أوقدت المصباح الكهربائي ووجهته من خلال فتحة للداخل، رأيت لمحة كالحلم، بريقـًا من سراب ذهبي، يتوهج رغم العتمة المتراكمة منذ أن وُلد الزمن، قال لي اللورد بصوت مجهد:  هل ترى شيئـًًا؟

قلت: أجل .. أرى أشياء رائعة.
نهاية رواية يوم غائم في البر الغربي

علاقة الفن بالمجتمع لطالما كانت مثار نقاش بين المتخصصين في علوم الاجتماع والأنثربولوجيا والإنسانيات … إلخ. والأدب لم يكن أبدًا بعيدًا عن هذا الجدل، فهناك اتجاهات ترى النص الأدبي كيانـًا منفصلًا يجب تحليله بشكل منعزل عن أي عناصر أخرى تتعلق بخلفية الكاتب وتوجهاته، أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يناقشها النص أو التي وقعت أثناء كتابة المؤلف للنص الإبداعي.  

في حين تعتبر اتجاهات نظرية أخرى أن الأدب منتج ثقافي بالمعنى الواسع، حيث إن الثقافة نتاج لتفاعلات المؤسسات والأفكار والمعتقدات الموجودة في المجتمع. وبالتالي فإن الخلاف النظري/المنهجي بين الدارسين يفتح مجالًا واسعـًا لتأويل النص الأدبي، ويتيح الفرصة لفهمه بأكثر من طريقة. 

لطالما يدور في أذهاننا تساؤلات حول كتابة التاريخ: من يكتبه؟ وكيف يكتبه؟ وفي أي مرحلة يُكتب؟ وكيف نستطيع تصديق رواية هذا المؤرخ أو ذاك؟ ثم نطرح أسئلة حول التاريخ الموازي الذي لا تكتبه السلطة، لكن تنقله ألسنة الناس، فيصبح التاريخ الشفهي جزءًا أصيلًا من عالم الحكايات التي نعيشها. وهنا يأتي دور الأدب، ورواية يوم غائم في البر الغربي نموذج للروايات التي تعيد قراءة التاريخ عبر التجول مع القارئ في أزمنة وأمكنة متنوعة، يختلط فيها الواقع بالخيال، والتاريخي بالإبداعي دون وجود خط فاصل بين العالمين. 

عن الرواية والمؤلف

الرواية للكاتب المصري محمد المنسي قنديل، وصدرت عام 2009 عن دار الشروق، وآخر طبعاتها، الطبعة التاسعة 2018. ووصلت الرواية للقائمة القصيرة في ترشيحات جائزة البوكر العالمية للرواية العربية.

وتجري أحداث الرواية في الربع الأول من القرن العشرين، ولم يُذكَر مباشرة أي تاريخ خلال الرواية، لكن أُشير  للأحداث والشخصيات التي عاشت في هذه الفترة. وتحكي الرواية قصة (عائشة) التي تترك منزل أهلها فى إحدى قرى الصعيد خوفـًا من بطش عمها، لتبدأ رحلتها من مدينة أسيوط والدخول لإحدى مدارس الراهبات بهُوية مزيفة، وبعد ذلك تنتقل للقاهرة وتتعرف على شخصيات تاريخية أثرت في تشكيل تاريخ مصر سواء من الإنجليز أو المصريين، فيُتاح لها التعرف على اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني، وهوارد كارتر الأثري البريطاني الذي اكتشف مقبرة توت عنخ أمون، والزعيم المصري مصطفى كامل، والمؤرخ والمحامي والصحافي عبد الرحمن الرافعي، والمثال محمود مختار. 

خلال رحلتها، تحاول عائشة اكتشاف ذاتها وفهم العالم، فتعيش في منزل اللورد كرومر وتعمل مترجمة له، ثم تعمل في الصحافة مع الرافعي في جريدة اللواء، وتقع في حب محمود مختار، وتُغتصب من قِبل عمها، وتعيش في أحد بيوت الدعارة في القاهرة، وتنتهي بها الرحلة لتعيش مع هوارد كارتر في طيبة قبل اكتشافه لمقبرة توت عنخ أمون في مشهد أخير يختم به قنديل روايته لواحد من أهم الاكتشافات في القرن العشرين.  

محمد المنسي قنديل طبيب نفسي وكاتب قصة قصيرة ورواية، من مواليد مدينة المحلة الكبرى بدلتا مصر، وينتمي لجيل من الكتاب والنقاد والفنانين المعروف بجيل الستينيات، الذي تأثروا بهزيمة 1967 التي أعادت تشكيل رؤيته للعالم وقراءته للتاريخ. النكسة حركت قنديل وحثته على طرح السؤال الخاص بإعادة قراءة التراث من خلال الأدب وربطه بالواقع المعاصر. (1)(2)

صدر له عدد من الروايات من أشهرها قمر على سمرقند، انكسار الروح، كتيبة سوداء، أنا عشقت، ومجموعات قصصية مثل: لحظة تاريخ، ثلاث حكايات عن الغضب، من قتل مريم الصافي؟، وغيرها من الأعمال. (3)

ويهتم قنديل بسبر أغوار التاريخ في كتاباته، ويسعى لقراءته بشكل ذاتي يختلف عما كُتب في مجلدات السلطة. ولعل هذا الاهتمام الواسع للكاتب بالتاريخ ما شجعني على استخدام منهج التاريخانية الجديدة لقراءة الرواية وتشابكاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. 

التاريخانية الجديدة وقراءة الأدب 

يعتبر منهج التاريخانية الجديدة New Historicism، أحد المناهج المهتمة بقراءة الأدب بشكل يختلف عن مناهج نظرية أخرى مثل المنهج التاريخي التقليدي أو منهج النقد الجديد (أحد تيارات المدرسة البنيوية) الذي لا يضع السياق التاريخي في الحسبان عند محاولة فهم النص الأدبي، ويفسر فقط النص من خلال الشكل والأسلوب، فالنص في هذه المدرسة – النقد الجديد  – يعد بناءً واحدًا متكاملًا (4). 

وقد ظهر منهج التاريخانية الجديدة خلال حقبة الثمانينيات من القرن الماضي(5)، ويتسم بأنه يجمع في تحليله العلاقة بين المنتجات الثقافية المختلفة والنص الأدبي(6)، حيث يتعامل مع النص في إطار الأفكار التي سادت داخل المجتمع أثناء كتابته في عصر ما، فالأدب هنا له وظيفة سياسية، تتعامل مع مفاهيم مثل القوة والسلطة، ومعنى الحقيقة في هذا المنهج ليس طبيعيـًّا بل إنتاجًا ثقافيًّا صُنع في العمل الأدبي نفسه «Socially constructed». (7)

ومن هنا يمكن استخلاص أن منهج التاريخانية الجديدة يربط النص الأدبي بمجموعة العلاقات الداخلية المتشابكة داخل ثقافة ما، أثناء الحقبة الزمنية الحاوية لها، في إطار استكشاف أشكال الصراعات والتفاعلات الاجتماعية والأيديولوجية، وفهم مكان/موقع النص داخل هذا السياق التاريخي، فتنشأ علاقة تبادلية بين النص والتاريخ، فيصير للتاريخ نص أدبي جديد يقرأه ويؤوله، فالتاريخ بناء غير مكتمل أو مطلق أو صحيح على طول الخط، مما يجعل النص الأدبي مدخلًا للتأريخ الخاص بهذه الحقبة، حال عدم وجود دلائل مادية.  كذلك فالنص يصبح له تاريخ مرتبط بنشأته وظروف كتابته … إلخ. (8)

إن التاريخ ليس نصـًّا واحدًا جامدًا، لكنه سردية يعاد كتابتها وفق منظومة أفكار قد تسود في مرحلة ما، وما قد يؤمن به الكاتب أثناء كتابة هذا النص الذي لا يُعد مستقلًّا بذاته، أو فنـًّا نقيّـًا، فقد يكون لدى الكاتب تصورات ما عن العالم تتناقض مع ما تقوله سرديات تاريخية أخرى، وبالتالي يكون المنتج الفني مقاربة أو مواءمة بين  المبدع الذي يحمل أفكاره الخاصة من ناحية ومؤسسات المجتمع وعاداته وتقاليده … إلخ من ناحية أخرى. (9) وبالتالي، يصبح التاريخ وفق التاريخانية الجديدة مجموعة من الاحتمالات (10). 

والمؤلف لا يعكس لحظته الراهنة فقط عند كتابة النص، ولا تجربته الذاتية، بل يعكس مجموعة من التراكيب والتشابكات المجتمعية التي تبرز مستويات مختلفة من التحليل مثل الطبقة والنوع والسلطة … إلخ، مع وجود علاقات تفاعلية بين هذه العناصر داخل النص. لذا يمكننا استخدام الأدب المعتمد على الخيال كأداة تقارن تسجيل المؤرخ والأديب لتصوراتهم عن التاريخ وأحداثه.(11)

المكان – الزمان .. والتاريخ

عنوان الرواية كشف منذ البداية أهمية عنصر المكان فيها، وظهر ذلك بشكل أوضح في عناوين كل الفصول بداية من أسيوط والمنيا، فقصر الدوبارة والسيدة زينب وطيبة ومقابر بني حسن وتل العمارنة … إلخ. وتحرك بنا الكاتب في رحلة من شمال مصر لجنوبها، وأعاد رسم ملامح مصر الجغرافية كما تراها عينه، وهذا أحد العناصر الأساسية لأدب محمد المنسي قنديل الذي يقول إن “الأدب الجيد هو جغرافيا جيدة … لأن المكان له الدراما الخاصة به التي تثير في داخلك كل القضايا، وتفتح عينيك على كل ما في الكون من مظاهر.” (12) 

وأدب المنسي قنديل يمكن وصفه بأدب الرحلة، ويظهر هذا في الرواية بوضوح شديد من خلال رحلات كل الشخصيات تقريبـًا، الذين لطالما انتقلوا لأماكن متفرقة على مدى الرواية، بداية من عائشة التي جالت مصر من أقصاها لأقصاها، وهوارد كارتر، وكذلك مختار الذي رحل عن مصر للدراسة في الخارج، حتى إخناتون الذي تحرك بين أخيتاتون وطيبة. كذلك فالرحلة ليست مكانية فقط، لكنها عابرة لحدود الزمن، فالرواية تُسرَد أحداثها خلال الربع الأول من القرن العشرين، وفي نفس الوقت بشكل متوازٍ، يضرب الكاتب في أعماق التاريخ المصري القديم فينتقل بنا إلى زمن الأسرة الثامنة عشرة.  

هنا، يعبر قنديل عن حبه لشكل الرحلة ويقول إن «الرحلة انتقال من مكان لآخر، لكنها انتقال من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر. والرحلة باستمرار اكتشاف المكان واكتشاف الذات، وهذا الشكل مريح لي أثناء الكتابة، لأنني أحرك أشخاصي على مساحة جغرافية وزمنية واسعة، والبحث عن المشترك الإنساني .. الرحلة سمة أساسية لديَّ».(13)

استطاع الكاتب أن يصنع أماكن من خياله حتى لو كان بعض منها حقيقيًّا، وما زال كائنـًا حتى اليوم، لكنها أماكن مصنوعة ومتخيلة .. تمثيلات بصرية للواقع وليست الواقع نفسه، أعاد تكوينها ووضع القارئ داخلها. إن تجربة الكاتب الذاتية التي تنوعت من خلال أسفاره العديدة، وعمله في الصعيد، بالمنيا، عندما كان طبيبـًا، ربما ساعدته في التعرف عن قرب على هذه المنطقة الجغرافية وثقافتها، وهذا ما أكده قنديل بقوله: «تجربتي في المنيا لم تكن طويلة، لكنها مؤثرة وكاشفة عن أشياء غريبة جدًّا لم أكن أعتقد أنها موجودة، اهتممت بالمهمشين الذين ينتظرون العمل الموسمي، وكيف اعتاد المصريون أن يأكلوا أقل القوت».(14)

ويمكن أن نلحظ في هذه التمثلات/التمثيلات Representations في هذا المشهد من الرواية:

في الشارع الموازي للنيل ظهرت صفوف من محلات العاديات وقطع الآثار، ضيقة ومعتمة ومزدحمة بالبضائع، خرج أصحابها عندما شاهدوا موكب الحمير وهو يقترب منهم.

رسم الكاتب هنا لوحة تشبه تصوير المستشرقين لمصر خلال القرن التاسع عشر، لكن التمثيل هنا كان بعيون مصرية.  

أما على مستوى الزمن، فقد تجلى بمعناه الوقتي، والتأثيري على شخصيات الرواية، فالأحداث التاريخية التي ذكرها الكاتب مثل حادثة دنشواي، ووفاة مصطفى كامل، ورحيل اللورد كرومر عن مصر، رسمت خطـًّا زمنيـًّا لما يحدث في مصر، وفي نفس الوقت كيف يؤثر هذا الزمن وتفاعلاته على أشخاص الرواية، وهنا يمكن الاستشهاد بما قاله مصطفى كامل عن علاقته بكرومر وتأثير الزمن على كليهما.

رحل كرومر .. أجل .. ولكن رحل معه جزء من عمري، كنت أنا وهو صنوان، أخذ الصراع أعمارنا وصحتنا، وأشعر بعد رحيله بأن موعد رحيلي أنا أيضـًا قد حان.

 هذه العبارة التي قالها مصطفى كامل لعائشة، تفتح لنا الكثير من الاحتمالات لفهم العلاقة بين الرجلين، وكيف أن صورة الصراع التي رسمتها المراجع التاريخية، لا تكشف أحيانـًا بعدًا إنسانيـًّا بين المتصارعين، وإن لحظة من القبول أو عدم الكراهية بين المتصارعين قد تكون واردة، بل إن وجود أحد طرفي الصراع قد يكون مرهونـًا بالآخر. 

ومن الأشياء المثيرة للتساؤل في أحداث الرواية أن الكاتب تناول عددًا من الأحداث الكبرى، فتحدث مثلًا عن الحرب العالمية الأولى وأهوالها فقال:

طالت الحرب حتى لم يعد يحلم أحد بالانتصار، تحولت همسات الدعوة بالانسحاب والإقرار بالهزيمة إلى صرخات غاضبة، وفي النهاية سقط الملايين من القتلى وسقط كل النسور الذين كانوا يحكمون العالم وهم يدعون أنهم مفوضون بالحكم الإلهي، وانزوت الآلة خجلى وتخلت عن الجميع.

 إلا أن قنديل قفز بعد ذلك دون أن يذكر أي شيء تقريبـًا عن ثورة 1919 أو زعيمها سعد زغلول، رغم أنه تحدث عن مشروع تمثال نهضة مصر الذي كان في نفس المرحلة التاريخية. وربما يكون تفسير هذا التغافل عن ذكر ثورة 1919 أنه حدث  ضخم بكل تفاصيله، ولا يمكن أن يُذكر في سطور قليلة، فتكفيه حقه. لكن سواء كان الأمر تغافلًا أو نسيانـًا من الكاتب، فالحدث كان من المهم ذكره بأي طريقة للحفاظ على حالة التسلسل التاريخي للرواية، فالقارئ -حتى بدون وعي- منذ بداية الرواية رسم خطـًّا زمنيـًّا للأحداث وتسلسلها، انتهى بمشهد كارتر الشهير عند اكتشافه مقبرة توت عنخ أمون قائلًا:

أوقدتُ المصباح الكهربائي ووجهته من خلال فتحة للداخل، رأيتُ لمحة كالحلم، بريقـًا من سراب ذهبي، يتوهج رغم العتمة المتراكمة منذ أن وُلد الزمن، قال لي اللورد بصوت مجهد: هل ترى شيئـًا؟ قلتُ: أجل، أرى أشياء رائعة.

المرأة وتمثيلها التاريخي

من بين آخر المشاهد التي رسمها الكاتب عن عائشة، ربطه بين صورتها والفلاحة في تمثال نهضة مصر الذي نحته محمود مختار، فيقول:

وجدتْ على المنضدة لفة الصحف القديمة كان قد وضعها في المخلاة وأحضرها معهما من البر الشرقي منذ أيام طويلة، كانت هناك صورة تشبه وجهها في الصفحة الأولى، تأملتها باستغراب، لم تكن صورتها بالتأكيد، كانت مخططـًا لتمثال حجري، وجهه يحمل كل ملامحها، فلاحة مصرية ترفع يدها كأنها تستقبل الشمس، بينما يدها الأخرى موضوعة فوق رأس تمثال صغير لأبي الهول، كان مختار قد عاد من سنوات غربته في فرنسا، كان وجهه يبدو متعبـًا، ولكن الصورة الباهتة لم تستطع أن تخفي البريق الذي يشع من عينيه، كان يتحدث عن مشروعه لإقامة تمثال ضخم يرمز للنهضة والبعث الجديد. 

هذا المشهد يمكن تأويله على أكثر من مستوى مرتبط برغبة الكاتب الذاتية في استعادة روح النهضة المصرية مرة أخرى، بعد أن وقعت مصر فيما بعد 1952 تحت نير الاستبداد لعقود. وربما يمكن الاستدلال هنا بمقولة الكاتب الذي شعر أثناء كتابته للرواية:

إن المصريين يعودون أرقامـًا مرة أخرى، كانوا يموتون في العبارات في البحر الأحمر، وتتساقط عليهم صخور المقطم، وتحترق بهم القطارات، فكنت أشعر بالدفاع عن هذه الهوية، هذه الهوية العابرة، لا أود أن تأخذنا سياسة الأرض المحروقة إلى الهاوية.(15)

مستوى آخر في التأويل يتعلق برمزية شخصية عائشة، مثلها مثل صورة الفلاحة في تمثال مختار. فعائشة قد تُرى رمزًا لمصر بطول الرواية، وأنها وقعت فريسة للمستعمر الذي استغلها في صور مختلفة من خلال هوارد كارتر الذي كان نفعيّـًا، أو المصري الذي اغتصبها، عمها عمران، أو المصري الآخر الذي أراد أن ينقذها لكنه يئس من صعوبة الوضع في البلد، مختار الذي زج به في السجن وعُذِّب ثم قرر الرحيل عنها. 

إلا أن هذا التأويل لم يره الكاتب الاحتمالية الأقرب، فقد تمنى قنديل ألا يُنظر لشخصية عائشة “أنها شخصية رمزية، بل أن يراها القراء شخصية من لحم ودم، فكلما اُعتبرت الشخصية رمزية، انتقص ذلك من حياتها.”(16)، لكن أمنية قنديل من الصعب تحققها عند كثير من القراء، خاصة مع انتشار نظرية رمزية الوطن كأنثى والذكر كمنقذ لهذا الوطن في تمثيلات أدبية وسينمائية عديدة. 

كذلك فنماذج المرأة الموجودة عبر الرواية يُلاحظ أنها تتسم بالخضوع والسلبية، فبطلة العمل نفسها لم تستطع تغيير مصيرها، بل كانت مُسيَّرة طول أحداث الحكاية ولم تختر شيئـًا تقريبـًا منذ ذهبت لمدرسة الراهبات في أسيوط مرورًا بالحياة في القاهرة وحتى اختيار العمل في الصحافة، لم يكن اختيارًا نابعـًا من إرادة حرة، وعندما أحبت محمود مختار لم تكتمل هذه الرغبة. 

آخر المشاهد التي تظهر فيها عائشة يعبر عن هذا الخضوع للقدرية، وهي سمة ارتبطت بتمثيل المرأة في الكثير من الأعمال الفنية التي عبرت عن هذه المرحلة، مثل نموذج أمينة في ثلاثية نجيب محفوظ. في المشهد الأخير:

نظرت أمامها، غابت الشمس فجأة وأصبح النهر داكنـًا، رأت الذئاب وهي واقفة أمامها، استيقظت في النهار وتجمعت لتقف أمامها بشكلها المغبر، أفواهها مفتوحة وألسنتها متدلية وعيونها أكثر لمعانـًا في ضوء النهار، لا بد أن اللورد وابنته الشاحبة يهبطان على البر الآن، يتجهان نحو المقبرة، ويعلنان موت الملك، موت كل شيء، الذئاب تتحرك في اتجاهها، لا تخاف من شيء ولا يوقفها شيء، تحيط بالبيت من كل ناحية، تتذكر النظرة القاسية التي رأتها على وجه أمها، تدرك أنه لا جدوى من الصراخ، ولا يوجد طريق للهرب.

لم تستطع عائشة هنا حتى اختيار قرار الهروب، بل استسلمت لمواجهتها مع الذئاب بعد أن رحل عنها الجميع. ربما رسم الكاتب تصوراته عن عائشة من خلال التصور الذي ساد عن نساء كثيرات في المجتمع المصري في تلك  المرحلة التاريخية، وأنهن غير قادرات على تقرير مصائرهن إلا في وجود رجل. 

ولم تختلف صور باقي النساء في الرواية عن صورة عائشة، فنبوية المستحية، والراهبة مارجريت، وأم عائشة، وحتى النساء الأجنبيات كُن جميعـًا مرتبطات بقرار الرجال، مرهونات بهم. فمثلًا، نبوية فتاة الليل، رغم أنها تبدو قادرة على اتخاذ قرارها، إلا أنها خضعت في النهاية لفكرة الزواج من رجل للتطهر من ذنوبها وبدء حياة جديدة، إلا أن الزوج الجديد كان غادرًا، ولم يمنحها هذه الفرصة بعد أن سرق أموالها وضربها وطردها. 

هذه السطوة الذكورية التي رسمها الكاتب في الرواية أعادت تأكيد تاريخ تلك المرحلة ورسخت الصورة التي قد تبدو نمطية عن المجتمع الأبوي السلطوي الذي يقمع النساء. 

الشخصيات التاريخية

أعاد الكاتب بناء الشخصيات التاريخية بشكل إنساني، جعلها أكثر ألفة بالنسبة للقارئ حتى لو كرهها، لكنها لم تعد مجرد شخصية جامدة في وثيقة تاريخية أو كتاب مدرسي، فأصبح اللورد كرومر الذي يخاف من صياح المصريين خارج قصره أكثر إنسانية، وعبقرية محمود مختار التي نحتت نهضة مصر مصنوعة من الألم والتعذيب. لقد هبطت هذه الشخصيات التاريخية من أبراجها العاجية التي صنعتها كتب التاريخ ليصبحوا بشرًا يملأهم الخوف والرغبة واليأس. 

ولعل الفصل الذي قدمه قنديل عن إخناتون يعتبر النموذج الأبرز لهذا التمثيل الأدبي. فقد تجلت رؤية الكاتب لحاكم مصر الإنسان الذي نادى بوحدانية الإله فقال عنه:

أدرك إخناتون، وهو يختلط بكل الذين مر بهم، من الفلاحين والرعاة والبنائين والنجارين وحتى الغجر وقطاع الطرق أنه مصنوع مثلهم من مادة الفخار، وليس من ضياء أوزوريس كما كانوا يخادعونه قديمًا.
ويضيف: تأمل يديه الخشنتين، وقدميه المفرطحتين اللتين امتلأتا بالشقوق، أحس أنه لم يعد بحاجة إلى أي إله.

نزل الكاتب بحاكم مصر إلى الأرض ليرى تفاصيل حياة الفلاحين البسطاء ويبتعد عن القصور، فصار شبيهـًا لهم، وأحس بمشاكلهم ومعاناتهم اليومية التي عادة لا يعلم عنها الحكام شيئـًا. 

لقد منح الكاتب إخناتون مساحة واسعة في روايته، وكأنه يريد إعادة سرد تاريخ حاكم مصر الذي نال مساحة واسعة من الكتابات التاريخية لكن من منظور واحد تقريبـًا. ورسم قنديل صورة إيجابية عن الفرعون المارق، معتبرًا المارق هنا صفة جيدة، لأنه هرب وخرج على طغيان المدينة الفاسدة، طيبة وإلهها أمون، من أجل أن يقيم مدينته الفاضلة أخيتاتون، مدينة الشمس، التي تعبد الإله الواحد وتدعو للسلام والمحبة.  إلا أن هذا الطرح يتعارض مع كتابات تاريخية اعتبرت إخناتون «حاكمـًا شموليـًّا، إذ كان يجهل كل الجهل حق الفرد في أن يختار بحرية». (17)

تصوير قنديل الإيجابي لإخناتون مرجعه افتتان شخصي من ناحية الكاتب بشخصية حاكم مصر الراحل، الذي كُتب عنه الكثير، فقد عمل قنديل على إضافة لمسة روحية للحضارة المصرية المادية، وصنع فكرة الإله الأوحد .. هذا كان تحديًا شخصيـًّا، كيف يمكن الكتابة في موضوع مستهلك ..  وكيف يمكن لمس زاوية جديدة من هذا الموضوع ..» (18) وربما اعتبر البعض أن الزاوية التي قدمها الكاتب عن إخناتون جديدة وغير متشابهة عما كتب عنه. فالكثير من الكتابات الأدبية بَنَتْ تصوراتها عن إخناتون بشكل تبسيطي، مبتعدين عن المصادر التاريخية الأولية مثل نقوش المعابد والآثار. فقد حاول الكاتب دونالد ريدفورد في كتابه «إخناتون ذلك الفرعون المارق» (19) توثيق تجربة إخناتون وفق الأدلة الأولية والنصوص الأصلية (ص.11)، فعند قراءة ما كتبه قنديل عن إخناتون ثم مقارنته بما كتبه ريدفورد يمكن ملاحظة أن الروائي المصري قد تأثر بشكل ما بما كتبه الأثري الكندي الذي قال عن الفرعون المارق إنه «لما كانت تعوزه المواهب الإدارية، فلقد كان راغبـًا في ترك إدارة شئون الحكم اليومية، سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي، في أيدي الوسطاء العسكريين منهم والمدنيين، كي يتابع هو برنامجه في الإصلاح الديني كما تصوره».

ويستمر الكاتب الكندي هنا في إبراز اهتمام إخناتون بالفنون بشكل عام، وقدراته الشعرية الكبرى، لكنه -إخناتون- يهمل معاركه الخارجية ولا يستطيع استكمال بناء الإمبراطورية التي بناها أسلافه. 

هذا الطرح الذي يرى وجهين لإخناتون، أخذ قنديل منه جانبـًا واحدًا يتعلق بالبرنامج الديني، ونظر إليه بصورة رومانسية حالمة، عن رجل يؤمن بإله واحد ويريد أن ينشر السلام لا الحرب التي يريدها قائد جيوشه حور محب. 

ويعتبر الكاتب أن حدث اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون مثلت لحظة كبرى في التاريخ العالمي، خاصة أن الأوروبيين تعرفوا على أشياء كثيرة عن الحضارة المصرية، وكذلك المصريين عن أنفسهم، فقد رأوا أنفسهم شعبـًا له تاريخ ممتد، وليسوا مجرد أرقام أو أعداد من البشر تموت في حفر قناة السويس، أشخاص ليس لهم قيمة (20). هذه الرؤية للكاتب تبلورت داخل الرواية في حديث مصطفى كامل عندما قال لعائشة:

كنت أريد أن يشعر المصريون بوجودهم، وألا يموتوا بهذه الكثافة، لقد ماتوا وهم يحفرون القناة، وماتوا في حرب عرابي، وماتوا في الفيضانات والأوبئة والكوارث، ولا أحد يهتم بموتهم، لأنهم يتحولون من شخصيات إلى أرقام، لا مصائر للأرقام، ولا دية لها، ولا حتى وقفة عابرة للتأمل أو الرثاء .. يجب أن يعرف الجميع أننا لسنا أعشابًا برية تنمو على ضفة النيل، أريدهم فقط أن يعرفوا أننا بشر.. لنا ذواتنا المستقلة، وشخصياتنا المتفردة .. ولسنا مجرد أرقام.

صوت مصطفى كامل يتماهى مع صوت محمد المنسي قنديل الذي كان يشعر باليأس في 2009 بعد تكلس الحياة السياسية في مصر، وتحول ملايين المصريين لمجرد أرقام تغرق في البحر وتُحرق في القطارات كما ذُكر سابقـًا.. ربما أراد الكاتب هنا أن يعلن من خلال روايته خروجه على النظام الحاكم وسياساته. 

أحد الملامح الواضحة في الرواية هي الصوت الذاتي لشخصية كارتر، فهو الصوت الوحيد الذي استطاع أن يسرد حكايته من وجهة نظره، ولعل هذا منح كارتر مساحة نوعية مختلفة عن بقية شخصيات الرواية، إذ يمكن رؤيته البطل الحقيقي للرواية، وليس عائشة، فقد أفرد الكاتب أكثر من فصل لنتعرف على هوارد أثناء حياته في إنجلترا وكيف بدأت رحلته من لندن إلى مصر.  لقد منح الكاتب هوارد أكثر من حياة عندما وهبه صوته الشخصي، في حين كانت بقية الشخصيات الأخرى أضعف في تكوينها. فرغم أن القارئ يعيش تفاصيل الحياة اليومية لعائشة، إلا أنه لم يقترب من نفسيتها ومشاعرها ومخاوفها ورغباتها بشكل حقيقي إلا في فصل اغتصابها من عمها، فقد كانت عائشة طول الرواية مسطحة 2D. 

على مستوى آخر، نجد في بداية الرواية أن الكاتب ربما وقع في خطأ تاريخي، فذكر أن مصر سلطنة، وأحداث الرواية وإن كانت تسير بتسلسل تاريخي طبيعي من الأقدم للأحدث، فالسلطنة المصرية تأسست في (1914) حتى (1922)، وتلك هي الفترة التي كانت فيها عائشة شابة ناضجة، في حين أن ذكر كلمة سلطنة جاء في أول مشاهد الرواية عندما كانت عائشة في مرحلة البلوغ، فيقول قنديل في روايته:

كانت معظم العملات يغطيها الصدأ والأوساخ، لا يعرف أحد إن كانت قد ضربت في عهد سلطان هذه الأيام أو في عهد محمد علي الكبير.

الذئاب آلهة تحمي 

ظهرت الذئاب ضمن البناء الدرامي بطول الرواية، فقد رافقت هذه الحيوانات الليلية عائشة في رحلتها، ونشأت علاقة، بين البطلة والذئاب وبنات آوى، كان مركزها الخوف. ويبدو أن الذئاب في الرواية لم تكن سوى تجسيد للإله أنوبيس الذي كان يحمي عائشة من الخطر، فهي أميرة فرعونية كما كان يصفها هوارد في كثير من المواقف. 

إن الذئاب في الحضارة المصرية، معروف عنها قوة حاستي الشم والسمع، فخافها المصريون بسبب نهشها للقبور وأكل الجيفة، مما جعل المصريين القدماء يرفعونها لمكانة الإله، أنوبيس، إله التحنيط وحراسة المقابر، فـ «وفقًا للمعتقدات المصرية القديمة كان هلاك الجسم يحول دون إتمام عملية البعث، ومن ثم فقد بجل أنوبيس كإله للتحنيط لاتقاء الأذى الذي قد يلحقه بطبيعته بالجسد». (21)

إذًا، فالذئاب في العقيدة المصرية القديمة هي حامية القبور التي تحمل في داخلها تاريخ مصر، حتى إن كان تاريخـًا ملكيـًّا في أحيان كثيرة. ورغم أن الذئاب معروف عنها نبش القبور وأكل الجيفة، فإنها في الرواية لم تفعل ذلك، وعندما كانت هجومية تأكل البشر، فقد هاجمت البشر الذين يمثلون قوى الشر، مثل عمران الذي اغتصب عائشة، ويظهر ذلك في مشهد مقتله الذي يقول:

واضح أن الذئاب قد تناوبت عليه، وكانت قوية بما يكفي حتى إنها أسقطته من عليائه وسلبته جبروته، نظرت حولها، رأت الأرض مليئة بآثار المخالب والحوافر.

لقد كتبت الذئاب تاريخ مصر عندما حمت مقابرها من اللصوص والمهربين، وكذلك كتبت تاريخ حياة عائشة عندما حمتها في كل مرة كانت تظن أنهم سيأكلونها، وحتى في مشهد النهاية الذي واجهت فيه عائشة الذئاب، لا نعلم بشكل مؤكد هل أكلها الذئاب أم حافظوا عليها كما فعلوا مع توت عنخ أمون الذي كان رضيعـًا وسط الذئاب وأخذه إخناتون ورباه وسط بناته. 

رواية ممتعة تعيد إحياء التراث المصري

إجمالًا، فالرواية ممتعة على مستوى القراءة، ولغة الكاتب وقدرته على السرد والوصف فيها قدر عالٍ من السلاسة والإمتاع. فخلال حوالي 500 صفحة، لم أشعر بأي ملل، فكثير من الروايات التاريخية التي تعرضتُ إليها أصابتني بهذا الملل، وشعرت بالتوهان بين سرد الأحداث التاريخية والوصف، وهذا لم يحدث مع هذه الرواية. 

إن القيمة الأهم في هذه الرواية إحياء الوعي بالتراث المصري بمفرداته القديمة والحديثة، فرحلة المنسي قنديل عبر الأزمنة كانت محاولة جادة لتعريف القارئ المصري بتاريخه وإن كان تعريفـًا موجهـًا وخياليـًّا في كثير من أبعاده. 

كما ظهرت خلال الرواية مسألة التركيز على التاريخ السفلي، أو التاريخ الشعبي، وليس تاريخ السلطة، فقد اقترب الكاتب من شخصيات عادية جدًّا وأعطى صوتـًا للمهمشين، وعندما حاول أن يُعرفنا على شخصيات تاريخية كبرى نزع عنها رداء الشهرة وجعلها عادية دون أقنعة. فقنديل يؤمن بأن «التاريخ شيء غير مقدس، لا يجب أن نتمسك به ونعيد روايته في الصفحات الصفراء، لأن هناك الكثير من الأشياء التي أثرت عليه وأفقدته مصداقيته، لذلك يجب تحكيم العقل والمنطق، وقراءة ما بين السطور، فهناك نوعان من التاريخ .. التاريخ الكبير الذي يهتم بحركة الملوك والسلاطين والقادة والمنتصرين، والتاريخ الصغير الذي اهتم بتاريخ الناس، الفلاحين والزراع والبنائين، الذين بنوا مصر وأبقوها على قيد الحياة .. أنا لي قراءتي الخاصة للتاريخ، ولا أقرأ التاريخ الرسمي، لا أصدقه، لكننى أنبش بين سطوره وأحداثه، من أجل الوصول للتاريخ الخاص، الذي يمكن أن يكون حقيقيـًّا».

لقد نجح  الكاتب -في ظني- أن يعيد كتابة التاريخ من خلال الأدب، فغزل خيوط حكايته بين الحقيقة والأسطورة، الوقائع التاريخية والحوارات الخيالية، بشكل يثير لدى القارئ الرغبة في نبش قبور التاريخ المنسي وتفاصيله التي تتعمد كتب التاريخ الرسمية إهمالها. 

المراجع
  1. لقاء في برنامج بيت القصيد، قناة الميادين على يوتيوب 2016
  2. لقاء في برنامج ليالي، قناة النيل الثقافية علي يوتيوب 2015
  3. عن الكاتب، موقع جود ريدز
  4. Biblical literature, Encyclopædia Britannica, inc, October 02, 2018, Emilie T. Sander, Robert L. Faherty and Others
  5. New Historicism, Cultural Studies (1980s-present), Purdue Online Writing Lab
    COLLEGE OF LIBERAL ARTS, Purdue University
  6. New Historicism. In obo in Literary and Critical Theory, Neema Parvini
    LAST MODIFIED: 26 JULY 2017
  7. New Historicism, Michael Delahoyde, Washington State University
  8. مقال تأريخ «التأريخانية الجديدة» وإشكالية العلاقة مع اليسار الجديد، د. معن الطائي، صحيفة المثقف، 06/12/2009
  9. حسين محمد القرني، نقد منهج التاريخانية الجديدة ومدى فعاليته في دراسة أخبار الشخصيات الأدبية،  (125-154)، مجلة الجمعية العلمية السعودية للأدب العربي، العدد الأول، مارس 2019.
  10. Gallagher, C., & Greenblatt, S. (2000). Practicing new historicism. Chicago: University of Chicago Press.
  11. القرني، 2019، نفس المرجع.
  12. لقاء تليفزيوني منشور عبر يوتيوب، على قناة سي بي سي اكسترا، برنامج لازم نفهم بتاريخ 30 أبريل/ نيسان 2016، من الدقيقة 56:20 إلى 56:30،
  13. برنامج بيت القصيد، مرجع سابق من الدقيقة  41:14 إلى 41:55
  14. لقاء في برنامج ليالي، قناة النيل الثقافية عبر يوتيوب 2015، من الدقيقة 11:00 إلى 11:37
  15. برنامج بيت القصيد، مرجع سابق من الدقيقة 26:20 إلى 26:40.
  16. برنامج بيت القصيد، مرجع سابق، من الدقيقة 36:35 إلى 36:46
  17. دونالد ريدفورد، إخناتون ذلك الفرعون المارق، ترجمة بيومي قنديل، دار الوفاء للنشر، 2000.
  18. برنامج بيت القصيد، مرجع سابق، من الدقيقة 20:14
  19. دونالد ريدفورد، مرجع سابق.
  20. برنامج بيت القصيد، مرجع سابق، من الدقيقة 25:30 إلى 26:18.