تعد أصعب المواجهات هي التي تكون مع خصم يعلم بالضبط أين نقطة ضعفك، ويعلم بالضبط من أين يصيبك ليوجعك.

هذا النوع من المواجهات لم يتعود عليه الجيش المصري، بسبب حالة السرية والكتمان الشديدة التي فرضها على نفسه منذ نشأته، والتي كانت نتاجًا طبيعيًا لحالة الاستبداد العام في الدولة والتي تدرك بأن أدوات القمع العنيفة هي أدواتها الأثيرة التي يجب الحفاظ عليها دومًا: الجيش والشرطة.

لذلك كان هشام عشماوي رصاصة قاتلة في المواجهات بين الجيش والجماعات المسلحة.


هشام عشماوي أمير المرابطين

بدأ اسمه يتردد في العام الماضي بوصفه ضابط صاعقة سابق يتولى قيادة العمليات الميدانية لتنظيم «أنصار بيت المقدس»، وتولى التدريب العسكري جنبًا إلى جنب مع ضابط سابق أيضًا اسمه عماد الدين عبد الحميد.

عشماوي ضابط عُرف بالبراعة والنبوغ كما يقول عنه زملائه، كان فردًا من أفراد الصاعقة المصرية كفرد تأمين من منتصف التسعينات حتى تم فصله من الخدمة في 2012 بعد ظهور بوادر التزام ديني عليه ونشره لأفكار وُصفت بأنها متشددة.

تردد اسمه كمسئول عن العمليات النوعية التي قام بها تنظيم الأنصار في الفترة الأخيرة مثل محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق «محمد إبراهيم»، و عملية كمين الفرافرة التي راح ضحيتها 22 مجندًا من حرس الحدود، و الهجوم على الكتيبة 101 في يناير الماضي، وقضية عرب شركس وغيرها.

خرج عشماوي (أبو عمر المهاجر) في يوليو الماضي معلنًا تشكيله لجماعة جديدة تحت اسم «المرابطون»، تدين بالولاء لتنظيم القاعدة. كان ذلك بعد انشقاقه عن تنظيم الأنصار بعد إعلان بيعتهم للدولة الإسلامية، وتَسَميهم بـ «ولاية سيناء».

ويُظن وجود ارتباط بين الجماعة الجديدة وبين جماعة «المرابطون» التي تنشط في الصحراء الكبرى وشمال مالي والموالية أيضًا لتنظيم القاعدة.

ومما يعضد هذا الظن هو وجود علاقات تربط بين عشماوي وبين الجماعات المسلحة في ليبيا وبلاد المغرب العربي. فقد نشر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بيانًا أهدر فيه دم عشماوي باعتباره مقاتلًا بجانب «مجلس شورى المجاهدين» في درنة الليبية.


ولا تهنوا ولا تحزنوا

خرج عشماوي منذ عدة أيام بتسجيل صوتي جديد عرض فيه العديد من الأمور. مدة التسجيل 42 دقيقة، وهو أطول كثيرًا من التسجيل الماضي الذي كانت مدته 7 دقائق فقط. ويبدو بأن القدرات الإعلامية الموجودة لدى تنظيم الدولة لم تنتقل إلى تنظيمات القاعدة. فالتسجيل ضعيف التصميم إذا ما قورن بإصدارات ولاية سيناء مثلًا.

كانت بداية التسجيل عبارة عن مقطع لأيمن الظواهري، كما كانت في التسجيل الأول أيضًا، يتحدث فيه عن تأييده لكل العمليات التي يتم توجيهها ضد الصهاينة أو الجيش المصري –المتأمرك كما سماه- طالما أنها منضبطة بالضوابط الشرعية وتتجنب إصابة الدماء المعصومة من المسلمين وغيرهم.

بدأ عشماوي بالتهنئة بعيد الأضحى، وانتقل منها بإشارة إلى ما يحدث في المسجد الأقصى المبارك.

فعرض حادثة الشهيدة «هدير الهشلمون »، وأن ما يحدث للمسجد الأقصى من اقتحامات مستمرة واعتداءات مستمرة من جيش الاحتلال، يجب أن يجابه ويُقاوم. ولا بد أن يتم الثأر من اليهود وأن يروا «ردة فعل على هذا الإجرام في حق المسجد الأقصى وحق أهلنا في فلسطين» ودعا كل المسلمين أن يهبوا للثأر للمقدسات والأعراض و«لنصرة المستضعفين المرابطين».

ويقارن بين حال هؤلاء وبين حال الشباب المسلمين الذين لا يهتمون بما يحدث في المسجد الأقصى ولا في فلسطين ودعا إلى ضرورة استهداف كافة مصالح اليهود والصهاينة في كل مكان في العالم وبكل وسيلة ممكنة.


رابعة والإخوان والشريعة

بدأ بعد ذلك بنبرة مختلفة بتوجيه حديثه إلى المصريين، واصفًا إياهم بمن قد قدموا العديد من التضحيات لدين الله عز وجل، وأنهم باعوا دمائهم وأرواحهم في سبيله. وأنهم استمسكوا بدينهم وصمدوا في «ملحمتي رابعة والنهضة »، وأن من ماتوا فيها هم من أطهر الناس وأصدقهم.

ويعد ذكره ذلك لتأكيده على النظرة المحلية للتنظيم. فيبدو أن المرابطين سيكون هدفهم الأساسي هو أجهزة الأمن المصرية وأعوانهم، ولن يشارك في حركة الجهاد العالمي.

ويقول بأن بعد ما فعله السيسي أصبحت مصر لا تختلف عن بورما وفلسطين وسوريا والعراق وأفغانستان، فما يحدث فيها ليس بمعزل عن بقية العالم الإسلامي.

وأن أهلها محبون للشريعة ولحكم الله، ولا دليل أقوى من مليونيات الشريعة التي كان يخرج فيها الكبير والصغير. ويدعوهم إلى أن الواجب على المجتمع المسلم الذي يؤمن بالله سبحانه إلى ضرورة أن ينظم شؤون حياته طبقًا لأحكام هذه الشريعة.

ثم انتقل في محاولة للتأصيل الشرعي لفساد الديمقراطية كنظام يحكم به المجتمع المسلم نفسه، وأنها تختلف اختلافًا شديدًا عن حكم الشورى في الإسلام. وأن من اجتهد من العلماء بجوازها قد أخطأ.

فتجربة حكم الإخوان قد أثبتت عدم صلاحية الديمقراطية واقعًا كما لا تصلح شرعًا. فـ «حاكمية الناس» التي قال إنها مبدأ الديمقراطية الأساسي تتعارض بشكل رئيس مع حاكمية الله، فلا يمكن أن نُحكّم أغلبية الناس في شرع الله.

وسمى عشماوي فترة حكم الإخوان بالتجربة الأليمة، وأن أصحاب هذه «اللعبة» الديمقراطية لن يتركوها لمن لا يحبون. وأنه يجب على الإسلاميين في هذه الفترة «أن تعود رايتهم واضحة، فيقولوا: نحن نريد أن يحكمنا شرع الله، ولأجل شرعه سبحانه نجاهد».

ويتوجه برسالة إلى الإخوان بأن الخسائر التي يتكبدونها هي خسائر بلا معركة، فالسلمية التي ينتهجونها ليست حلًا للصراع مع السيسي، وهذه الخسائر ليست نهاية المطاف.

وأشار عشماوي إلى وجود عدد من المقاتلين مستعدين لمحاربة الجيش، ولكنهم كما يقول «يتمنون لو كان معهم سلاح، فلعل ذلك يكون قريبًا». مما يشير إلى احتمالية وجود خطط واستعدادات للمرابطين ينقصها فقط السلاح.

ويوسع أبو عمر من دعوته فيطلب أن يقاوم الجميع و «لو بسكين». ويطلب ممن سينزل في المظاهرات السلمية أن يرفع شعارات تدل بشكل قاطع وواضح على رغبتهم في تطبيق الشريعة، وترك الشعارات المترددة وغير الواضحة.

وبذلك ينضم تنظيم المرابطين إلى تنظيم أجناد مصر في موافقتهم على التظاهرات السلمية، ضد رافضيها في تنظيم الأنصار الذي يرى ضرورة مواجهة الأجهزة الأمنية في مصر بالقوة والعنف.


ما يملكه عشماوي من معلومات

ويذكر واقعة حدثت له عندما كان لا زال في الخدمة بأن الضباط كانوا يرتعدون من التظاهرات التي ترفع الشعارات التي تنادي بالشريعة.

ويثور التساؤل هنا عما يملكه عشماوي من معلومات من داخل الجيش؟ والتي بالتأكيد تؤهله لأن يقوم بعمليات نوعية مثل التي قام بها من محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق وضلوعه في عملية اغتيال النائب العام، وعملية كمين الفرافرة.

ويحرض عشماوي بشكل مباشر على رجال الجيش والشرطة والإعلام، بشرط أن يكون الأمر منضبطًا بالضوابط الشرعية. وأن كل من يستطيع استهدافهم بشكل مباشر وتصوير العملية وإرسالها إلى تنظيم المرابطين لنشرها، فليفعل.

وأن من يملك المعلومات عنهم وعن تحركاتهم ولكن لا يستطيع استهدافهم فليرسل المعلومات وتقوم الجماعة بالتنفيذ.

كل عمليات التجنيد تلك بصورها المباشرة وغير المباشرة، يبدو أنها نابعة من نقص الموارد البشرية في التنظيم الجديد، والذي يحاول بقدر الإمكان جمع أنصار حوله. وحدد عشماوي المدة التي ستبدأ بعدها هذه العمليات بثلاثة أشهر من تاريخ بث التسجيل.

وكان النداء الأخير في التسجيل موجه لضباط وجنود الجيش والشرطة «الشرفاء» كما سماهم عشماوي، والذي شبههم بمؤمن آل فرعون الذين يخفون إيمانهم ورفضهم لتصرفات قادة الجيش. يحثهم فيها على حماية إخوانهم وأخواتهم من «إجرام» أجهزة الأمن.

وخُتم التسجيل بنشيد من الأناشيد الجهادية الحماسية، والتي تداعب حس أي شاب من الإسلاميين، فلا ينكر أحد أن هذه الأناشيد لعبت دورًا كبيرًا في تأجيج مشاعر الشباب للانضمام إلى الجماعات الجهادية.


قائد عمليات وليس قائد تنظيم

وفي نظرة عامة للتسجيل، يمكننا استنتاج بعض الملاحظات ذات الأهمية، منها أن عشماوي طوال حديثه كانت تتملكه نبرة قوية تدل على إصرار وعزيمة، وليست نبرة شخص هاوٍ لديه مجموعة من المسلحين فقط.

فما يمكن أن نراه الفترة المقبلة قد يؤكد هذا أو ينفيه، لكنا نميل إلى أن جماعة «المرابطون» سيكون لها وجود وتأثير قوي الفترة القادمة من خلال العمليات التي سيقومون بها، نظرًا إلى أنها، كما فعلت أجناد مصر، تعاملت بشكل مباشر مع الشباب ودعتهم للانضمام الفعلي لها أو تنفيذ عمليات تحت اسمها.

وأيضًا نلاحظ أن عشماوي يطلق كلمة «الشعب المصري» و «المصريين» على من يعادون السيسي ويرفضونه فقط. وهنا يظهر سؤال مباشر عن رؤيته لمؤيدي السيسي. هل يتعامل معهم على أنهم أعوان للطاغوت في شره؟ لا يوجد في التسجيل أو التسجيل السابق ما يقترب من هذه المنطقة، لكن يمكن الاستنتاج على أنه لا يعتبرهم كذلك من فكرة الدماء المعصومة التي كررها أكثر من مرة في حديثه.

ويمكننا الاستنتاج أيضًا بأن عشماوي ليس صاحب بنية فكرية قوية، إذا ما قورن بمجد الدين المصري قائد أجناد مصر أو بمن يظهرون في إصدارات تنظيم أنصار بيت المقدس. فالظاهر من حديثه أنه عسكري أكثر منه صاحب رؤية وإستراتيجية. فهو يصلح كقائد عمليات ناجح كما ظهر في العمليات السابقة التي أدارها، ولكنه لا يصلح كقائد عام فيما نرى.

واللافت للنظر أن عشماوي لم يتطرق في أي جزء من حديثه لتنظيم أنصار بيت المقدس لا ذمًا ولا مدحًا، مما يدل على عدم وجود عداء ظاهر بينهما، وينفي وجود أي تنسيق وتعاون أيضًا.

وجود عشماوي كأمير لجماعة «المرابطون» يعد تحديًا جديدًا يضاف لما تواجهه القوات المسلحة. وبالتأكيد جماعة تحت إمرته لن يكون القضاء عليها سهلًا يسيرًا.