عندما تقرأ كتاب «حليب أسود» للكاتبة التركية «إليف شافاق»، سوف تشعر بالقرب من الكاتبة ذات اللحم والدم وليست الصورة المتأملة التي تراها لها على الإنترنت. فهي رقيقة جدًا، نحيلة وذات بشرة شفافة، ليست فارعة القامة، لا تنظر للكاميرا في الغالب ولا تبتسم، تبدو كمعنى أكثر من كونها إنسانة. هذا بالضبط ما يجب أن تكون عليه المرأة ذات القدرة الأسطورية على خلق العوالم. في هذا الكتاب لم تعرفنا «إليف» فقط على نفسها من الداخل، وعلى أدق أسرار شخصيتها، وعلى الكثير من الكاتبات في العالم، إنما أيضًا قامت بتعريفنا على ذواتنا بشكل ما.كتاب «حليب أسود» لإليف شافاق يناقش بشكل أساسي فكرة الأمومة، يناقشها بالكثير من الذاتية، فإليف تتمسك بكونها كاتبة وتنطلق من تلك القاعدة لمناقشة جدوى الأمومة ومدى قدرتها على أدائها، بل إنها ذهبت لأبعد من ذلك، فأتت بنماذج عديدة لكاتبات ناقشت فيها الأمومة في حيواتهن، وكانت هي المحرك الأساسي للأحداث.


جوقة أصوات الفوضى

تمكَّنت شافاق من إدارة حوارات غاية في الإمتاع بينها وبين كل جزء منها، كل شخصية من الشخصيات الأربعة تمثل جزءًا من شخصيتها، تحادثهن وكأنها تتعرف على ذاتها من جديد.

«الآنسة العملية القصيرة، وجناب حضرة التشيخوفية الطموح، والآنسة المثقفة الساخرة، والسيدة الدرويشة»، بدأت إليف شافاق تعريفنا بنسائها الداخليات بالأربعة الأكثر شهرة، كن جميعًا متفقات على منع الكاتبة من أن تصبح أمًا، باستثناء السيدة الدرويشة والتي لم تكن تضع نفسها في موقع الحاكم أبدًا، بل كانت متسامحة لأقصى درجة.

تمكنت شافاق من إدارة حوارات غاية في الإمتاع بينها وبين كل جزء منها، كل شخصية من الشخصيات الأربعة تمثل جزءًا من شخصيتها، تحادثهن وكأنها تتعرف على ذاتها من جديد، وتتفاجأ ببعض أفكارهن التي هي أفكارها في الأساس، تحاول أن تخلق بينهن سلامًا حتى تستطيع هي الحياة بصورة أسهل، تطلق عليهن «جوقة أصوات الفوضى» من كثرة ما تعاني من صراخهن وعراكهن داخل رأسها، ويشتد الأمر أكثر عندما تظهر «ماما الرز بالحليب» وهي شخصية أخرى من نسائها الداخليات والتي تخرج لتسيطر على الوضع في لحظة معينة. أيضًا هناك «بلو بيري بوفاري» وهي الشخصية المسئولة عن الجزء الحسي من الكاتبة، ولكن ظهورها لم يكن دراميًا جدًا مثل الأخريات.كانت قراءة حوارات جوقة أصوات الفوضى والتفاعل معهن من أمتع ما يمكن أن يحدث، ليس لأنهن مسليَّات جدًا فحسب، بل لأن الكاتبة عندما تخبرك عن أصواتها الداخلية المبعثرة، فكأنها تربت على كتفيك وتخبرك أنكِ لستِ وحدك من تعانين من شخصيات كثيرة تتصارع دوما داخلك.


أم أو كاتبة

قررت شافاق أن يكون كتابها بمثابة مرجع للأمومة وللإنجاز النسائي معًا، فكانت حكاياتها الشخصية تتقاطع من أجزاء من سير أشهر الكاتبات اللاتي حققن نصرًا في عالم الأدب، كأنها كانت تستمد منهن القوة لاتخاذ قرار الأمومة، وفي بعض الأحيان تجدها تتذرع ببعضهن واللاتي فشلن في أن يقمن بالدورين معًا، تبدو تلك الأجزاء من كتابها «حليب أسود» مجرد سرد لحيوات نساء عاشوا قبلها وامتهنوا الكتابة بدورهن، ولكن في بعض الأحيان تفهم أن ذلك السرد كان مهمًا لإليف شافاق بشكل شخصي، ولكل من تقرأ كتابها، فمشاهدة حيوات أولئك الكاتبات يخبركِ ضمنًا أنه لا بأس لو أردتِ أن تكوني أمًا، ولا بأس أيضًا لو لم تريدي، لا ينتقص أي القرارين منك، وقد سبقتك أخريات إلى اختيارك أيًا كان.


لورد بوتون

الكتاب جزء من حياة ومعطيات خلقت شخصية يمكنها أن تصاب باكتئاب ما بعد الولادة نتيجة لقلقها على مستقبلها وخوفها من انسحاق شخصيتها تحت وطأة الأمومة.

كانت إليف شافاق رقيقة جدًا في وصف لورد بوتون، لم تنعته بالكثير من النعوت القاسية، ولا حملته وزر ما حدث كله، بل أصلت لوجوده طوال الكتاب وشرحت لماذا كان «يجب» أن تصاب باكتئاب ما بعد الولادة، والدليل أن اكتئاب ما بعد الولادة لم يحتل سوى فصل واحد من الكتاب، فصل صغير شرحت فيه أنها لم تصب بالنوع الثقيل منه، بل أكثر من ذلك أنها تصالحت معه ورحل عنها وهو سعيد.كان الكتاب تأريخًا لحياة «شافاق» المهنية والشخصية، تأريخًا لشخصية الكاتبة والحبيبة والأم، تأريخًا لكل القرارات المهمة التي اتخذتها في حياتها بدءًا بقرار السفر للولايات المتحدة مرورًا بقرار زواجها من «أيوب»، وحتى قرار الحمل والولادة للمرة الثانية (مع الأخذ في الاعتبار أن المرة الأولى لم تكن قرارًا فقد تفاجئت «إليف» أنها حامل)، كل تلك القرارات كانت محطات مصيرية في حياة الكاتبة التركية، وقد كانت كريمة كفاية لأن تشرك قراءها حول العالم في تلك القرارات.بعد قراءة كتاب «حليب أسود» سوف تفهمين الكثير عن «إليف» الإنسانة، وربما تفهمين الكثير عن نفسك أيضًا.