لا يُعرف اسمه الأصلي حتى الآن. كل ما يُعرف عنه أنه كان بوذيًا من الماغ، ورفض الظلم الممنهَج الذي يُمارَس على أقلية الروهينجيا في ميانمار، فاعتنق الإسلام، والتقت رغبته مع رغبات مجموعة من الشباب الروهنجيين المغتربين الذين تعرضت أسرهم للاضطهاد والاغتيال، وأسّسوا في منتصف 2016م حركة مسلّحة شنّت عدة عمليات ناجحة في مدينة مونغدو البورمية ضد الجيش والشرطة وحرس الحدود.

أطلق هذا الشاب المؤسّس على نفسه اسم «يقين»، وتسمّت الحركة باسمه، وأعلنت عن نفسها في 9 أكتوبر تشرين أول 2016م، ليدشّن أول عمليات مقاومة مسلّحة من داخل الأقلية الروهنجية المسلمة، ضد القمع الوحشي الذي تمارسه عليها قوات الجيش والشرطة وحرس الحدود في ميانمار.

في هذا التقرير، نستعرض خلاصة ملف بعنوان «أزمة الأقلية المسلمة في ميانمار بين النضال السلمي والعمل المسلّح: حركة يقين المسلّحة نموذجًا»، أصدره مركز دراسات الأقليات بالسودان، أوائل ديسمبر كانون أول 2016م.


تاريخ ما قبل الاضطهاد

لم تحظَ منطقة بورما طوال تاريخها بالسيادة السياسية إلا نادرًا. فأقدم ما يُعرف من تاريخها أن أجزاءً منها كانت تابعة لإمبراطورية الصين، والأجزاء الأخرى كانت تؤدّي الخراج للإمبراطور الصيني، ثم صارت تبعيتها مع الوقت مع ممالك الهند، وظلّت واحدة من ولايات الهند المتحدة حتى أبريل نيسان 1937م، فانفصلت عنها وفق اقتراع داخلي لتصير مستعمرة بريطانية منفصلة.

طوال ذلك الزمان الماضي، كان المسلمون يهيمنون على النشاط التجاري، ويمتلكون الكثير من الأراضي الزراعية والبساتين والمباني والعقارات، وخصوصا في العاصمة والمناطق الساحلية المهمة.

في عام 1940م، تشكّلت ميليشيا «الرفاق الثلاثون» التي تلقّت تدريبها العسكري في اليابان، لمقاومة الاحتلال البريطاني، وتمركزت هذه الميليشيا في بورما مع الغزو الياباني لبورما في 1941م، مما جعل المنطقة خط مواجهة بين بريطانيا واليابان أثناء الحرب العالمية الثانية. شارك مسلمو الروهينجيا في المقاومة ضد المحتل تحت لواء «منظمة برمن مسلم كنجرس» طوال تلك الفترات.

ومع انتهاء الحرب، أعادت بريطانيا ضمّ بورما إلى الهند كمستعمرة تابعة، قبل أن تتمكن من الحصول على استقلالها في 4 يناير/كانون الثاني 1948م، شريطة أن يكون نظامها ديمقراطيًا جمهوريًا، مع منح الأقليات المتنوعة داخل البلاد حكمها الذاتي إذا ما طلبوا ذلك. هيمن المسلمون خلال تلك المرحلة على مناصب وزارية مثل الداخلية والخارجية والصحّة والتعليم، وعلى مقاعد التدريس في المدارس والجامعات، وعلى وظائف البنوك والمحاكم، وسائر المجالات العلمية التي لا تستغني عنها الدولة.

وبطبيعة الحال، جرت مماطلة الأقليات في الحصول على استحقاقاتها طوال الفترة من 1948 إلى 1960م، إذ أنه بحلول هذا التاريخ انتفضت الأقليات ضد مماطلة الحكومة، مما اضطر النظام إلى تسليم مقاليد السلطة للجيش، لتبدأ مرحلة دموية حافلة بالاغتيالات والإعدامات والسجن والنفي.

استقرّت الأوضاع بالقضاء على المتظاهرين تماما بحلول 1962م، فأعيدت السلطة للحاكم الذي سلّمها للجيش قبل عامين، ولم يكد الأمر يتمّ حتى انقلب القائد العسكري البوذي «نيوين» على النظام الديمقراطي الجمهوري، وأعلن نظامًا عسكريًا قمعيًا استهدف من خلاله بعض الأقليات الدينية، وعلى رأسها الأقلية المسلمة، فقام بإغلاق أبواب الجامعات الحكومية أمام أبناء المسلمين بوضع شروط تخالف العقيدة الإسلامية، وفصل آلاف المسلمين من الوظائف الحكومية، وأغلق أبواب البلاد عليهم دخولًا وخروجًا.. لتبدأ مرحلة جديدة من القضاء الصريح والممنهَج على تواجد الأقلية المسلمة داخل بورما.


قصة مأساة عمرها 70 عامًا

تؤرّخ مأساة الروهينجيا «شعب أرَكان» منذ العام 1942م. ويرجع هذا التاريخ إلى تورّط منطقة بورما في الحرب العالمية الثانية، وانقسام أهلها إلى موالٍ لليابانيين وموالٍ للبريطانيين، ومعارضٍ لكلا الفريقين.

غير أن العمود الفقري للمأساة تشكّل مع الانقلاب العسكري بقيادة القائد «نيوين»، ذي الديانة البوذية، في 1962م. كان المسلمون طوال 14 عاما – منذ الاستقلال وحتى ذلك التاريخ – يعيشون بسلام وأمان واستقرار، دون تمييز عرقي أو عصبية دينية، ويحظون بامتيازاتٍ كثيرة على مستويات متعددة، خاصة وأن الدستور البورمي كان يضمن حرية المعتقد وحق القوميات العرقية في ممارسة دياناتها في حرية.

بمجرد إعلان الحكم العسكري، جرى استهداف كافة العقائد الدينية باستثناء البوذية، وكان للأقلية المسلمة نصيبٌ وافرٌ من هذا الاستهداف؛ فتمَّ حظر المنظمات الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية للروهينجيا، وتم تقليص تمثيلهم السياسي في البرلمان إلى عضو واحد فقط (من بين 368 عضوا للبرلمان) يمثل 5 مليون مسلم.

في العام التالي، قام مجلس الثورة العسكري بتأميم جميع البنوك والمشاريع الخاصة في البلاد، وكانت أغلبها في أيدي المسلمين. وبدأت وسائل الإعلام المملوكة للدولة في مهاجمة الروهينجيا ووصفهم بالغرباء، مع تأليب البوذيين عليهم. وتم إعلان منع المسلمين من السفر لأداء فريضة الحج منذ عام 1968م.

بحلول عام 1974م، لجأ النظام العسكري في بورما إلى التستّر خلف واجهة مدنية، فأعلن إدخال النظام الاشتراكيّ الشيوعي في بورما، وتم الإعلان رسميا عن فصل المسلمين من الوظائف الحكومية بتهمة أنهم دخلاء أجانب في البلاد، جاءوا مع الاحتلال البريطاني!

بمرور الوقت، تشكّلت منظمات وحركات انفصالية سياسية من الأقليات الدينية والعرقية المختلفة داخل بورما، وعادت منظمات ذات خلفية مسلحة كانت تعمل ضد الاحتلال البريطاني للنهوض من جديد ضد النظام العسكري الشيوعي الحاكم، الذي أدرك تشكّل ملامح ثورة قادمة قد تستبدله بإعادة النظام الديمقراطي الجمهوري، فاتّخذ إجراءات قمعية بالسجن والإخفاء القسري والانتهاك والاغتيال، وقام بوضع قيود وحشية على الشركات والمصانع والتجارة، وتجميد كافة البنوك لضرب اقتصاد الشعب كله، وإلغاء العملات النقدية أكثر من مرة، مع تعويض أنصارهم وتضخيم خسائر المعارضين.

ظلّت الأمور على هذه الحال حتى حدثت انتفاضة أخرى جديدة في 1988م، خرج فيها الآلاف من البوذيين والمسلمين ضد الحكومة، وسقطت أعداد كبيرة من القتلى من الجانبين، فتصدّى الجيش للانتفاضة وقمعها بأساليب دموية استمرت عدّة أيام، سقط خلالها أكثر من 3 آلاف قتيل من المتظاهرين. وفيما بعد كان البوذيين هم الأقل تضررًا من الإجراءات القمعية التي أنزلها النظام العسكري بالمدنيين البورميين.

وتكررت هذه الانتفاضة ضد الحكم العسكري في العام 2007م، شارك فيها مئات الآلاف من 25 مدينة داخل بورما، وانضم إليها الدلاي لاما، للمطالبة بالديمقراطية.

غير أن موجة اضطهاد وقمع جديدة اندلعت ضد شعب أركان «الروهينجيا» منذ 2012م، وحتى اليوم، جرت فيها اغتيالات وتهجير وإعدامات ميدانية بطرق مختلفة وقاسية. وقعت هذه الموجة على أيدي قوات الجيش والشرطة وحرس الحدود بصورة رئيسية ومنظّمة، وانضم إليهم – بصورة لا تزال عصيّة على التفسير- الرهبان البوذيّون. ولم يتطرّق الملف لتقديم تفسير واقعي لهذه الجزئية الأخيرة.


حركة «يقين»: المقاومة الروهينجية المسلّحة

في 9 أكتوبر «تشرين أول» 2016م، تم الإعلان عن حركة يقين المسلّحة، من خلال مقاطع فيديو ظهر فيها القائد الميداني للحركة المكنىّ بـ«أبي عمار الجنوني»، ومعه نائبه «الحيدر». أوضحت الحركة أن مبادئها تتلخّص في عدم استهداف المدنيين والسكان المحليين، بما في ذلك البوذيين الماغ، وأنّها مستعدّة للانسحاب وحلّ نفسها متى ما أعطت الحكومة الأمان للشعب الروهينجي وحصل على حقوقه.

وحتى كتابة التقرير، شنّت حركة «يقين» 3 عمليات كبرى؛ الأولى – في أكتوبر تشرين أول 2016م – استهدفت 3 مراكز شرطة، وسقط على إثرها 50 شرطيًا (ردّ الجيش والشرطة باعتقال 450 مدنيا وحرق 500 منزل و4 قرى). العملية الثانية – في نوفمبر تشرين ثانٍ 2016م- هجوم على ناقلة جنود أسفر عن تصفية 27 جنديًا، وتدمير 3 ناقلات أخرى. (ردّ الجيش بقصف المجموعات المهاجمة عشوائيًا، وتهجير سكان المنطقة بذريعة مساندتهم للمقاومة). العملية الثالثة – ديسمبر كانون أول 2016م- وصفت بالمعركة الشرية، سقط فيها من الجيش عدد غير معروف، و15 قتيلًا و50 مصابا من الحركة.

ينفي الملف عن حركة يقين أي صلة لها مع أي مدارس أيديولوجية أو منظمات جهادية، خاصة وأن أركان تعتبر سجنا كبيرًا معزولًا، لا تعرف شيئا عن العالم، ولا يعرف العالم كثير شيء عما يجري بداخلها. كما أنه لا توجد أي دلائل على تلقي الحركة أي دعم خارجي، ويلفت الملف إلى نقطة مثيرة حول السلاح الذي حصلت عليه الحركة في انطلاقتها، والذي حصلت عليه من صفقة بين الحركة والجيش البورمي نفسه. الأمر الذي قد تظهر تبعاته لاحقا.

حتى الآن، تتمركز حركة «يقين» المسلحة في شمال مدينة مونغدو حيث الأغلبية المسلمة، وليس لها نشاط في باقي مدن المنطقة. وقد أبرزت الحركة مطالبها في أحد بيانات أميرها، والتي تتلخّص في:

– استعادة حقوق الروهنجيا العرقية دون قيد أو شرط.

– الإفراج الفوري عن شعب الروهنجيا من مخيمات النازحين داخليًا، وتتكفل الحكومة بإعادة المنازل التي أحرقتها.

– إعادة جميع الممتلكات المنقولة وغير المنقولة والأراضي التي صودرت من الروهنجيا بصورة غير قانونية.

– إلغاء قانون الجنسية الجائر الذي انتزع مواطَنة الروهنجيا في عام 1982م.

– تعويض المحتجزين الروهنجيا المشردين داخليا، مع اعتذار رسمي من الحكومة بشأنهم.

– الوقف الفوري لجميع الحمَلات العسكرية ضد جميع المجموعات العرقية الأخرى في ميانمار.

– منع جميع أشكال الاضطهاد الديني، ومعاقبة المتطرفين من الرهبان وأتباعهم.

– إجراء تحقيق دولي، والحيلولة دون الإبادة الجماعية للروهنجيا، وضمان حقوقهم وتوفير الحماية لهم.

أخيرًا، ونظرًا لتقصير المؤسسات والمنظمات الدولية والحقوقية في التدخل والاستجابة لاستغاثات الروهينجيا، فقد حظيت حركة يقين وعملياتها الثلاث بردود فعل إيجابية جدًا من الروهينجيين حول العالم، وصلت إلى إبداء الرضا عن الحركة ومطالبها، مع ارتفاع الأمل من جديد في أن تلقى قضيتهم المشروعة اهتماما لائقا.