الديانات بشر متعددة الذوات بداخلها.

يمثل الدين سلاحًا قويًّا في معادلة الإرهاب والحرب عليه، سواء كان دينًا سماويًّا أو غير سماوي، وسواء تعلقت العمليات الإرهابية بجماعات وفصائل محسوبة على الإسلام أو غيره من الديانات، وهناك العديد من المواقف التي توضح ذلك.فقد خُيِّر المسلمون، إثر دخول جيشي الملك فريناندو والملكة إيزابيلا مدينة غرناطة يناير 1499، بين اعتناق المسيحية أو الترحيل من إسبانيا. بعدها بشهرين وتحديدًا في 21 مارس 1492، خرج على أهل الأندلس فريناندو وإيزابيلا بمرسوم الطرد والذي خيّر يهود إسبانيا ما بين التعميد أو الترحيل، ومنهم من ارتضى تغيير ديانته من أجل وطنه ومنهم من فرّ إلى تركيا «الدولة العثمانية » حيث أمر السلطان بايزيد الثاني موظفيه باستقبال اليهود الفارين من إسبانيا بشكل جيد [1].مشهد آخر مشابه حدث في العام 1984، حيث سحب اثنان من الحراس السيخ في الحادي والثلاثين من أكتوبر [2] أسلحتهما وأطلقا النار على أنديرا غاندي -رئيسة مجلس الوزراء الأولى في الهند والثانية عالميًا- بإحدى الحدائق أثناء توجهها نحو إحدى المكاتب الوزارية لإجراء حوار تلفزيوني مع منتج الأفلام الوثائقية البريطاني «بيتر يوستيثوف». أطلق الحارسان نيرانًا كثيفة أصابت أنديرا بثلاثين طلقة، وقتل أحدهم، وجرح الآخر وحكم عليه بالإعدام.قبل ذلك بثلاثة أعوام قفز أربع عسكريين من حافلة عسكرية انحرفت عن الصف في السادس من أكتوبر من العام 1981 وأطلقوا النيران على «محمد أنور السادات» الرئيس المصري الراحل، في ذكرى احتفالات انتصار أكتوبر، وأثناء المواجهات صاح الإسلامبولي قائلا: «أنا خالد الإسلامبولي، قتلت الفرعون ولا أخشى الموت»[3].يوميًا في مناطق مختلفة يُقتل العديد بستار الدين سواء سماوي أو غير ذلك، فتشير بعض التقارير الدولية إلى وقوع 13 ألف هجوم مسلح قتل فيها ما يزيد على 32 ألف شخص وأن 95 دولة على مستوى العالم في العام السابق شهدت هجمات إرهابية، بزيادة بنسبة 81% في حجم العمليات عن العام السابق.[4]


ما الدافع وراء المواجهات في كل المشاهد السابقة؟

المعادلة لا يمكن أن تتسع للعقيدة العسكرية والتنظيمات الإسلاموية في آن معًا، فكل منهما مطلق، والمطلق لا يقبل الشراكة.

هل الدين هو المحرك الرئيسي لهؤلاء؟

يشيع في دراسة الجماعات والتنظيمات المتطرفة مصطلح «وعاء السببية»، وهو مصطلح يبدو للوهلة الأولى صعب المنال، ولكن تفسيره أبسط مما يبدو عليه. نعني هنا بهذا اللفظ أن كل تغير أو تحول يعود لسبب واحد ظاهريًّا ولكنه يحتوي على مجموعة من الأسباب تمتزج ليظهر من بينها لنا في النهاية السبب الرئيسي. وهنا تحدث المشكلة حيث أن المتعامل مع تلك التنظيمات ينظر إلى السبب الظاهري ويبني عليه طرقً ووسائل تعامله مع تلك التنظيمات ومن ثم لا يقضي عليهم بل ربما يزيد من حدتهم.في حالتنا تلك السبب الرئيسي الظاهري هو الدين. ولعل الإسلام بصفة خاصة –نظرًا لخصائص اللغة العربية وخضوعها لسلطة المغايرة- هو أكثر الديانات استغلالًا وذلك لميوعة اللغة العربية مما يسهل تكييف نصوصه مع كل عمل وإصباغه به. ففي التنظيمات الإرهابية تتداخل العديد من الأسباب لقيامهم بتلك العمليات تحت ستار الدين. فعلى الرغم مما انطوت عليه نظرية الجهاد المهاجر لـ «عبد الله عزام» من أجل تحرير أفغانستان من السوفييت، من تبرير ديني وسياسي؛ إلا أن حب السلطة من قبل الأتباع العرب، وخاصة زعيم القاعدة «الظواهري»، جعله يستغل فكرة الجهاد من أجل إقامة دولة تنصبهم زعماء، كما تبلور بعد ذلك في فكر القاعدة. تولى بن لادن زعامة التنظيم بعد ترجيحه لفريق الظواهري، في الوقت ذاته كانت الحكومات العربية وعلى رأسها السعودية تدعم تلك الفكرة وتستخدم الدين ظاهريًّا من أجل دعم الحليف الأمريكي في القضاء على التمدد السوفييتي، والبقية معروفة.تلك الأوقات مع غياب تنظيم القاعدة -غياب مؤقت ليس موضع حديثنا الآن- ظهر علينا تنظيم الدولة الإسلامية داعش ليكمل المعركة بين التنظيمات الإسلاموية وبين الدول مرة أخرى تحت ستار الإسلام. والواقع وإن كان في ظاهره ديني إلا أنه بالأساس يعود لأسباب منها سياسية وبعضها شخصية، فاهتمام داعش بداية كان منصبًّا على السيطرة على العراق وسوريا «مناطق المؤسسين»، ولكن انطلاقًا من محاولات الدول الكبرى للقضاء على داعش لمصالح لها في الشرق الأوسط تحول اتجاه مدفع داعش إليها مبررين ذلك بمحاربة الكفار «جهاد الدفع». من ناحية أخرى تسرع الدول والحكومات في إخراج فتاوى تفيد بأن تنظيم داعش تنظيم إرهابي دون توضيح كافٍ لمفهوم الجهاد في الإسلام وعليه تبرر التحرك ضد التنظيم وضد من يتعاطف معه. ولكن الأمر ليس دينيًّا بالأساس بقدر ما هو سياسي يخشى تنامي النزعة الدينية لدى المواطنين مما يهدد سلطان الحكومات، خاصة مع أنظمة قمعية تنتهك حقوق الإنسان بصورة كبيرة.


وختامًا فإن الدين في المتخيل السياسي للإرهابيين والمكافحين ما هو إلا ثوب يُستغل من أجل كسب كل طرف تعاطف الآخرون معه، والضحية نهاية هو الإسلام والمسلمون سواء بالداخل أو الخارج. بالداخل في الدول الإسلامية، المسلم المعتدل الذي يود التقرب من الله يواجَه بالاعتقال من قبل السلطات، أو على الأقل يتملك الخوف منه أثناء تأديته الشعائر، وبالخارج المسلم المعتدل تمارَس ضده كل أشكال العنصرية والتمييز جرّاء أي هجوم مسلح من قبل الجماعات المتطرفة.
المراجع
  1. كارين آرمسترونغ، ترجمة محمد الجورا ، النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام ، دار الكلمة للنشر والتوزيع 2005. ط 1، ص17 متاح على الرابط التالي:
  2. أنجي رأفت، الذكرى الـ29 لاغتيال أنديرا غاندي.. أول رئيسة وزراء هندية والثانية في العالم، صحيفة الوطن المصرية، 31-10-2013، متاح على الرابط التالي:
  3. …، أسئلة شائكة يفجرها فراغ ما بعد عبد الناصر، دور مصر جعلها الساحة الأنسب لبروز جهود، موقع الشرق، 4 يوليو 2004 متاح على الرابط التالي:
  4. فريق مركز الشرق العربي، التقرير السنوي للخارجية الأمريكية حول الإرهاب 24/6/2015، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية، لندن، 26 يونيو 2015 متاح على الرابط التالي:
  5. ولتر ستيس، ترجمة زكريا إبراهيم، الزمان والأزل مقال في فلسفة الدين، الهيئة المصرية للكتاب، مصر، ط2013، ص 37، متاح على الرابط التالي: