ومحارب للصهيونية. الملخص أننا رأينا «سوبر صبحي».


قائد شرطة الأخلاق

بعد فشل مسلسلاته تفرغ صبحي لأعماله الاجتماعية. وكان يُستضاف في البرامج التليفزيونية ليقدم ساعات كاملة من الوعظ. مع تأييده السياسي المطلق للسلطة، جعله محل قبول لدى السلطة، وبالتالي أصبح ضيفا دائما في الفضائيات. فصبحي لا يفعل شيئا سوي وعظ الناس ونقد سلوكياتهم الاستهلاكية (ودلعهم) الزائد عن الحد وابتعادهم عن الأخلاق الحميدة، في مقابل ثناء كامل على السلطة، بل تحريضها أحيانا للجوء لإجراءات أكثر قسوة.في لقائه مع الإعلامية «منى الشاذلي» في إحدى حلقات برنامج «معكم»، تحدث صبحي عن مشروع مسرحيته الجديدة التي يعتمد فيها على الشباب. وظهر معه شابان طويلي الشعر، فنظر لأحدهما وهو يبتسم بأبوية، وقال وهو يشير لرأسه (هما منضموش للفرقة نهائيا أول ماهينضموا فيه حاجات هتتشال موافقين ولا لا من أولها). فقالت له منى الشاذلي باستغراب (أستاذ محمد صبحي اسمح لي بهذه المقاطعة مش عاوزة أجيب صورتك وأنت شعرك قد كده) فبان على ملامح صبحي الارتباك، وقال (أنا مبحبش شعري وهو كان كدا .. الاستايل دا مش بتاعنا احنا بنقلد الحركات واللبس .. أنا مالي بالأمريكان .. أنا اما اعوزه بالشعر هركبله باروكه)، هكذا نرى استغلال صبحي لأي فرصة متاحة لإثبات أنه رجل الأخلاق والانضباط.لم يكتف صبحي بذلك، بل أعطته «شبكة cbc» ساعة كاملة أسبوعيًا ليقدم برنامج «مفيش مشكلة خالص». حيث يقف أمامنا كل أسبوع لينتقد المجتمع وأخلاقه المتدنية واستهلاكه وكسله ونفاقه بجانب تقديم رؤيته للأخلاق الحميدة والسلوك القويم. خلطة صبحي ظلت ناجحة طوال الوقت، ولكن مبالغته في عرضها مع مواقفه السياسية المؤيدة بشكل مطلق للسلطة، جعلت من وعظه الأخلاقي مصدرا للسخرية. وربما تكون تلك السخرية هي إعلان لموت دور قائد شرطة الأخلاق.