الغربة: الضياع في الترجمة

في فيلم «Lost in Translation» تخبرنا الكاتبة والمخرجة الأمريكية «صوفيا كوبولا» حكاية نجم سينمائي في مرحلة خفوت يقابل فتاة جميلة ومُهمَلة من زوجها، الحكاية تدور في بعد مكاني غريب عن عالمهم، طوكيو، حيث يتحدث الناس لغة غريبة عنهم، يتصرفون بشكل لا يفهمونه، كما يبدو بطلانا مختلفين ظاهرياً لدرجة تجعل من السهولة بمكان تميزهما وسط شارع مزدحم بمئات اليابانيين.

الغربة في أوضح صورها، هذا ما يشعر به بوب هارس/بيل موراي في طوكيو، وفي عزلة تفرضها عليه الغربة كأحد أحكامها يعيد بوب تقييم عالمه الروتيني الذي يحيا فيه برفقة زوجته وأولاده، لا نرى أيا منهم ولكن رسالة وحيدة ترسلها زوجته تكفينا لتخيل حياتهما، خصوصا وأنها رسالة تحمل سؤالا عن لون السجادة المناسبة لمنزلهما مرفقةً بقصاصات من سجاجيد تحمل جميعها نفس اللون بتدرجات مختفلة، يبدو الأمر مملاً للغاية.

وسط هذا العالم البلاستيكي تظهر شارلوت/سكارليت جوهانسون فتاة جميلة وحالمة، شارلوت تغوي بوب بالحياة، تدفعه للحديث معها لساعات بعد أن قضى أياما وربما أعواما من الصمت، يتمرد برفقتها على عالمه، يخلع بدلته السوداء ويرتدي تيشرت أصفر، يتجول برفقتها في شوارع طوكيو، يلعبان الفيديو جيم، ويغنيان على أنغام الكايروكي. شعر برفقتها ببهجة الحياة التي كان على وشك نسيانها، وعلى جانب آخر شعرت هي أيضا برفقته بحلاوة التمرد على عالمها البارد والوحيد.

يتوقع المشاهد أن تستمر العلاقة، تستمر لحظات الجنون، هذا ما نتوقعه من عالم الأفلام على أي حال، ولكن صوفيا تنحاز للواقع في نهاية الفيلم، يحتضن بوب شارلوت ويودعها دون كلمات تقريبا في وسط مدينة طوكيو، يعود كل منهما للحياة التي تركها، مع بعض الذكريات السعيدة للحظات التمرد.

في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2003 عُرض فيلم Lost in Translation للمرة الأولى في دور العرض الأمريكية، الفيلم الذي مثل نقطة الانطلاق لكاتبته ومخرجته صوفيا كوبولا تلقى استقبالا نقديا حافلاً، كما نجح عقب ذلك في انتزاع جائزة أوسكار لصوفيا في فئة أفضل سيناريو في حفل الأكاديمية الذي أقيم في فبراير/شباط 2004. ولكن بين التاريخين وفي ديسمبر/كانون الأول 2003 تم إعلان طلاق صوفيا من المخرج والكاتب الأمريكي «سبايك جونز».


الفردانية: أن تقع في حب نظام تشغيل

https://www.youtube.com/watch?v=WzV6mXIOVl4

عقب نهاية زواجه بصوفيا بعشر سنين، أخرج سبايك جونز فيلم «Her»، ولأول مرة عن قصة كتبها بنفسه، يخبرنا فيها عن حكاية ثيودور، كاتب وحيد في بُعد زمني غريب عنا، ربما في المستقبل القريب، حيث تتطور التكنولوجيا لدرجة تجعل الذكاء الصناعي متحكماً في مناحي الحياة كافة.

ثيودور/خواكين فينكس يشعر بالغربة أيضا في هذا الزمان، يشعر بالحنين وبشكل دائم إلى الماضي، إلى زمن علاقته بحبيبته السابقة، يخبرنا ثيودور في أحد المشاهد أنه يشعر كما لو أنه عاش كل المشاعر التي يحيا الإنسان لأجلها، وأن ما هو قادم، ما هو إلا تكرار للماضي بجرعات أقل.

تظهر سمانثا، أو ربما من الأدق أن نقول، يظهر صوت سمانثا، ومعه تظهر الغواية/الرغبة في الحياة من جديد، سمانثا/سكارليت جوهانسون هي نظام تشغيل إلكتروني، تدير لثيودور هاتفه، تلفازه، حواسيبه، عالمه الذي أصبح إلكتروني بشكل مكتمل. يقضي ثيودور برفقتها يومه كله، يتحدثان عن كل شيء؛ عن علاقته السابقة، رؤيته للحياة، تعريفه للحب، يتحدث ثيودرو بلا انقطاع بعد أن قضى أياما وربما أعواما من الصمت.

يستمر تمرد ثيودور برفقة صوت سمانثا، يحاول أن يشاركها كل شيء، يكتبان سويا، يغنيان سويا، يحاول حتى أن يجعلها حاضرة معه في علاقة جسدية، ولكنه في النهاية يكتشف أن سمانثا توفر نفس الخدمة في نفس اللحظة لآلاف آخرين، يودعها بكلمات بسيطة، وتختفي في صباح أحد الأيام كأي نظام تشغيل.

في مارس/آذار 2014 فاز سبايك جونز عن Her بجائزة الأوسكار في فئة أفضل سيناريو، نفس الجائزة التي حصدتها زوجته السابقة قبلها بعشر سنين.


الثورة: نزلت 14 يناير/كانون الثاني؟

في مارس/آذار من العام الماضي عُرض فيلم «نحبك هادي» للمرة الأولى في دور العرض التونسية، يخبرنا «محمد بن عطية» في فيلمه الأول نسخة عربية/تونسية حكاية قريبة للغاية لما شاهدناه في «Lost in translation»، و«Her». غير أننا هنا لا نحتاج إلى بُعد مكاني آخر نشعر فيه بالغربة، ولا بُعد زماني آخر يشعرنا بالفردانية. يمكن تحقيق هذين الأمرين في أوطاننا التي ما عادت أوطاننا.

في الفصل الأول من الفيلم يظل هادي/مجد مستورة هادئا بشكل مكتمل، يلبي طلبات رب عمله، يطيع والدته، يتحضر لزواجه، حتى أن خطبته تتم في عدم وجوده، لا يبدو حزينا قدر ما يبدو مغترباً. لم يغادر هادي مدينته، لم يغادر حتى بيت أمه، ولكنه يبدو -كما يبدو شباب جيله- غريبا عن عادات لا يفهمها، وسياق ثقافي واجتماعي لا يؤمن به، هو عائم مع التيار، لا أكثر ولا أقل.

في الفصل الثاني من الحكاية تبدأ المواجهة بإدراك هادي أن والدته وأخاه الأكبر قد قررا تغيير مهنته دون أن يتكلفا عناء إخباره، ينفجر الشاب الهادئ للمرة الأولى وفي هذه اللحظة يغادر إلى ساحل «المهدية» على البحر المتوسط، يغادر ولكنه ليس ببعيد، وهناك يلتقي بفتاة جميلة ومتحررة تكبره بخمس سنوات، ريم/ريم بن مسعود ستملك الفصل الثاني وستمثل سبب الغواية حتى دون أن تتكلم.

يتعرف هادي -ونتعرف معه- على ريم للمرة الأولى من خلال تلصص الكاميرا عليها وهي ترتدي تنورتها القصيرة استعداداً لتأدية رقصة للترويح عن السياح على شاطئ الفندق الذي تعمل به، وبعد لقاءين محرجين على سبيل الصدفة يتحول هادي معها فجأة لشخص جريء، مقبل على الحياة، يخلع بدلته ويغلق هاتف عمله بجرسه المزعج، يسبح برفقتها في منتصف الليل وفي الصباح يرتدي شورتا ويجري حافيا برفقتها على الشاطئ.

يبدأ فصل الحل أو البحث عن الحل بعودة هادي إلى مدينته «القيروان»، يسأل زوجته المستقبلية خديجة/أمنية بن غالي، الفتاة التي يصادقها منذ ثلاث سنوات وتمثل له ولعائلته العروس المثالي، ماذا تحبين أن تفعلي بحياتك؟ سؤال لا تفهمه الفتاة، تجيب أن دورها الزواج، تربية الأولاد مستقبلا برفقته، يختلط إدراكها بين دورها الاجتماعي وبين شغفها في الحياة.

يدرك هادي أخيرا أنه ظل لثلاث سنوات يجلس برفقتها على كنبة سيارته دون أن يتحدثا بشكل حقيقي عن شغفهما بالحياة، لم يشاهدا فيلما، لم يحضرا حفلة موسيقية، لم يحاولا اكتشاف العالم من حولهما. يعود هادي إلى الفتاة التي تمرد معها على العالم، يقرر ألا يعود لحفل زواجه، يواجه أمه وأخيه، يخبر الجميع أنه وجد من شعر معها بأشياء لم يكن يعرف بأنها لا زالت موجودة في هذا العالم.

في مشهد عابر وأثناء فترة تمرد هادي برفقة ريم تسأله عن ما فعله يوم 14 يناير/كانون الثاني، يوم الثورة التونسية المشهود، يخبرها هادي أنه شارك فيها، ثم يتحدث بشكل عابر أيضا عن أيام الثورة، يذكر ببساطة أنه شعر كما وأن هناك «شيء غير عادي في الجو»، كما لو أن «الجميع أحبوا بعض فجأة»، استمر هذا لأيام ثم اختفى.

كما لو أن الثورة في حكايتنا التونسية\العربية كانت كما الحب، مجرد غواية، تمردًا قصيرا على غربتنا وفردانيتنا.

تراود هادي غواية ريم/فكرة الهرب برفقتها، يثور على دوره الاجتماعي المحدد مسبقا من خلال عمله وأسرته، تقترب لحظة المغادرة لكل شيء، ولكنه وفي النهاية لا يغادر . مرة أخرى، عالم بلاستيكي جامد بلا طعم، لحظات من الغواية والتمرد، ثم إدراك لأن ما ثرنا عليه طبع فينا أثرا لن يزول بسهولة، وداع وعودة لذواتنا الناقصة، أكثر حزنا ولكن أكثر نضجا، والأهم أكثر تقبلا لنواقصنا.

في 20 فبراير/شباط 2016 فاز المخرج محمد بن عطية بجائزة أفضل عمل أول من مهرجان برلين، كما فاز الممثل التونسي مجد مستورة بجائزة الدب الفضي/جائزة أفضل ممثل في مهرجان برلين، تسلم مجد الجائزة ثم وجه الشكر لثورة تونس التي لولاها لما صُنع الفيلم، ثم ختم حديثه بتحية وجهها بشكل خاص لكل الشباب «الذين لا يزالون يناضلون».