«الأيدي الناعمة»، الموسيقى المميزة بدءًا من تترات البداية، مواقف أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار خفيفة الظل والتي تثير الابتسامات والضحك في بعض الأحيان، مزيج متقن من كوميديا الموقف والكوميديا الجسدية، ظهور لطيف للذرة والبسبوسة، تسالي الشارع المصرية الأثيرة، حكايات حب بطلاتها النسائية صباح، ومريم فخر الدين، وليلى طاهر، ونهاية سعيدة لنزول «البرنس» إلى أرض الواقع وإيمانه بالعمل والحب والمساواة بين الناس.

كل هذه العلامات المميزة تذكرنا بالفيلم الذي نشاهده كل عام تقريبًا في ذكرى عيد العمال وفي ذكرى احتفال دولة يوليو بذكرى إنهاء الضباط الأحرار للحقبة الملكية في مصر.

ولكننا اليوم، وبعد كل هذه السنين، وكل هذه المشاهدات، نحاول أن نحلل بشكل أكثر تفصيلاً الأفكار التي تسربت للمشاهدين عبر أجيال من وراء هذا الفيلم الكلاسيكي الذي أخرجه محمود ذو الفقار في منتصف السيتينات، والمأخوذ عن قصة الأديب المصري توفيق الحكيم، والذي يمكننا أن نرى فيه صورة مكتملة للطريقة التي ترى بها دولة ضباط يوليو ما قبلها، وما بعدها، ومصر بشكل عام.


أمير كاريكاتوري

يؤدي أحمد مظهر، وهو ضابط سابق بالجيش المصري وزميل مقرب من جمال عبد الناصر، في هذا الفيلم دور أمير من الأسرة المالكة، يتعرض لضائقه مالية عقب تأميم ومصادرة أملاكه، وإن كنا لا نرى هذا طوال أحداث الفيلم، لكنه على الرغم من هذا يرفض أن يعمل حتى لكسب قوت يومه، بل يتمادى في معاملته المتعالية والقاسية لجميع من حوله.

يصف أحمد مظهر هذا الأداء في إحدى مقابلاته التليفزيونية بأنه كان تعبيرًا عن العجرفة الفارغة، وحينما سألته المذيعة المصرية «نهال كمال»، عن إذا ما كان استقى هذه الطريقة في أداء الدور من تعامله مع أحد الأمراء الحقيقيين، نفى أن يكون هذا الأداء قريبًا بأي شكل من أي من الأمراء الذين التقى بهم طوال حياته، بل أنه استقاه من طريقة الممثل الموهوب استيفان روستي في أداء بعض أدواره.

الغريب أن هذا الأداء الكاريكاتوري بكل خواصه قد أصبح علامة راسخة في ذهن المصريين عن أمراء الأسرة المالكة في عهد ما قبل يوليو، في حين أن الواقع يخبرنا بأن أمراء وأميرات هذه الأسرة قد تأقلموا مع الأوضاع سريعًا وعملوا وعاشوا حياة طبيعية في مصر، أو في الخارج حيث هاجر الكثير منهم وبقي هناك.


دكتوراه في «حتى»

يؤدي صلاح ذو الفقار دورًا مساعدًا لمثقف جامعي مصري حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية، وتحديدًا في حرف جر وحيد هو «حتى». ربما تكون هذه الشخصية الكاريكاتورية الأصلية، هي التي بُنيت عليها كل الشخصيات النمطية المماثلة للمثقفين في السينما المصرية.

هذا رجل حاصل على الدكتوراه؛ بمعنى أنه قد وصل لأقصى ما يمكن الوصول إليه من تعليم في مجاله، وعلى الرغم من هذا فإنه غير قادر على كسب لقمته، ولا على شراء زوج من الجوارب الجديدة لستر أقدامه.

يقدم الدكتور نفسه للبرنس وللجمهور في أول مشاهده بأنه يرفض العمل في أي مجال أو أي وظيفة بعيدة عن اختصاص «حتى»، على الرغم من هذا فإنه يتخلى عن هذا العناد بمجرد مقابلته لابنة البرنس ووقوعه في حبها. ليبدأ بعدها في العمل في أي حرفة يكسب من خلالها مالاً يكفيه ويكفيها.

يقدم لنا الفيلم إذن صورة مفادها أن التعليم لا ينفع في وطن ضائع، وأنه لا معنى لدراساتك العليا، ولا مستواك التعليمي، طالما أنه مرتبط بعلم نظري، وأن العمل الحقيقي الوحيد هو العمل اليدوي.

يمكننا ببساطة الشعور بالألفة مع هذه الصورة النمطية ضيقة الأفق عن التعليم والمتعلمين، والتي تغفل أن إنجازًا بسيطًا في اللغة أو الأدب قد يغير تاريخ أمة، كما أن إنجازًا فرديًا يحدث طفرة في علوم الزراعة أو الطب سيفوق في بعض الأحيان عملاً يدويًا جماعيًا دؤوبًا لعشرات السنين في هذين المجالين. يغفل معتنقو أفكار الأيدى الناعمة أن التعليم هو من يمكنه إنقاذ الأوطان الضائعة في حقيقة الأمر.


الحالة الغريبة لابن بائع البسبوسة

يظهر هذا المشهد وكأنه نقطة التحول الأخيرة في الفصل الأخير من الفيلم، والذي يدفع البطل أخيرًا إلى تقبل قيمة العمل، كما يقنعه بالإيمان بالمساواة في دولة ما بعد يوليو. يجلس الأمير أمام بائع البسبوسة ليأكل بعضًا منها، يظهر فجأة شاب يرتدي بدلة مهندمة، يقبّل يد بائع البسبوسة الذي يعرفه للأمير بصفته ابنه، الذي يعمل في وزارة الخارجية، ثم يفاجئ البائع الأمير بأن ابنه على مشارف الزواج بابنة مدير عام، يختم الابن هذا المشهد الجاد بأنه قد اتفق مع حبيبته أنهما سيبنيان منزلهما «طوبة دهب وطوبة فضة»، حيث اللبنة الذهبية رمز للكفاح المشترك، واللبنة الفضية رمز للحب.

يبدو هذا المشهد المسرحي الذي يؤدي بطولته شخصية تأتي من خارج حبكة القصة كما لو أنه خطاب مثالي لدولة يوليو يمكن أن يتم استخدامه كفيلم دعائي قصير قد يذاع في الفواصل الإعلانية قبل خطب الرؤساء. العمل والعلم يصنعان كل شيء، الكسل والتراخي والتواكل هو ما يؤخر الشباب عن إدراك أحلامهم، أما الدولة فتوفر الفرص وتساوي بين أبناء المسئولين وأبناء بائعي البسبوسة.

يبدو الأمر كوميديًا تماما الآن قدر ما يبدو مأساويًا حينما نقرأ قصة حقيقية حدثت في يوليو عام 2003 حينما تقدم شاب مصري متفوق من خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتقدير امتياز للعمل بوزارة الخارجية، هذا الشاب هو عبد الحميد شتا ابن مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، لم يشفع لعبد الحميد اجتهاده وتفوقه، ولا إتقانه للإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتم رفض إلحاقه بالخارجية في النهاية حيث رأته لجنة الممتحنين غير لائق اجتماعيًا،طبقًا لما نقلته جريدتا الأهرام والمصري اليوم في هذا التوقيت.

لم يحظَ عبد الحميد شتا ابن الفلاح -الذي قرر الانتحار بإلقاء نفسه من فوق كوبري أكتوبر في أحد نهارات يوليو الحارة- إذن بنفس مقدار المساواة والعدالة اللذين بشرتنا بهما دولة يوليو على لسان سمير ابن بائع البسبوسة في الأيدي الناعمة. وفي حين قدم لنا فيلم الأيدي الناعمة صورة ما زالت تعتنقها دولة يوليو عن أن شعبها إما كسول وإما عاطل بالوراثة، كان هذا الشاب وأسرته مثالاً صارخًا لكذب هذه الصورة، فقد كان مثالاً للاجتهاد كما كان والده مثالاً للعمل، والده الذي عمل لسنين بيدين خشنتين في الزراعة والفلاحة.