«ابن سينا» الشيخ الرئيس، الطبيب، الفيلسوف، المسلم الشيعي الذي يلقب بـ«أبو الطب»، شخصية مثيرة للجدل والخيال، العديد من الروايات تناولت حياة هذا الرجل الأعجوبة، الذي تبحر في الطب والفلسفة والدين على حد سواء، وله إسهامات في كل منها، كتب عنه العرب والأعاجم من «جيلبرت سينويه» في روايته «ابن سينا»، إلى يوسف زيدان في روايته «فردقان»، وصولاً للرواية التي نتناولها اليوم للكاتب محمد العدوي بعنوان «الرئيس».

وإذا كان العديد من الكتاب المتمكنين قد كتبوا عن الرجل من قبل، فما الجديد الذي يقدمه العدوي في روايته عن الرئيس؟


بين الحاضر والماضي

شاب مصري صغير ينهي دراسته الثانوية في المملكة العربية السعودية في التسعينيات ويستعد للافتراق عن أصدقاء صباه، فيحاولون إيجاد طريقة ليبقوا على تواصل. يجد نفسه يحلم بلا مناسبة بابن سينا، ويعرض عليه صديقه أن ينشئ له بريدًا إليكترونيًا يمكنهم من التواصل معاً، فيقترح الصبي أن يكون اسمه الافتراضي هو ابن سينا، وتبدأ علاقة بينه وبين حامل الاسم الأصلي.

تمر سنواته وهو مرتبط باسمه الافتراضي حتى يشعر أنه يصل بينه وبين صاحب الاسم الأصلي بشكل ما، فيقرر أن يبحث عنه بعد قرون طويلة من حياته، فيرتحل إلى إيران ليعرف أكثر، في رحلته يتعرف إلى التاريخ، ليس تاريخ ابن سينا فقط، ولكنه يعثر على التاريخ الضائع للعرب، الذي لا يصلنا منه سوى سطور جامدة لا تجذبك بالتبحر فيها.

يصبح البطل/الراوي طبيباً مثل سلفه الذي يحمل اسمه، فتتعمق الصلة، يقع في عشق التاريخ، ويقرر الدهر أن يقحمه في هذا التاريخ إقحاماً، فيعلق قلبه بصداقة افتراضية سرعان ما تصبح صداقة واقعية وحقيقية بفتاة تكبره في السن والعقل والخبرات والألم. يغوص في تاريخ الأمة، ويستخدم هذا التاريخ في الوصول لابن سينا. تتوالى السنوات وهو ما زال متعلقاً بسلفه، الذي يسلمه إلى أسلافه الآخرين، فيشعر أنه جزء منهم، وتبدأ رحلته في العثور على الحقيقة الإنسانية للطبيب الرئيس، فيعثر على التاريخ، ويعثر على نفسه.


بلاد فارس

فرق كبير بين كلمتي إيران وفارس في عقلك، عندما تستدعي كلمة إيران سوف تقتحم السياسة عقلك اقتحاماً، تفكر في السلاح النووي وفي التشدد الديني، وفي ثورة الإمام الخميني وفي الفروقات الشاسعة بين مذهبي السنة والشيعة، والعداء الأسطوري المتجذر بينهما. بينما عندما تستمع لكلمة فارس تستدعي تلقائياً هارون الرشيد، وحكايات ألف ليلة وليلة، والأساطير العربية والحكايات الشعبية. تتخيل عالماً يعج بالألوان والعمارة والجمال والأساطير والفتيات الفاتنات والجمال الفارسي وأمجاد العرب. شعوران مختلفان تماماً ينتابانك جراء نفس المكان، أحدهما شعور سلبي يملؤك خوفاً ووحشة، والآخر يملؤك فخراً ومجداً كونك عربياً مسلماً خلفاً لسلف عظيم وحضارة بائدة.

في الرواية يصحبنا العدوي إلى إيران لتراها بعيون شاب حداثي قادر على الفصل بين المعنيين. يرى طهران وأصفهان بعيون قديمة رغم أنه يعرف الحقيقة ويعيش في الواقع. يصحبك في رحلة تتعرف فيها على الشوارع والأماكن والتاريخ الذي لا يرويه أحد، ويستخدم الرواية في نقل التاريخ الذي لا يهتم أحد بنقله.

إيران التي يزورها الطبيب/الراوي تختلف تماماً وجذرياً عن إيران التي نعرفها من نشرات الأخبار، يصحبك معه في قصورها وشوارعها وبلدانها، يحكي لك التاريخ في حواراته مع مرشديه في بلاد فارس ويذيب الخلافات الجذرية بينه وبين أهل البلد، كونه مسلمًا سنيًا وكون مرشدوه في أغلبهم شيعة، يكفرون بعضهم البعض في الواقع والسياسة، وتجمعهم الحضارة والتاريخ.


فلسفة وتاريخ

الرواية لا تحكي شيئاً شخصياً عن الرواي، فنحن لا نعرف شيئاً عن حياته في مصر، ولا كيف يتدبر أمر مصاريف السفر، ولا نعرف حتى وصفه، لا تهتم الرواية بأن تحكي المعتاد، بل تحكي عن التاريخ الذي لا يهتم أحد بأن يوصله لنا، والذي تركنا دونه نتخبط في متاهات السياسة والاختلافات الدينية التي تبعدنا أكثر عن حقيقتنا وحضارتنا البائدة.

يستخدم محمد العدوي الرواية في سطر التاريخ، في كل مكان يدخله يحكي عن حضارة المكان، ومن بنوا هذه الحضارة، وكيف كانوا، دون أن ينتقل بالزمن «فلاش باك» تخيلي لما حدث، ولكنه يستخدم المونولجات بينه وبين الأشخاص في حكاية الزمان والمكان. نقاشات سياسية وتاريخية وفلسفية، يعرض فيها وجهات نظره وكيف يرى البلد الذي لمع فيه الرجل الذي يبحث عنه، وفي رحلته للبحث عن ابن سينا، يجد إيران الحقيقية، بكل عبق تاريخها وحضارتها.

الفلسفة والتاريخ خطان متوازيان، جعلهم العدوي يتقاطعان في كل فصل من فصول روايته، فهي تصلح لتكون كتاب تاريخ شيقًا لا تمل منه بعد أول سطرين، بل تقفز قفزاً فوق السطور لتعرف أكثر عن الشيخ الصباح وعن الفردوسي وعن هارون الرشيد وعن الجو المحيط بموضوع بحثه الرئيسي ابن سينا.

تتقاطع الفلسفة مع التاريخ فتشرح كيف كان الشعراء والكتاب والأطباء يعيشون، وكيف برعوا وبنوا حضارة هائلة سبقت كل الحضارات. يحكي العدوي التاريخ بفلسفة خاصة تجعلك تلقي نظرة على السياسة والأدب والعمارة، لتكتشف في كل سطر أن الحضارة كي تبني وتعمر وتتحدى الزمن يلزمها الكثير من العناصر تتكاتف معاً لتصمد في وجه الزمن، وحتى إن بادت الحضارة وتغيرت الأمور، فإن التاريخ صلب وقوي وشاهد على ما كان.