ولد «سيرجي باراجانوف» في التاسع من يناير/كانون الأول عام 1924 بمدينة «تبليسي» عاصمة جورجيا لأبوين أرمينيين، وسافر في شبابه إلى موسكو لدراسة السينما في معهد «جيراسيموف» أحد أعرق المعاهد السينمائية في العالم، وتتلمذ هناك على أيدي المخرجين الكبيرين «ألكسندر دوفجنكو»، و«إيجور شافشنكو» رائدي الواقعية الاشتراكية السوفيتية.

والمفارقة أنه لم يكن من المتحمسين للواقعية الاشتراكية في الفنون. بالإضافة إلى دراسته، فقد اكتسب ثقافة جامعة بين كلاسيكيات الأدب السوفيتي والموروث الشعبي للجمهوريات السوفيتية وبعض الدول خارج أوروبا، وقد كان لهذه الثقافة أبلغ الأثر على أفلامه.


بداياته السينمائية

سيرجي باراجانوف، أندريه تاركوفسكي
«سيرجي باراجانوف» مع المخرج الروسي «أندريه تاركوفسكي»

احترف باراجانوف الإخراج بدءا من عام 1954، وأخرج بضعة أفلام روائية ووثائقية بأسلوب الواقعية الاشتراكية، ولكنه تبرأ من هذه الأعمال بعد مشاهدته لفيلم «طفولة إيفان 1962» للمخرج الروسي الشهير «أندريه تاركوفسكي»، ونشأت من جراء ذلك صداقة قوية بينهما.

أبدى باراجانوف اهتماما بالغا بالمخرج والمنظر السينمائي الإيطالي «بيير باولو بازوليني» صاحب نظرية «سينما الشعر»، واعتبر بازوليني إلها للجماليات. طور باراجانوف أسلوبه الخاص بدءا من فيلم «ظلال الأجداد المنسيين 1965» عن إحدى كلاسيكيات الأدب الأوكراني.


المبدع في مواجهة السلطة

لون الرمان، سيرجي باراجانوف
من فيلم «لون الرمان»

بدأت أزمة باراجانوف مع السلطات السوفيتية عند إصداره فيلم «سايات نوفا 1969»، أو «لون الرمان»، وهو سيرة ذاتية لشاعر أرميني من العصور الوسطي، حيث تدخلت الرقابة واقتطعت عدة مشاهد منه، ثم انتهت إلى منعه بصورة نهائية، وتم توجيه العديد من التهم إلى باراجانوف ومنها: السريالية ومعاداة النظام السوفيتي والمثلية الجنسية، وحكم عليه بالسجن.

ونتيجة لذلك تشكلت لجنة من الفنانين وصناع السينما للدفاع عنه وكان من أعضائها «جان لوك جودار»، و«لويس بونويل»، و«فرانسوا تروفو»، و«فيدريكو فيلليني»، و«مايكل أنجلو أنطونيوني» وغيرهم، حتى تم الإفراج عنه بوساطة من الشاعر الفرنسي «لويس آراجون» لدى الرئيس السوفيتي «ليونيد بريجينيف»، بعد أن قضى أربعة أعوام في السجون السوفيتية، وبالرغم من الإفراج عنه فإنه ظل ممنوعا من الإخراج حتى عاد بفيلم «أسطورة الحصن السورامي» في عام 1983.


الشعرية في سينما باراجانوف

من فيلم «عاشق قريب»

تنتمي أفلام باراجانوف إلى سينما الشعر، وهي اتجاه سينمائي تكون السلطة فيه للصورة على حساب السيناريو والحوار، وكذلك عدم التقيد بالسرد النمطي للأحداث، وتلاشي الفواصل الزمنية وعدم وجود بناء للشخصيات. من العسير استخلاص مضمون واضح من أفلام باراجانوف. يمكن أن نصف أفلامه بأنها لوحات صوفية يتحد فيها الفلكلور بالموسيقي بالطبيعة، مع عرض للتعددية الثقافية والعادات الاجتماعية والطقوس الدينية، بالإضافة إلى الاستعانة بالخلفيات التاريخية.

وكثيرا ما اتهمت أفلام باراجانوف بتغذية التوجهات القومية في الجمهوريات السوفيتية. بالإضافة إلى ما سبق فإن أفلامه تحوي بعدا ذاتيا مهموما بآلام الفنان ورؤيته للعالم، وقد تجلى هذا بالخصوص في فيلمي: «لون الرمان 1969»، و«عاشق قريب 1988» الذي أهداه إلى روح أندريه تاركوفسكي.

ونتيجة لظروفه السيئة بسبب الملاحقات القضائية والتعنت الرقابي، فقد صور باراجانوف أفلامه بتكلفة شبه منعدمة، وبدون مؤثرات بصرية أو تقنية، وكان دائم الاستعانة بممثلين هواة باستثناء الممثلة الجورجية «سوفيكو شياوريلي» التي شاركته في ثلاثة من أفلامه.

وقد كانت لباراجانوف رؤية جمالية فريدة من نوعها تقترب من حالة الهوس، فقد رأى باراجانوف الجمال في كل شيء محيط به مهما بدا قبيحا أو معتادا في نظر الناس، وقد بلغ به الأمر أنه استعان بمخلفات السجن في صناعة المشغولات الفنية، وكذلك قام بتصميم جميع الأزياء والنقوش المستخدمة في أفلامه.


عالم السينما ينعى باراجانوف

فيلم عاشق قريب، سيرجي باراجانوف
فيلم عاشق قريب، سيرجي باراجانوف
مارشيلو ماشتروياني، سيرجي باراجانوف
الممثل الإيطالي «مارشيلو ماشتروياني» (يمين) – «سيرجي باراجانوف»

توفي باراجانوف في الحادي والعشرين من يوليو/تموز عام 1990 بمدينة «يريفان» عاصمة أرمينيا، أثناء تحضيره لمشروع فيلم بعنوان «الاعتراف»، وهو الفيلم الذي أكمله صديق عمره ومصور أفلامه «ميخائيل فارتانوف». ولقد نعاه عدد من كبار المخرجين وصانعي السينما في العالم.

حاز باراجانوف في حياته على العديد من التكريمات والجوائز في مختلف المهرجانات الدولية، وصنفه مهرجان روتردام من ضمن أعظم عشرين مخرجا في العالم، وكذلك امتدحه عظماء السينما، ومن بينهم «جان لوك جودار» الذي قال عنه؛ «في معبد السينما هناك صور وضوء وواقع، وباراجانوف هو سيد هذا المعبد».

ولقد كان لباراجانوف تأثير علي عدد من المخرجين المعاصرين له مثل المخرج الجورجي «جورجي شينيجالايا»، والمخرج الأوزبكي «علي خاماراييف»، وامتد تأثيره إلى مخرجي الشرق الأوسط ومنهم الإيراني «محسن مخملباف»، والسوري «محمد ملص».