مثلت الثورة السورية منذ اندلعت عام 2011، نقطة تحول في حياة نحو 500 ألف فلسطيني يعيشون في سوريا، إذ وجدوا أنفسهم يعانون الحصار والقصف والتعذيب والتهجير، وفوق ذلك شتات جديد ينضم إلى شتاتهم الكبير ومستقبل مجهول.


قصة لجوء بدأت قبل 70 عامًا

قبل 70 عامًا من الآن،فر نحو 90 ألف فلسطيني، أغلبهم من مدن صفد وحيفا ويافا وطبريا ونواحيهم، إلى سوريا، هربًا من العصابات الصهيونية التي اجتاحت قراهم ومساكنهم من أجل إقامة دولتهم المزعومة. كانت هذه موجة اللجوء الأكبر من 5 موجات حدثت تباعًا في أعوام 1948، و1956، و1967، و1970، 1982.

عاش اللاجئون في 12 مخيمًا، 9 منهم معترف بها من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، و3 غير معترف بهم، بينهم مخيم اليرموك الذي يوصف بأنه عاصمة الشتات الفلسطيني لكبر حجمه وكثرة سكانه.

ارتفعت أعداد من أصبح يطلق عليهم «فلسطينيو سوريا»، نتيجة الزيادة الطبيعية، إلى 126 ألف نسمة عام 1960، ثم إلى 376 ألف نسمة عام 1998، ووصل العدد إلى 400 ألف نسمة عام 2000، ثم إلى 470 ألف نسمة عام 2008. وتقدر الأعداد إبان ثورة 2011 بنحو 500 ألف نسمة. أما الآن فإن عدد الفلسطينيين السوريين –المسجلين لدى أونروا فقط- يبلغ نحو 527 ألف نسمة.

اقرأ أيضًا:بنية النظام الأسدي وميلاد «الدولة المتوحشة» في سوريا

تمتع «فلسطينيو 48» – الذين يشكلون أغلبية اللاجئين – بمعظم الحقوق المقررة للسوريين باستثناء الحق في الجنسية والحقوق السياسية. أما باقي اللاجئين فيعانون من مشاكل عدة، إذ لا يستطيعون دخول سوق العمل إلا من خلال التعاقد بصفة مؤقتة، وبعضهم لا يستطيع السفر بسبب عدم امتلاك وثائق، كما لا يمكن لأيٍ من لاجئي 1970 أن يتملك مسكنًا أو قطعة أرض أو سيارة أو حتى الحصول على رخصة قيادة.

حاول «فلسطينيو سوريا» التعايش مع ظروفهم لما يربو على 60 عامًا، ثم أتت الثورة السورية عام 2011 لتكشف لهم ألا أحد يحبهم أو يرغب بهم، وخاصة النظام السوري الذي لطالما تغنى بقضيتهم ونصّب نفسه مدافعًا عنها.


قتل وتعذيب واعتقالات بالجملة

وثقت «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا»، وهي مبادرة جماعية، انطلقت عام 2012، من شخصيات فلسطينية وعربية لمتابعة الانتهاكات التي يتعرض لها فلسطينيو سوريا وتوثيقها، منذ مارس/ آذار 2011 وحتى يونيو/ حزيران 2018، مقتل 3799 فلسطينيًا سوريًا، بينهم 1198 قضوا بسبب القصف، و506 بسبب التعذيب الوحشي في سجون نظام الأسد، و310 برصاص قناصة، و204 بسبب الحصار الذي فرض على مناطقهم.

لم يفرق الموت بين كبير وصغير وذكر أو أنثى، فمن بين القتلى 239 طفلًا، و484 امرأة. وكان 2944 ضحية من المدنيين العزل، بينما 766 منهم عسكريون أكثريتهم قاتلت جبرًا في صفوف «جيش التحرير الفلسطيني» إلى جانب قوات الأسد. وسقط 58.27% من الضحايا في مخيم اليرموك بدمشق، و11.93% بمخيمي خان الشيح والحسينية بريف دمشق، و11.11% بمخيم درعا.

اقرأ أيضًا: المهمة المستحيلة للقوات العربية في سورياووثق مركز توثيق المعتقلين والمفقودين الفلسطينيين في سوريا، اعتقال 12492 شخصًا، بينهم 613 امرأة و789 طفلًا، خلال الفترة من مارس/ آذار 2011 وحتى أبريل/ نيسان 2017، وجميعهم مُنع ذووهم من معرفة أماكن اعتقالهم أو مصيرهم، بل ووصل الأمر إلى اعتقال أهالي المعتقلين، بسبب توجههم إلى الأفرع الأمنية للسؤال عن مصير أبنائهم.

وبحسب المركز فإن المعتقلين الفلسطينيين تعرضوا للتعذيب على الهوية، ومن أساليب التعذيب التي خضعوا لها الصعق بالكهرباء، والشبح، والضرب بالسياط والعصي الحديديّة، والإهمال الطبي، واغتصاب النساء أمام أزواجهن أو أولادهن، لإجبارهم على الاعتراف بالتهم الملفقة لهم. كما شملت الانتهاكات أيضًا، إجبار الأطفال على خدمة السجانين والضباط، كالتنظيف داخل الفرع، أو إحضار أدوات التعذيب للمحققين، بالإضافة إلى إجبار الأطفال على تعذيب المعتقلين جسديًا.


رحلة البحث عن ملجأ جديد

تقول «الأونروا» إن 438 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا اضطروا إلى النزوح مرة واحدة على الأقل داخل سوريا – مع نزوح بعضهم عدة مرات. ويوجد حاليًا ما يصل إلى 280 ألف لاجئ فلسطيني من سوريا نزحوا داخل سوريا، مع نزوح 120 ألفًا آخرين إلى البلدان المجاورة، بما في ذلك لبنان والأردن وتركيا ومصر وبشكل متزايد إلى أوروبا. ووفق تقديرات «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا» فإن ثلث اللاجئين الفلسطينيين السوريين (حوالي 170 ألف شخص) اضطروا لمغادرة سوريا خوفًا من القصف والاعتقال الذي طال المئات منهم.

ويوجد في لبنان 31 ألف لاجئ فلسطيني من سوريا مسجل لدى الأونروا. يعيش العديد منهم بشكل غير مستقر ومهمش بسبب وضعهم القانوني غير الواضح وسبل الحماية الاجتماعية المحدودة، مما جعلهم يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على مساعدات المنظمة لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ أيضًا:فورزا أمريكا: سيناريوهات ترامب في سوريا

ولا تقتصر معاناة فلسطينيي سوريا، سواء الذين يعيشون في الداخل وسط النزاعات أو استطاعوا الفرار بحيواتهم إلى دول أخرى، على العيش في ظروف إنسانية صعبة وعدم كفاية المساعدات المقدمة لهم وانعدام فرص العمل، بل ترفض العديد من الدول استقبالهم أصلًا، وبالتالي لا أمل في تحسن ظروفهم.

على سبيل المثال، أغلقت الأردن حدودها أمام اللاجئين الفلسطينيين من سوريا منذ بداية الصراع في 2011، وقامت لبنان بإغلاق حدودها في وجههم منذ العام 2015، وترفض أغلب الدول استقبالهم بسبب وضعهم القانوني الهش وعدم امتلاك أغلبيتهم لوثائق قانونية.


ماذا تبقى من المخيمات الفلسطينية؟

يعد مخيم اليرموك أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، بتعداد سكاني كان يصل في 2011 إلى 160 ألف نسمة. دخل المخيم، الذي لا يبعد سوى 8 كيلومترات عن وسط العاصمة دمشق، أتون الحرب السورية في مهدها،واستطاعت قوات المعارضة السيطرة عليه بشكل كامل أواخر العام 2012، بدعم من أهله الذين عانوا المرار على يد نظام الأسد.

غير أن تنظيم الدولة الإسلامية نجح في السيطرة على المخيم عام 2015، وظل يحكم مناطق واسعة منه، إلى جانب تنظيم جبهة النصرة، حتى مايو/ آيار الماضي، عندما خرج مقاتلوه باتفاق مع نظام الأسد. لكن المخيم الذي كان مدينة حضرية، تنتشر في جنباتها المحلات التجارية وتزدحم شوارعها بسيارات التاكسي والباصات الصغيرة التي تجوب أرجاء المخيم، لم يعد كما كان.

عانى المخيم، على مدى 7 سنوات، من الحصار والقصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة والمعارك المتواصلة فأصبح مجرد أطلال لمدينة نزح عنها سكانها فُرادى وجماعات حتى أصبحت شبه خالية.

لا يختلف حال كثير من المخيمات عن حال مخيم اليرموك، فسكان مخيم سبينة في ريف دمشق الجنوبي، والذين يصل عددهم إلى نحو 21 ألف نسمة، تم تهجيرهم بشكل شبه كامل بعدما دمر بشكل شبه كلي خلال سنوات الحرب، كذلك الأمر مع مخيم درعا (13 ألف نسمة)، ومخيم خان الشيح (19 ألف نسمة)، بينما تعاني باقي المخيمات من دمار واسع ظروفًا معيشية غاية في الصعوبة.


مستقبل مجهول

رغم معاناة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا من القتل والتعذيب والاعتقال والتشريد، تمامًا مثلما عانى أغلب الشعب السوري، إلا أن التعاطي مع مأساتهم كان مختلفًا، لأنهم بلا ظهير دولي أو حتى إقليمي يحمي حقوقهم. فحتى الآن لا يبدو أن ملف «فلسطينيو سوريا» قد طُرح بشكل جدي على مائدة المفاوضات، العلنية أو السرية، التي تمت وتتم بين الدول الفاعلة في الأزمة السورية، لأجل إنهاء الصراع. أيًا يكون السيناريو الذي ستنتهي عليه الأزمة السورية وتفاصيله، فإن مستقبل اللاجئين الفلسطينين يظل مجهولًا حتى الآن.

هل ستعاد بناء مخيماتهم ويعودون إليها؟ أم هل سيتم تشتيتهم في مخيمات أكثر منعًا لتدخلهم في أي صراع مستقبلي؟ من سيتولى مسؤوليتهم؟ وما هو وضع اللاجئين في الدول المجاورة؟ كل هذه الأسئلة وأكثر تطرح نفسها عند التفكير في مستقبل اللاجئين الفلسطينين في سوريا، وكلها تظل بلا إجابة حتى الآن.