يعد الملا عبد السلام ضعيف من الشخصيات التاريخية في طالبان، فهو من مؤسسيها، وشغل عدة مواقع حساسة في الدولة إبان حكم الحركة سابقًا لأفغانستان.

وقد أصدر كتابًا بعنوان «حياتي مع طالبان»، يحكي فيه تجربته الشخصية وكيف تأسست الحركة، ويعد الكتاب السيرة الذاتية الأولى والوحيدة لقيادة من قيادات هذه الجماعة.

 ويوضح أن طالبان موجودة منذ عقود في أفغانستان، فالطالبان هم «الطلبة» بلغة الباشتو المحلية، ويقصد بهم تحديدًا طلبة المدارس الدينية، فلم يكن المصطلح يعبر عن جماعة محددة لها تاريخ تأسيس معين وقيادة موحدة، بل عن مجموعات طلبة العلوم الشرعية الذين انخرطوا في القتال ضد الغزو السوفييتي الذي بدأ عام 1978، ولم ينتهِ إلا أواخر الثمانينيات، ووقتها كان الآلاف من مختلف القبائل والأعراق يقاتلون ضد السوفييت في جهاد كانت تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية نكاية في موسكو.

ويلفت ضعيف إلى أن ملايين السكان هاجروا تحت وطأة الحرب إلى باكستان المجاورة، ومن ضمنهم عائلته التي اصطحبته معها ليتنقلوا بين عدة مخيمات قريبة من الحدود تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وأنه واصل دروسه الدينية في المخيمات، حيث كانت مقصدًا للمجاهدين الذين كانوا يعبرون الحدود لزيارة عوائلهم أو للعلاج في حين لم يكن المسافر يشعر بأنه ينتقل من بلد لآخر، فالحدود كانت مفتوحة لدرجة أنهم لم يكونوا يعلمون متى بالتحديد عبروا الخط الحدودي الذي لا وجود له إلا على صفحات الخرائط.

وتبدأ تجربة الملا مع الأنشطة القتالية حينما تسلل من وراء أهله ليلتحق بفرقة قتالية تابعة لأحد المجاهدين داخل بلاده، لكنه لم يلبث أن تركها بعدما رأى أن الرجل لم يكن يأبه إلا لحراسة ممتلكاته في قندهار، فتركه وانضم لمجموعات طالبان، ليواصل دروسه، إذ كان الطالبان ينظمون أوقاتهم بين القتال والعبادة وحفظ القرآن ومذاكرة العلوم الدينية، مما أكسبهم سمعة بين فصائل المجاهدين بأنهم ليسوا من محترفي القتال، وكانت المجموعات الكبيرة تتلقى الدعم من العالمين العربي والغربي، وبالأخص من المملكة العربية السعودية، وتوزعه على الفصائل الأصغر منها.

بعد 13 شهرًا قضاها في ساحات القتال عاد إلى أهله في المخيمات الباكستانية وعاد للدراسة في المدارس الدينية هناك لبضعة أشهر، سافر بعدها لمتابعة القتال، إذ كانت أنباء التقدم الروسي تملأ الأسماع، وحينها أطلقت المخابرات الباكستانية في أواخر الثمانينيات برنامجًا تدريبيًّا للأفغان على الأسلحة المضادة للطائرات والدبابات، وبحسب تقارير فقد بلغ عدد المستفيدين من هذا التدريب حوالي 80 ألفًا، وكان له أثر مهم في حسم الحرب التي خلَّفت حوالي مليون قتيل ومليونًا ونصف مليون معاق، وبلدًا مدمرًا، وأسلحة في أيدي الجميع.

نشأة الحركة

وفي 1988 بدأ الانسحاب الروسي، ودخل الأفغان في دوامة جديدة من الفوضى، فتحول الجهاد المقدس إلى صراع متواصل بين رفقاء السلاح، للسيطرة على مناطق النفوذ، وانتشرت العصابات بشكل لا يُصدق، وسيطرت كل جماعة على قطعة من الأرض قد لا يتعدى الكثير منها كيلومترًا واحدًا أو أقل، وأصبح المار على الطريق بين أي مدينتين مضطرًّا لمقابلة عدة حواجز مسلحة والدفع لها ليُسمح له بالمرور، وانتشرت ظاهرة خطف النساء والأطفال للاستغلال الجنسي، وتجارة المخدرات وغيرها، في غياب أي سلطة عليا، وبدت الحياة مستحيلة.

ويحكي الملا ضعيف أن اثنين من أصدقائه القدامى، هما: عبد القدوس، وندى محمد، زاراه وفاتحاه بأنهما يريدان اغتيال أحد رجال العصابات، فاعترض مبينًا أن انتقام قبيلة الرجل سيطاردهم، فبدأوا التفكير في العودة لحمل السلاح، لكن هذه المرة من أجل قتال أمراء الحرب.

وبعد مشاورة عدد من الرجال الذين اقتنعوا بالفكرة، اجتمعوا في لقاء حضره 33 رجلًا واتفقوا على البدء بتشكيل 3 لجان، الأولى لمقابلة الطالبان الآخرين للحصول على دعمهم، والثانية للقاء كبار قادة المجاهدين السابقين الذين تتبعهم قوات كبيرة وطلب مساعدتهم، والثالثة لاستصدار فتوى من العلماء لإنشاء تلك الحركة، وفي حين رفض من قابلوهم من الطالبان الفكرة، أيدها بعض المجاهدين السابقين، ووافق أحد علماء الدين على الفكرة بتحفظ، وبدأوا التفكير في قائد للحركة غير مشهور في أوساط المجاهدين لكي يستطيع فرض سطوته من اللحظة الأولى، ورُشحت عدة أسماء كان منها الملا محمد عمر، ووافق بعدما تعهدوا له بالسمع والطاعة والدعم.

عُقد الاجتماع التأسيسي لما سيعرف لاحقًا بـ «حركة طالبان» في خريف 1994، في اجتماع حضره أكثر من 40 شخصًا في مسجد صغير، وأقسم الحاضرون للملا عمر على القرآن على أن يدعموه ويحاربوا الفساد والمجرمين، ولم يختاروا اسمًا أو شعارًا أو قوانين للحركة، فقط كان شعار الشريعة الإسلامية، وبدأ الأفراد يتوافدون على القرى المجاورة لتعريف السكان بهم وجمع التبرعات وإعلامهم بقرب انتهاء مشكلة حواجز العصابات.

في الليلة التالية أعلنت إذاعة BBC البريطانية ولادة حركة جديدة تهدف لمحاربة العصابات، أنشأها الطالبان في منطقة سانجيسار، قرب قندهار في جنوب أفغانستان، واختارت وسائل الإعلام تسمية الحركة الجديدة بـ «طالبان»، وبدأ الأهالي يتوافدون على الحركة للتبرع، ويحكي ضعيف أن أحدهم جاء بجوال يجره خلفه به 90 مليون أفغاني (العملة المحلية)، وتبرع البعض بسيارات باهظة الثمن.

 وأرسل عناصر الجماعة الجديدة تهديدات للحواجز المسلحة وطالبوهم بالرحيل، فرفض الجميع وأطلقوا عليهم اسم «أصحاب العمامات المتوحشون»، ووصلت تهديدات كثيرة للحركة، فشن رجالها عدة هجمات عليهم وأزالوا الحواجز بعد مصادمات استمرت لفترة طويلة، وكان الكثير يهرب بمجرد وصول أنباء الاستيلاء على حواجز قريبة منهم، وانضم المئات للحركة، وتوسع نفوذهم بسرعة مذهلة، ويذكر ضعيف أن صحفيين كثر حاولوا إجراء مقابلات معهم، لكنهم كانوا يرفضون تمامًا.

واستمرت قوات طالبان التي انضم لها الآلاف من أنحاء البلاد، ومن باكستان، في التقدم وتوسيع رقعة سيطرتها بعدما سيطرت على الجنوب كله واتجهت لولايات الشمال، وفي المقابل اتحد الفرقاء المتحاربون ضد الحركة فيما عرف بـ «التحالف الشمالي»، في قتال استمر طوال سنوات حكم الحركة.

في حكومة طالبان

كانت الحركة تجمعًا من طلبة المدارس الدينية يعانون من نقص في الخبرات الإدارية، وكان ضعيف من أهل الثقة والكفاءة من وجهة نظر الملا عمر؛ ولذا أسند إليه العديد من المناصب والمسئوليات، فتولى منصب نائب قاضي الحركة، وبعدما سيطرت الحركة على ولاية هرات الغربية، أمضى سنتين مديرًا للمصارف هناك، ثم عُين بعدها نائبًا لوزير الدفاع، وتولى ملف المفاوضات العسكرية مع فصائل التحالف الشمالي، والتي لم تسفر في النهاية عن أي تقدم، ثم عُين سفيرًا في باكستان.

 جاء عام 1999 وحمل معه العقوبات الدولية التي شلت قدرات الحركة كثيرًا، ومُنعت الشركات الأجنبية من التعامل معهم، وفُرضت أكثر من حزمة عقوبات عليهم، وتفاقم الأمر بعد تدمير تماثيل بوذا في ولاية باميان الشمالية، مما أعطى سمعة عالمية سيئة للحركة باعتبارها مجموعة من البرابرة الذين يعادون الحضارة، لكن التحدى الأكبر تمثل في إيواء تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وهو ما كان الطالبان يجهلون أنه سيكون السبب في زوال دولتهم وخوض بلادهم لحرب طويلة الأمد ابتدأت في أكتوبر 2001، واستمرت لمدة عشرين عامًا.

الملا ضعيف يحكي كواليس سقوط الحركة

ويحكي سفير الحركة السابق في باكستان كواليس الأيام الأخيرة في عمر التنظيم، الذي حكم أفغانستان من 1996 حتى 2001، إذ يروي أسرار الضغط على طالبان لتسليم زعيم القاعدة أسامة بن لادن، قبل وبعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 من سبتمبر 2001.

وكانت الحركة التي استمدت قوانين حكمها من الشريعة، هدفًا للانتقادات الأمريكية خلال فترة حكمها، التي امتدت لخمس سنوات، لعدة أسباب على رأسها إيواء تنظيم القاعدة الذي تتهمه الحكومة الأمريكية بالتورط في هجمات ضد المصالح الأمريكية حول العالم.

ويذكر ضعيف أن السفير الأمريكي في باكستان اجتمع معه مرارًا، وأخبره أن القاعدة تحضِّر لشن هجوم كبير ضد الولايات المتحدة، وهو ما نفاه السفير، وأكد لهم أن بلاده لن تكون منطلقًا لأي هجمات ضد واشنطن، ولهذا لما وقعت أحداث 11 من سبتمبر بكى بحرقة لأنه عرف أن نظامه سيدفع ثمن هذا الهجوم غاليًا.

ويقول:

ألحت الولايات المتحدة على أفغانستان أن تسلم أسامة بن لادن أو تسلمه إلى دولة مستعدة لتسليمه، لكن حركة طالبان طالبت بمحكمة تحفظ كرامة ابن لادن، وسببت هذه المسألة تحديدًا شرخًا كبيرًا بين البلدين، حتى إنني لساعات كثيرة ناقشت هذه القضية مع السفير في مكتبه بعد انتهاء ساعات العمل.

وبيَّن أن «إمارة أفغانستان الإسلامية» عرضت على واشنطن ثلاثة حلول، وهي:

1. أن تقدم الأدلة الدامغة على تورط ابن لادن في الهجمات على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وفي هذه الحالة تتم محاكمته في أفغانستان وفقًا للشريعة الإسلامية.

2. أو يمثل ابن لادن أمام محكمة محايدة بها مدعون عامون من ثلاث دول إسلامية، وتتم في دولة إسلامية رابعة، وحينها يعاقب إن ثبتت عليه الاتهامات.

3. وإلا فإن رفضت واشنطن العرضين السابقين فإن الحركة ستلتزم بمنع كل وسائل الاتصال عنه وتمنعه من استخدام أراضيها كمنطلق للهجوم على المصالح الأمريكية حول العالم، لكن الاقتراحات الثلاثة رُفضت وأصر الأمريكان على تسليمه دون شروط مسبقة، وهو ما عقَّد المباحثات.

ويلفت إلى أن واشنطن لو كانت عرضت أن يمثل ابن لادن أمام محكمة العدل الدولية لشكل ذلك مخرجًا لائقًا من الأزمة، ولتوفر الحد الأدنى من العدالة للرجل، لكن ذلك لم يحدث، ويشير إلى أن فرانسيس فيندريل، مندوب الأمم المتحدة، اجتمع معه في مكتبه، ليناقشه في أمر تسليم ابن لادن، مؤكدًا له أن طالبان يجب أن تحترم قرارات المنظمة الدولية.

 ورد عليه بأنه ليس الشخص المؤهل للتحدث في هذا الموضوع، سائلًا: «لماذا يجب على الإمارة تسليمه لأمريكا برغم عدم وجود اتفاقيات قانونية لتسليم الأشخاص بين الطرفين؟!» لكن فيندريل لم يجب على سؤاله، وقال له: «اسمع.. القرار تم اتخاذه، وإذا لم تسلموه فأمريكا ستأخذه بالقوة».

ويشير إلى أن اجتماعات لا تحصى عُقدت لبحث مسألة تسليم زعيم تنظيم القاعدة، دون جدوى، لدرجة أن الأمريكان تنازلوا عن كل مطالبهم ووافقوا على الاعتراف بالإمارة الإسلامية، ولم يعترضوا على أن تكون عضوًا في الأمم المتحدة مقابل تسليم الرجل، وهو ما رفضه الملا عمر زعيم التنظيم بشدة.

وعند وقوع هجمات 11 سبتمبر، اعتبر الدبلوماسي الأفغاني أن الهجوم سيكون تأثيره على بلاده بمثابة هجوم بيرل هاربر على اليابان، الذي أُلقيت في أعقابه قنبلتان نوويتان أمريكيتان عليها كإجراء انتقامي، وخرجت خاسرة من الحرب عام 1945.

وبعد مجموعة من العقوبات الأمريكية على طالبان بات سقوط «الإمارة» مسألة وقت، نظرًا لأن نتيجة حرب بينها وبين أكبر قوة بالعالم صارت محسومة مسبقًا، فأخذ يرسل للرئيس الأمريكي جورج بوش وجميع أعضاء الكونجرس، والصحف الغربية، رسائل يحذر فيها من العواقب الإنسانية للهجوم الوشيك، لكن قرار الحرب لم يكن لتوقفه مثل تلك الرسائل اليائسة في الوقت الضائع.

ويكشف عن أنه برغم التحذيرات والاستعدادات العسكرية، التي بدت حقيقة واقعة بعد هجوم سبتمبر، كان الملا عمر لا يصدق أن واشنطن ستشن الحرب على بلاده، نتيجة طمأنات جاءته من مصادر باكستانية، لكن ضعيف بحكم وجوده في إسلام أباد، ومعرفته بسير الأمور كان يرسل تحذيرات للإمارة بقرب الهجوم، ويشكو من أن الملا لم يأخذ كلامه بجدية، ويحكي كيف أن الاتصالات كانت تأتيه ليل نهار تضج بالبكاء بمجرد بدء أمريكا غزوها لأفغانستان، وكيف حصل على قدر كبير من التبرعات من أفراد لا يعرفهم، كانوا يقابلونه ويسلمونه أموالًا طائلة ومجوهرات ثم يمضون وهم يبكون حزنًا وألمًا، إلا أن قوات الأمن الباكستانية ألقت القبض عليه من منزله، وسلمته للقوات الأمريكية، ليقضي أربع سنوات في معتقل جوانتانامو، ثم يتم إطلاق سراحه في 11 سبتمبر 2005 دون توجيه اتهامات.

 أسباب الورطة الأمريكية في أفغانستان

ويشرح سفير الحركة السابق أسباب ورطة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، فالرجل بحكم انتمائه إلى الحركة التي حكمت أفغانستان، وتجربة اعتقاله في السجون الأمريكية، يتحدث في كتابه بخبرة السنين التي قضاها مع كل من جانبي الصراع، عن محددات الأزمة مسلطًا الضوء على نقاط التأثير في مجريات الأمور على الساحة الأفغانية.

 وحاول ضعيف في كتابه أن يوصل رسالة للعالم متحدثًا فيها باسم أبناء وطنه، وبالأخص قومية البشتون التي تمثل الأغلبية في أفغانستان، والتي شعر أبناؤها بوطأة الحرب أكثر من غيرهم لانتماء حركة طالبان لهم، معتبرًا أن عدم فهم الثقافة البشتونية العنيدة أحد أسباب امتداد الصراع طوال تلك السنوات.

وينتقد النهج الذي تتبعه قيادة التحالف في بلاده قائلًا:

قد يعتقد الأمريكيون والأفغان الموالون للغرب أن أمريكا يجب أن تعزز موقفها العسكري والسياسي وتمهد من ثم الطريق لمحادثات السلام، قد يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء رفع عدد قواتها، ربما نجحت هذه الاستراتيجية في العراق، لكن أفغانستان تختلف كثيرًا عن العراق أو الغرب، فالأفغان لا يتراجعون، بل يناضلون مهما يكن وضعهم من أجل حقوقهم، أمريكا قوية حاليًّا وأي محاولة لتعزيز قوتها ستدفع الشعب الأمريكي للقتال، خصصت أمريكا مكافآت لحصد الكثير من الرؤوس، كما وضعت أشخاصًا على القائمة السوداء وسلبتهم أدنى حقوقهم، ما دفع الناس إلى محاربتهم دفاعًا عن النفس.

ويقول في كتابه الصادر منذ سنوات عديدة إن واشنطن لا تملك رؤية صحيحة لإدارة الوضع، ويحكي عن تجربته معهم فيقول إن المحققين الأمريكيين أكدوا له أنه ليس هناك سوى ألف مقاتل من طالبان، وستنتهي المقاومة بمجرد قتلهم، ومنذ أن تم إطلاق سراحه من سجن جوانتانامو راح يتابع «تقارير الأمريكيين وحلفائهم الأفغان، الذين ادعوا أنهم بحلول عام 2006 قتلوا 12700 من طالبان، لكن المقاومة تزداد قوة يومًا بعد يوم، وهذا ما يدل على أن قتل الناس وزجهم في السجون لا يلغيان العدو بل يولدان أعداءً أكثر وناسًا تملأ قلوبهم الكراهية»، مبينًا أن العلاقة بين القوات الأجنبية والسكان المحليين «تحولت في كثير من المناطق الريفية في الجنوب من مجرد كراهية إلى عداوة، فإذا سألت في الشارع كل الأفغان: كيف يعامل الأمريكيون الناس؟ لأجابك 95% منهم بالقول إنهم أعداء الشعب الأفغاني، ومن سيقولون العكس سيكونون عملاء، وهم يواجهون كراهية أكبر من كراهية الشعب للأمريكيين»، معتبرًا أن تلاعب الأمريكيين بتعيين قيادات مجالس القبائل المسماة بـ «اللويا جيرغا»، لا يُفضي لتعزيز السلطة الأمريكية على القبائل، بل لفقدان الثقة بتلك المجالس باعتبارها لا تمثل الشعب الأفغاني، مبينًا أن مراكز القوة في أفغانستان لدى القيادات المحلية الحقيقية في المجتمع القبلي، وأن الصراع سياسي بالأساس، ولا يمكن للقوة العسكرية وحدها حسمه.

ويضيف الملا أن «الأفغان ينتقمون بهدوء حتى لو كلفهم الأمر التضحية بأنفسهم؛ ما من أفغاني أو باشتوني على الأقل يعتقد أن أمريكا لا تفعل شيئًا سوى قتل الناس وبث الكراهية مع أن هدف الغزو الرئيسي الذي يُسوَّق له هو تقديم الدعم، حتى الأفغان الذين أيدوا أمريكا في البداية بدأوا يشكون في نياتها، الغزاة الأجانب والسلطات الأفغانية فقدوا السيطرة وأصبحت الحياة في المدن والقرى أصعب على الشعب».

ويركز ضعيف على فكرة أن السلام لا بد أن يحترم الشعب الأفغاني ويتم على أساس من الندية لا الإكراه كي يكون سلامًا مستقرًّا، ويقول:

غالبًا ما يـُغض النظر عن حقيقة أن الشعب الأفغاني هو الذي يعاني، أي الفلاح وصاحب المتجر، وهو الذي يدفع ثمن سياسة سيئة وقرارات خاطئة، ويفقد رجالنا ونساؤنا وأصدقاؤنا وأشقاؤنا حياتهم واستقلالهم باسم إعادة الإعمار، لمَ توضع الأصفاد في أيدينا وأرجلنا؟ ماذا يريد الأجانب منا؟ أولم يتكبد الجميع الخسائر في ظل إدارة بوش؟ ومن استفاد من بوش سوى أعداء الأفغان والأمريكيين؟

ويلفت ضعيف إلى أن الشيء المشترك بين الشعبين الأمريكي والأفغاني هو السخط على الوضع الذي استمر لسنوات طويلة بعد الغزو الأمريكي.

وينتقد ضعيف الدول الغربية، محملًا إياها المسئولية عن دمار بلاده، منوهًا بأن دول التحالف التي قاتلت في أفغانستان تحتاج للتحلي بشجاعة الخروج من دائرة الحكم المسبق على أبناء الشعب الأفغاني والنظر إليهم كضحايا لسلسلة من الحروب المتتالية يحتاجون إلى المساعدة.