تختلف التنظيمات الإرهابية في طبيعة العمليات التي تقوم بها بشكل كبير من دولة لأخرى ومن قارة لأخرى ومن وقت لآخر، بل أيضا تختلف من قائد لآخر، والعمليات الإرهابية الواقعة بالعام 2015 تظهر تغيرات في أهداف وإستراتيجيات التنظيمات الإرهابية تنظيريا وتنظيما.


تغييرات تنظيرية وعقائدية

فرنسا أو العدو البعيد

يعد مفهوم العدو البعيد والقريب أحد الأسس النظرية التي تبعت نظرية الجهاد المهاجر لمنظّر التنظيمات الإرهابية الحالية عامة عبد الله عزام، ويعني بالعدو البعيد الولايات المتحدة «رأس الأفعى» والعدو القريب يعني بها الأنظمة بالدول العربية وخاصة النظام المصري وقت إنشاء تنظيم القاعدة، حقيقة الأمر أن أسامة ابن لادن نجح في إقناع الرجل الثاني في القاعدة «الأول فعليا» أيمن الظواهري في البعد عن استهداف العدو القريب والتفرغ التام للعدو البعيد، وكان ذلك ظاهرا في العمليات التي قام بها التنظيم في بدايته كتفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام وعملية المدمرة الأمريكية كول في اليمن وأحداث سبتمبر، ولكن بوفاة ابن لادن في 2011 وانطلاق تنظيم الدولة الإسلامية داعش بصورته الحالية تغير الوضع وأصبح الهدف الأساسي العدو القريب والتجاهل للعدو البعيد.

ظل الوضع كما هو؛ العدو القريب أولا، حتى انطلاق التحالف الدولي بالثلث الأخير من 2014، وهذا ما دفع داعش إلى التركيز مع العدو البعيد، ولكن تلك المرة لم يعد التركيز فقط على الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولكن ظهر التركيز بالأخص على فرنسا وبقية دول أوروبا عامة، وهذا ما ظهر في تصريحات أبو محمد العدناني -عقب انطلاق التحالف مباشرة- التي قال فيها نصيا:

إذا كنت تستطيع قتل أمريكي ‏أو أوروبي، وخاصة الفرنسي الحاقد والقذر، أو أسترالي أو كندي … بما في ذلك مواطني ‏الدول التي دخلت في تحالف ضد الدولة الإسلامية، فلتعتمد على الله واقتله، اسحق رأسه بحجر، أو اذبحه بسكين، أو ادهسه بسيارتك، أو أوقعه من مكان ‏مرتفع، أو اخنقه، أو سممه.. اقتلوا الكافر سواء كان مدنيا أو عسكريا، لديهم نفس الحكم. كلاهما كافر. يمكنك ‏قتلهما وتدمير ممتلكاتهما

ولعل الإجابة على سؤال لماذا التركيز مع فرنسا يتضح لكون فرنسا أول بلد ينضم إلى التحالف الدولي ضد داعش.

التترس

عقيدة التترس إحدى القضايا الهامة المثارة داخل السلفية الجهادية، والتترس هو التستر بالتُرس، وهو الاحتماء بمن لا يحل قتلهم في الإسلام من المسلمين، وكالعادة تختلف الآراء الفقهية حول ذلك ما بين جواز قتل المسلمين وقت الهجوم على الكفار من عدمه، ولكن الثابت هنا أن التنظيمات الإرهابية تحاول أن تتفادى قتل المسلمين حتى على سبيل الخطأ أثناء العمليات التي يقومون بها حتى لا يخسروا التعاطف من قبل عوام المسلمين، ومواقف عدة في الأحداث الأخيرة تشير إلى تفادي التنظيمات الإرهابية قتل المسلمين أولها التركيز على إقامة عمليات في دول غير إسلامية، وثانيها التركيز على تفادي قتل المسلمين وخروجهم سالمين في العمليات التي يقومون بها وهذا ما ظهر في تصريحات منفذ تفجيرات سوسة حيث يشير بعض الشهود إلى صراخه بابتعاد التونسيين عن طريقه، وظهر أيضا في أحداث مالي حيث تشير بعض التقارير إلى تحرير المسلحين عددا من المحتجزين دللوا على إسلامهم عن طريق نطق الشهادة.

حرب صليبية

يحاول الإرهابيون في الفترات الأخيرة التركيز على كسب تعاطف المسلمين العوام معهم، وذلك عن طريق التأكيد على أن عملياتهم تأتي في إطار قتل الطواغيت والصليبين وهذا ما ظهر في تصريحات زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في العديد من الخطب والتسجيلات الصادرة عن مؤسسة الفرقان، وأن الهدف الأساسي لهم هم محاربو الإسلام والمسلمين كما يعتقدوا، واستهداف السياح والمبعوثين الدوليين والمدنيين من غير المسلمين في نقاط متفرقة.


تغيرات تنظيمية “Soft Targets”

إرهاب السماوات المفتوحة

استهداف التنظيمات الإرهابية لوسائل النقل خاصة الخطوط الجوية ليس بجديد حيث أنه منذ العام 1960 والخطوط الجوية هدف أساسي للتنظيمات الإرهابية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أما عن طريق اختطاف الطائرات أو تفجيرها.

قرابة قرن يفصلنا عن إسقاط أول طائرة ركاب حيث وقعت أول حادثة فعلية في العام 1933 في مدينة إنديانا ببلدة تشيسترتون بالولايات المتحدة الأمريكية ، و11 عاما فقط تفصلنا عن آخر عملية ناجحة لإسقاط طائرة حيث أنه في الـ 24 من أغسطس من العام 2004 حيث قام مجموعة من المتمردين الشيشانيين بتدمير طائرتيين روسيتيين في الجو، ولعل التفجير الأكثر دموية كان في الـ29 من يونيو من العام 1985 بتفجير الطائرة الهندية 182 المتجهة من تورونتو الى مومباي راح ضحيته 329 فرد، وما بين هذا وذاك هناك العديد من المحاولات الفاشلة لتفجير طائرات متجهة من وإلى الولايات المتحدة الأمريكية أبرزها محاولة تنظيم القاعدة في اليمن تفجير طائرة الركاب الأمريكية في ديترويت في ديسمبر 2009.

لماذا عادت الجماعات الإرهابية لتفجير الخطوط الجوية؟

عادت التنظيمات الإرهابية في 31 أكتوبر 2015 إلى استهداف الخطوط الجوية مرة أخرى وذلك عن طريق تفجير طائرة ركاب روسية منطلقة من مطار شرم الشيخ إلى مدينة سان بطرسبيرج والتي راح ضحيتها 224 قتيلا، تبنى التفجير تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ويعد هذا التفجير هو ثالث أعنف تفجير في الخطوط الجوية بعد الطائرة الهندية 182، وحادثة لوكيربي الشهيرة.

دوافع قيام العمليات بالملاحة الجوية:

  • تكلفة تفجير الطائرات من حيث المتفجرات المستخدمة أقل بكثير من تلك التي تستخدم في تفجير المباني الثابتة مقارنة بضعف احتمالية نجاة الموجودين على الطائرات مقارنة بمن بالمباني.
  • سهولة كشف الجناة في التفجيرات بالمباني الثابتة أكثر من تلك التي تتم بطائرات، على سبيل المثال تدمير الطائرة الهندية 182 وقع على البحار مما يصعب الأمر على فرق البحث الجنائي.
  • القصور في تنفيذ التشريعات المتعلقة بتأمين الملاحة الجوية: على الرغم من أن هناك العديد من التشريعات الدولية بشأن حماية الملاحة الجوية التي بدأت باتفاقية وارسو 1929 – والتي لم تتطرق إطلاقا آنذاك لعمليات الخطف والتفجير- لتوحيد القواعد المتعلقة النقل عن طريق الجو والتي أدخل عليها العديد من التعديلات كما في العام1955 في لاهاي بهولندا وعام 1971 في مدينة غواتيمالا، والاتفاقية الدولية المتعلقة بالجرائم على الطائرات (طوكيو 1963)، واتفاقية مكافحة الاستيلاء غير المشروع على الطائرات (لاهاي 1970)، واتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني (مونتريال 1971)، وبروتوكول قمع أعمال العنف غير المشروعة في المطارات (مونتريال 1988)، البروتوكول المكمل لاتفاقية قمع غير المشروع على الطائرات (بكين 2010)، إلا أن تلك التشريعات لم تعد رادعا للعمليات الإرهابية على الملاحة الجوية.
  • إشباع رغبات التنظيمات الإرهابية في التغطية الإعلامية الكبيرة للحدث.

القتل المكشوف

تتضمن التجمعات الجماهيرية العديد من المرافق كالملاعب الرياضية والأماكن السياحية والأسواق وقاعات المؤتمرات، وتمتاز تلك التجمعات بصعوبة تفادي التهديدات المحتملة لها، إلى جانب السهولة في تنفيذ العمليات الإرهابية بها من حيث عدد المنفذين والأسلحة المستخدمة في ذلك، ولعل أهم الأسباب التي تجعل التنظيمات الإرهابية للجوء لتلك الأماكن تتمثل في سهولة تنفيذ العمليات بتلك المناطق والتغطية الإعلامية الكبيرة لمثل هذه الأحداث وإحداث آثار اقتصادية ونشر الرعب بصورة أكبر من تلك التي تتم بمؤسسات ومنشآت حكومية والقصور في تأمين مثل هذه المناطق.

وهناك في الشهور الأخيرة العديد من العمليات التي تدلل على توجه التنظيمات لمثل هذه الأهداف، حيث تمكن سيف الدين الرزقي في يوليو الماضي ببندقية تحت مظلة وفي خمس دقائق فقط لا غير من إيقاع 37 قتيلا وإصابة 36 آخرين في فندق إمبريال مرحبا بمدينة حمام سوسة بتونس، ثلاث أحزمة ناسفة وبعض البنادق وثلاث فرق إرهابية و40 دقيقة “21:20 إلى 22:00” كانت كافية للقيام بسلسلة عمليات في مناطق تجمعات في العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة الموافق 13 نوفمبر 2015 راح ضحيتها ما لا يقل عن 172 فردا – من بينهم 112 قتيلا على الأقل في هجوم مسرح باتاكلان الذي نفذه عدد يزيد عن ثلاث إرهابيين وقاموا بإطلاق النار عشوائيا وبصورة متواصلة- وإصابة ما لا يقل عن 250 فردا، ثمة حادث آخر يوم يوم الجمعة الموافق 20 نوفمبر بفندق راديسون بلو بـ باماكو بمالي عن طريق عدد لا يقل عن 10 مسلحين وراح ضحيته 27 قتيلا.


ختاما أثبتت الأحداث الأخيرة بما لا يدع مجالا للشك قدرة الإرهابيين على التسلل للتجمعات الجماهيرية وخطوط الطيران بكل سهولة وبأقل تكلفة مقارنة بتلك العمليات التي تتم بالمؤسسات والحكومية، كما أثبتت وجود تحولات تنظيرية في العقل السياسي للتنظيمات الإرهابية بالتوسع في مفهوم العدو البعيد والتركيز عليه، وكذلك صبغ عملياتهم بحرب صليبية والبعد عن التترس بالمسلمين والسعي لكسب استعطافهم مما يزيد من أهمية تطوير الإستراتيجيات المتبعة لمكافحة التنظيمات الإرهابية.

وتظهر هنا حاجة ملحة إلى إعادة تقييم وتطوير تقنيات الكشف عن المتفجرات في المطارات سواء الأنظمة التي تعتمد على أشعة إكس أو أجهزة الكشف الكيميائي، وأجهزة الكشف باستخدام روائح المتفجرات حيث أنه على الرغم من تواجد تلك التقنيات إلى أنه بلغ عدد التفجيرات التي استخدمت زرع قنابل بالطائرات 88 تفجير.

من ناحية أخرى تعاني الفنادق والمنتجعات السياحية وكذلك الملاعب الرياضية من خلل أمني يسهل على الإرهابيين مهمتهم حيث غالبا ما تتعدد المداخل والمخارج بصورة عامة مع تواجد حراسات ضعيفة غير مسلحة في بعض الأحيان الأمر الذي يجعلها تفشل في مواجهة إرهابي ينفذ عمليته باستخدام سلاح رشاش، وعليه نحث الدول محط أنظار التنظيمات الإرهابية خاصة الغربية اتباع أنظمة حماية على أماكن التجمعات الجماهيرية كتلك التي نفذت على السفارات والمؤسسات الحكومية مما قلل من مهاجمتها مع محاولة تغيير الوعي الجماهيري السائد بالنفور من الإجراءات الأمنية التفتيشية اللازمة لأمتعتهم بتلك المناطق، من ناحية ثالثة نحث المنابر الإعلامية على البعد عن التسابق في تداول الأحداث التي تقع بتلك التجمعات، مع البعد عن المبالغة في تغطية مثل تلك الأحداث وآثارها، كما لابد وأن تبتعد الأنظمة في الدول المصدرة للشباب عن القمع تجاه المعارضة حتى تقلل من إمكانية تحويل المعارضة السياسية إلى متطرفين مسلحين.