مم تتكون «حكومة داعش»؟

يتركز نفوذ تنظيم الدولة في سوريا في المنطقة الشرقية، حيث يُسيطر علي محافظة الرقة وتُعتَبر عاصمته السورية،فضلا عن امتدادات جغرافية في محافظتي دير الزور والحسكة، كما ينتشر في مناطق غرب العراق ذات الكثافة السنّية، وأكبر المدن التي يسيطر عليها هناك هي مدينة الموصل.

وفضلا عن الهياكل الأمنية والسياسية التي يقيمها، فهو يحاول إقامة أجهزة خدمية لإدارة الخدمات في مناطق سيطرته، ساعيا بذلك إلي تأكيد الصورة التي رسمها لنفسه كونه «دولة» حقيقة وليس مجرد ميليشيا، و يُقسِّم التنظيم مناطق نفوذه إلي «ولايات»، يتفرَّع عنها «قواطع»، ولكل من الهياكل المدنية السابقة مسؤولون يسميهم التنظيم أمراء، فهناك أمراء المدن،يشرف عليهم أمراء القواطع الذين يشرف عليهم الولاة وهكذا، ولا يشير مصطلح الولاية بالضرورة إلي أراضي يفرض عليها التنظيم سيطرة كاملة، إذ أحيانا ما تشير إلي مناطق ينشط فيها التنظيم، أو يسعي إلى أن يكون نشطًا فيها «ولاية الحجاز» التي تضم المملكة العربية السعودية كمثال، ليس للتنظيم حضور بارز فيها.

وفي كلٍ هناك دواوين تشرف علي شئون الحياة المختلفة، كديوان الصحة وديوان التعليم وديوان الزكاة وديوان الزراعة وديوان العقارات وهيئة الخدمات كما أقام ديوانا يختص بشئون العشائر، ما يدل علي إدراك التنظيم لأهمية السيطرة علي العنصر المحلي وترويضه لتجنب الثورات الداخلية -كما حدث فيما عرف بـ «انتفاضة الشعيطات»، إضافة إلي ديوان سماه الإدارة الشرعية ويتحكم في المحاكم والشرطة والحِسبة والأوقاف.


«المال عصب الدولة» فمن أين للتنظيم بالمال؟

عملة، داعش، الدولة الإسلامية، عودة الدينار الذهبي
من إصدار بعنوان «عودة الدينار الذهبي»، أعلن فيه «داعش» عن سك عملته الذهبية

يعتمد التنظيم لتمويل نشاطاته المدنية والعسكرية وتقديم الخدمات للسكان على مصادر عدة،فهو يبيع النفط الذي ينتجه بأدوات بدائية في الحقول التي يسيطر عليها،فضلا عن عمليات الإتجار في الآثار المنهوبة، وتحصيل الضرائب من السكان المحليين، كما يفرض الجزية علي غير المسلمين،إضافة إلي عمليات الإتجار بالبشر، وعائدات الزراعة حيث يسيطر علي حقول واسعة في العراق وسوريا.

ويعتمد السكان في مناطق التنظيم علي الزراعة وبيع المحاصيل، التجارة الصغيرة، العمالة المؤقتة، الحوالات المالية، رواتب الموظفين الحكوميين لدي النظام، فضلا عن الرواتب التي يقدمها التنظيم لأعضائه وعماله.


الصحة والتعليم: أشباه وزارات

الصحة

داعش، الدولة الإسلامية، ديوان الصحة، حملة تطعيمات
داعش، الدولة الإسلامية، ديوان الصحة، حملة تطعيمات

سمح التنظيم في البداية للهيئات المحلية بالاستمرار في العمل، فيما كان يتهيأ الفرصة لطرح البديل، فترك إدارة الهيئات الصحية للهيئات القائمة كمديرية الصحة ونقابة الأطباء، قبل أن يؤسس ديوان الصحة ويحصر تعامل الهيئات الطبية معه بشكل مباشر، ويقوم بإغلاق عدد منها في بعض المناطق بحجة علاقتها مع «جهات كافرة»، كما أعلن تأسيس كلية طب في الرقة لسد العجز في الكوادر الطبية، وتشير التقارير إلي وضع طبي كارثي في مناطق التنظيم نظرا لعدم توافر المعدات وهجرة الكفاءات الطبية، وتفتقر كثير من هذه المناطق علي الخدمات الطبية المتقدمة.

التعليم

داعش، الدولة الإسلامية، مدارس، تعليم
داعش، الدولة الإسلامية، مدارس، تعليم

أما عن التعليم فقد أولاه التنظيم اهتماما كبيرا، فأنشأ له ديوانا ، واستبدل المناهج القائمة بمناهج جديدة، وعمل علي إخضاع المعلمين لدورات تدريبية «شرعية» ليكونوا قادرين علي بث أفكاره في نفوس الطلاب، أو استعاض عنهم بمعلمين من أعضائه، كما ألغي دراسة بعض المواد والتخصصات، فمثلا يشير تقرير للكاتب العراقي أحمد الملاح إلى أنه بعد دخول التنظيم لمدينة الموصل، أصدر تعليماته بإلغاء مجموعة من الكليات مثل “الحقوق، العلوم السياسية، الفنون الجميلة، التربية الرياضية، الفلسفة، السياحة والفنادق”، كما يلاحظ عزوف عدد كبير من الطلاب عن الذهاب للمدارس أو الجامعات، إما رفضا لفكر التنظيم وحكمه، أو بسبب رفض الحكومات العراقية والسورية اعتماد الشهادات الدراسية الصادرة في المناطق التي يسيطر عليها.


الشرطة والقضاء: هكذا يحكم التنظيم سكانه

داعش، الدولة الإسلامية، الحسبة، الرقة
داعش، الدولة الإسلامية، الحسبة، الرقة

الشرطة الدينية « الحِسبَة»

يشير مصطلح «الحسبة» إلي الشرطة الدينية، المنوط بها «نشر الفضيلة وتجفيف منابع الرذيلة» كما يراها التنظيم، كهدم التماثيل، التأكد من إغلاق المحال التجارية أوقات الصلاة، والتزام النساء بالزي المحدد، ويجري إحصاء المخالفات التي تثبتها تلك الهيئة، وعقاب المخالفين، كما ترفع الإحصاءات إلي قيادة التنظيم بشكل دوري.

المحاكم

بانهيار أو انسحاب النظام في العديد من المناطق، تداعي النظام القضائي وانتشرت الجريمة، صحيح أن العديد من الفصائل قد شرعت في إنشاء نظام قضائي بديل، سواء الفصائل الإسلامية أو غيرها، إلا أن تلك المحاكم قد نُظر إليها دوما كحل مؤقت، فلم تكن ذات إطار محدد أو هيكلية واضحة، فضلا عن الفساد المستشري فيها،وخضوعها لحسابات شخصية أو توازنات فصائلية ومحلية، وهو ما جعلها أقل قدرة علي ملء الفراغ، أو الفوز بثقة السكان.

ظل داعش بارعا في إنشاء نظامه القضائي الخاص، كان لإنشاء المحاكم أولوية قصوي لديه، فمن شأنها أن تثبت أركان حكمه، وتضبط مناطق سيطرته، وتعزز سردية الدولة التي يسعي إلي تسويقها، نظام داعش القضائي هو نظام منضبط قياسا إلي غيره من الفصائل،أقل فسادا قياسا إلي الفصائل والنظام معا، أنشئ بغرض البقاء، وبالرغم من قسوته الشديدة، فإن الشهادات المتواترة تشير إلي أنه قد اكتسب نوعا من الشعبية –قصيرة المدي علي الأقل- بين العوام الذين سئموا الفوضي والجريمة، وحين تطول الفوضي، فإن الناس يتوقون إلي من يفرض قانونا، ولو كان قانونا وحشيا كقانون داعش.

أنشأ التنظيم كذلك مكتبا «للمظالم»، للفصل في الشكاوي التي يقدمها السكان المحليون ضد أفراد التنظيم أو أمراء المناطق، عوقب بعض أفراد داعش وأمرائهم على انتهاكات فردية ارتكبوها بحق السكان، لا يعني ذلك بالطبع أن التنظيم ينتهج سياسة متسامحه حيال من هم في مناطق سيطرته، فهذا أبعد ما يكون عن الواقع، بل يمكن القول إن التنظيم يسعي إلي أن تكون قسوته «جماعية» محكومة ومسيطرا عليها، وذات هدف سياسي كالردع أو العقاب أو التخويف، كما أن هذه الحوادث تصلح كمادة إعلامية دسمة تعزز خطاب الدولة وأرض العدل التي يدَّعيها التنظيم.


مكتب التجنيد: وزارة حرب داعش

بعكس غيرها من الجماعات الجهادية التقليدية، توسع داعش في افتتاح مكاتب لتجنيد المتطوعين في مراكز المدن، عمل التنظيم علي إدارة نمط من العلاقات المدنية-العسكرية مع السكان شبيه بتلك التي تديرها الدول، يخضع المتدربون لدورات شرعية و تدريبات ميدانية قبل إلحاقهم بميادين القتال، كان ذلك يوفر مخزونا بشريا بديلا للتنظيم يعوضه عن خسائره المتزايدة في المعارك، أو عن الانخفاض الحاد في أعداد المهاجرين الأجانب، كما أن من شأن ازدياد العنصر السوري ضمن صفوف التنظيم أن يعمق من وجوده في المجتمع المحلي، فيصير طرده من تلك المناطق أكثر صعوبة، وعودته إليها حال خروجه أكثر يسرا وسرعة.


المساعدات الإنسانية : حينما يُحاول البغدادي أن يبدو سخيا

وزارة الحرب، داعش، تجنيد، الدولة الإسلامية
وزارة الحرب، داعش، تجنيد، الدولة الإسلامية
داعش، الدولة الإسلامية، مخبز
داعش، الدولة الإسلامية، مخبز

في البداية كان ينظر إلي الأنشطة الخدمية للتنظيم، بوصفها مجرد وسيلة لتوفير الخدمات اللوجستية للأعمال القتالية، قبل أن يتبين لاحقا أن بنية هذا الجهاز الإداري الوليد أكثر تعقيدا من غرض كهذا،يدير التنظيم شبكة من المخابز، ومحطات المياه والكهرباء، فضلا عن المساعدات الإنسانية وتوزيع الغذاء وإصلاح الطرق، كما يسعي إلي السيطرة علي الأسعار عبر التحكم في وسائل الإنتاج أو الضغط علي التجار أو كليها، ويلاحظ وجود فوارق في جودة الخدمات المقدمة من مكان إلي مكان، طبقا لأولويتها بالنسبة للتنظيم، واستقرار الوضع الأمني وطبيعة التحالفات المحلية، فضلا عن قيام التنظيم بتطويع الخدمات في سبيل إخضاع المجتمعات التي يواجه فيها مقاومة محلية، فجودة الخدمات المقدمة في دير الزور مثلا أقل منها في الرقة.

ونشير هنا إلي أن التنظيم لا يقيم هياكل حكومته كلها في كل مناطقه بنفس الدرجة، فذلك فوق طاقته حتما، بل يعتمد الأمر علي مدي سيطرته فيها، أو مدي أهميتها، ففي حين تبدو تلك المظاهر أكثر وضوحا في المدن، والمناطق ذات الأهمية الاستراتجية، أو تلك التي تضم عددا كبيرا من السكان، فإنه قد يكتفي بمكاتب للدعوة في المناطق الريفية محدودة الأهمية قليلة السكان.

ورغم محاولة التنظيم الإيحاء بوجود بضبط مركزي وفعالية في إدارة الخدمات، إلا أن تقارير عدة تشير إلي عكس ذلك، حيث تفتقد أغلب القطاعات للكوادر المؤهلة من جهة، فضلا عن سيطرة الروتين وفقدان الجرأة علي اتخاذ القرار لدي الكثيرين، كما يلجأ للاستعانة بأفراد وجهات بعض النظر عن تبعيتهم لديوان الخدمات لتنفيذ المهام التي يعجز عنها، مثل منظمات إغاثية ودولية، والنظام السوري، والهلال الأحمر وأعضاء المجالس المحلية السابقين.

مع إحراز كل من «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أمريكيا، وقوات النظام السوري المدعومة من روسيا تقدما باتجاه معقل تنظيم الدولة في مدينة الرقة السورية، بدأت تدور الأسئلة حول تبعات انهيار أو انسحاب التنظيم من مناطق سيطرته،وما إذا كان بإمكانية القوات المهاجمة أن تدير الأراضي التي تحررها من قبضته، يتعين علينا إذا أن نفهم الآلية التي يدير بها التنظيم مناطقه،و نركز في هذا التقرير علي الجوانب المدنية والخدمية من الإدارة، بشكل يُمَكِّننا أن نصف بعده التنظيم بأنه أكبر من مجرد ميليشيا، وإن لم يرتق إلي الدرجة التي يمكن وصفه فيها بالدولة.