بعد نجاح معركة تحرير مدينة الموصل مؤخرا والقضاء على سيطرة تنظيم الدولة علي المدينة تساءل الكثيرون عن مصير مقاتلي تنظيم الدولة هناك الذين كانت أعدادهم تقدر بالآلاف.. تساؤل آخر لا يقل أهمية يطرح نفسه الآن، وهو عن مصير سنة العراق اليوم، بعد تعرض أحد أهم مراكز ثقلهم السكاني لكل ذلك العنف والقصف والتدمير الذي جرى أثناء معركة تحرير المدينة.

في سياق التأمل والبحث عن إجابات لهذه التساؤلات الشائكة ثمة معضلة سائدة في المشرق العربي منذ سنوات في تفسير ظاهرة نشوء تنظيم الدولة الإسلامية، في حلها يكمن فهم مصير تنظيم الدولة في الفترة المقبلة، وفهم ممكنات الحل للوضع الطائفي المنهار في العراق منذ عقد ونيف.

هذه المعضلة تكمن في الالتباس الذي أنشأه المظهر السلفي الجهادي الذي يسم طابع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، والعلاقة غير المفهومة للكثيرين لكوادر وقيادات وسطى لحزب البعث المنحل والجيش العراقي بالتنظيم.

وفهم علاقة كل هذا بالسياسات الطائفية المتبعة في العراق بعد الغزو، منذ قانون اجتثاث البعث وحل وتصفية الجيش العراق السابق وتسريح ضباطه، وحاجة العراق منذ تلك اللحظة إلى يومنا هذا إلى عقد اجتماعي جديد لا يهضم حقوق المكون السني في العراق.


الوجه الآخر لحزب البعث

أعطى المظهر السلفي الجهادي الذي يسم طابع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام انطباعا سائدا لدى أكثر الناس أن تنظيم الدولة الإسلامية هو نتاج للتيار الجهادي وتتويج لمسيرته التاريخية.

في المقابل تعود الجذور الحقيقية لنشأة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بعيدا عن السلفية أو الفكر الجهادي، بالأساس إلى سنوات الحملة الإيمانية إبان نهايات حكم البعث في العراق بعد هزيمة نظام صدام في حرب الخليج الثانية على يد قوات التحالف الدولي الذي فرض لاحقا حصارا قاسيا على العراق.

حدثت خلال سنوات الحصار تحولات عميقة ومهمة في المجتمع العراقي وفي صفوف حزب البعث نفسه، قام أثناءها نظام صدام حسين بعد مرارة الهزيمة وقسوة الحصار المفروض على بلاده، و آثاره الاجتماعية الوخيمة كالبطالة وتمزق الحياة العائلية وارتفاع معدلات الجريمة، والعنف الاجتماعي، والرشوة، والانتحار، وانتشار السرقات، والتهريب، والبغاء، وجنوح الأحداث، بمراجعة العديد من مواقفه إزاء الظاهرة الدينية التي ناوأها وحجمها سابقا.

بل أطلق البعث فى المقابل حملة دينية إحيائية عرفت باسم الحملة الإيمانية، قام خلالها بتوجيه القيادة العليا لحزب البعث بتعميم منهج شرعي علمي على جميع الحِلَق الحزبية بدءا من القواعد وصولا إلى أعلى المستويات داخل الحزب، حيث تم في هذا الإطار إنشاء معهد مدته سنتان، يتم فيه تدريس العلوم الشرعية لكوادر الحزب.

يُذكر على سبيل المثال في هذا الإطار أنه خلال تلك الأثناء كان مقررا على الطبقة العليا من مستوى (عضو فرقة) داخل حزب البعث، حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، مع دراسة لعدد من الكتب الفقهية والعقائدية المتنوعة.

بجانب ذلك البرنامج النظري ألزم صدام حسين أعضاء حزب البعث ببرنامج عملي، حيث أمرهم بأداء الفروض الخمس جماعة في المسجد. وأمر كذلك بإنشاء مركز لدراسات السنة النبوية سمي بـ(مركز الإمام البخاري) .

وبالإضافة إلى كل ذلك وبعد أن كانت العراق شهيرة بامتلائها بأماكن، اللهو كالبارات والحانات منذ الستينيات، أصدر صدام حسين قرارا بمنع إنشاء أي من تلك الأماكن في البلاد، وأمر بإغلاق كل الذي مازال يعمل منها.

وقد بدأت بالفعل سمات ومظاهر التدين الشخصي تظهر على شخصية صدام حسين منذ تلك الآونة، إلى أن سقط النظام إبان الغزو، حيث أطلق هو نفسه لحيته بعد ذلك، وظل يحمل المصحف معه في زنزانته بعد القبض عليه وأثناء جلسات محاكمته، وكانت آخر كلماته أثناء عملية إعدامه التي تم تصويرها هي نطقه للشهادتين بثقة مؤمن.


من التصوف إلى السلفية الجهادية

أعد صدام حسين العراق عمليا قبل الغزو لحرب شوارع، واضعا مسبقا تركيبة انتفاضة وتمرد، ومشكلا حسب اللغة الاصطلاحية للجيش الأمريكي (مضاد الدولة – counter state)، وكان من المفترض أن يقود تلك الدولة المضادة صدام حسين نفسه بهيئته الدينية الجديدة التي ظهر فيها معفيا للحيته أثناء القبض عليه.

يلاحظ هنا أن المقاومة العراقية التي كانت نواتها الأساسية من ضباط حزب البعث، قد أخذت منذ البداية طابعا إسلاميا، وكان ذلك جليا وملموسا أمام الجميع، وكان على رأس تلك المجموعات البعث/إسلامية (جيش رجال الطريقة النقشبندية) بقيادة عزت الدوري الأمين العام لحزب البعث والرجل الثاني في نظام صدام حسين.

مع ضعف جاذبية التصوف، وانحساره كنمط للتدين بشكل عام في العالم العربي والإسلامي، وصعود الخطاب السلفي بالمنطقة منذ سنوات عديدة، بدأت المقاومة في العراق شيئا فشيئا تتخذ طابعا سلفيا يمكنها من خلاله الحشد، وتقديم خطاب تعبوي أكثر ملاءمة للانضمام إلى صفوفها، ولذلك اتجه العديد من البعثيين السابقين إلى الانضمام للحركات السلفية.

بل هناك مصادر تذكر أن ذلك الانضمام، كان وللمفارقة بأوامر صدرت من قيادات الجيش الإسلامي بالعراق، كتائب ثورة العشرين وبإيعاز من عزت الدوري شخصيا، جراء ذلك انضم العديد من رجال الطريقة النقشبندية إلى تنظيم الدولة بالنهاية، وخاصةً بعد سيطرة التنظيم على تكريت في يونيو/حزيران 2014.

ولا يخفى هنا أن عزت الدوري قد قام بنفسه في هذا السياق بتوجيه التحية إلى «الدولة الإسلامية»، كما ذكر في بيان له أعلن فيه عن تحرير نصف العراق خلال يوليو/تموز 2014.

جدير بالذكر هنا أن نعلم أن إبراهيم ابن أخي الرئيس الأسبق سبعاوي قد توفي في مدينة بيجي العراقية عام 2015، أثناء قتاله مع تنظيم الدولة الإسلامية بعد إعلانه بنفسه انتماءه للتنظيم عقب سيطرة التنظيم على مدينة تكريت. علما بأنه ليس الوحيد الذي انضم للتنظيم من عائلة صدام حسين، فهناك أيضا أيمن السبعاوي ابن أخي صدام حسين وأخو إبراهيم المذكور آنفا، ورعد حسن ابن عم صدام.

من أبرز البعثيين السابقين أيضا في القيادة العليا التنظيم أبو علي الأنباري، الرجل الثاني في تنظيم الدولة بعد البغدادي، واسم الإنباري الحقيقي هو علاء قَرداش، وهو من مواليد تلعفر.

استخدم قرداش ألقابا عدة، منها أبو جاسم العراقي، وأبو عمر قرداش، وأبو علي الأنباري، كان مدرسا لمادة الفيزياء، وفي الوقت نفسه كان الرجل ناشطا بعثيّا ومسئول فرقة حزبية أيام النظام السابق، ولكن إبان الغزو الأمريكي للعراق التحق الأخير بجماعة أنصار الإسلام، وبعد فترة قصيرة طُرد من التنظيم، بعد إدانته بتهم مالية وإدارية، ثم التحق بعدها تنظيم القاعدة، وبعد ثلاثة أشهر عيّن مندوب تنسيق بين المجموعات، ثم عزل بعد أقل من عام.[1]

جدير هنا بالذكر أيضا أن المجلس العسكري لتنظيم الدولة الإسلامية مكون في هذا الإطار من حوالي 1200 من القيادات الوسطى والعليا من قيادات الجيش العراقي السابق، وهذا وحده فقط مؤشر جلي على أن تركيبة التنظيم الراهنة ليست وليدة السلفية الجهادية فقط كما يقول الباحث الأردني حسن أبو هنية، بل هي عبارة عن الدولة العراقية السابقة بجهازها العسكري وجهازها القانوني وجهازها السياسي البيروقراطي المدني الذي تم تفكيكه، والذي التحق بالنهاية العديد من عناصره بذلك التنظيم، بحسب أبو هنية.[2]

ربما قد تكون هذه الملاحظات غابت عن الكثيرين في العالم العربي، ولكنها بالتأكيد لم تكن غائبة بطبيعة الحال عن الكثير من العراقيين الذين عاشوا في قلب الحدث نفسه، والذين لاحظوا بصمات النظام العراقي السابق واضحة في ممارسات تنظيم الدولة.

ولا يخفى هنا أخيرا أنه لم يكن لتنظيم إسلامي جهادي أن يحقق وحده بالنهاية هذه الإنجازات غير المسبوقة على المستوى العسكري، كالقدرة على السيطرة على أراضٍ واسعة والاحتفاظ بها لسنوات، والقدرة الحكومية الملحوظة في إدارة مناطق واسعة مأهولة بالسكان دون خبرات عملية حقيقة كخبرات أولئك الضباط البعثيين الذين يمتلكون معرفة واسعة في هذا الإطار بحكم أعمالهم السابقة في مؤسسات حكمت العراق فعليا لعقود طويلة.

وقد أتاحت لاحقا النقطة المشتركة التي تجمع معظم القيادة الحقيقية لـ «داعش»، كونهم في غالبيتهم من ضباط جيش «النظام البعثي» السابق، قدرة كبيرة على اختراق العشائر وشراء بعض زعمائها بعد خروجهم من سجن بوكا.

وهناك العديد من العلاقات القوية بالفعل التي تربط اجتماعيا وعمليا بين الكثير من هؤلاء الضباط وبين العشائر، فهم أنفسهم من أبناء شيوخ العشائر في مناطقهم، وهو ما وفر للتنظيم شبكة دعم حيوية مهمة، ساعدته في تجنيد الأفراد داخل صفوفه.

وقد كانت تلك العلاقات مع العشائر من أهم أسباب الانهيار المفاجئ لقوات الأمن العراقية حين استولى تنظيم داعش على مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، خلال شهر مايو/أيار 2015. ولذلك كان يلاحظ أثناء الانتفاضة السنية في بدايتها بالعراق، أنه وبمجرد سقوط أي مدينة ومنطقة في قبضة التنظيم في بداية الانتفاضة ضد الحكومة العراقية، كانت العشائر والمجالس العشائرية تسارع بمبايعة التنظيم.

يبدو في الأفق القريب لا أمل في نهاية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، طالما لم تنته أسباب وجود «الدولة المضادة» في العراق، وعلى رأسها تغييب المكون السني من تمثيله اللائق في العملية السياسية في عراق ما بعد الاحتلال.

عند إدراك هذا والعمل على إيجاد صيغة حل على أساسه، عند تلك اللحظة فقط يمكننا الحديث عن نهاية حقيقية لتنظيم الدولة في العراق، بعيدا عن كل الدعايات السياسية الراهنة للحكومة العراقية عن نهاية التنظيم.

المراجع
  1. هيثم مناع, خلافة داعش, الجزء الأول, إصدارات المعهد الاسكندينافي لحقوق الإنسان,آب- أغسطس ,2014, ص 16
  2. حسن أبو هنية, أسرار تمدد وصمود تنظيم الدولة الإسلامية, برنامج الواقع العربى, قناة الجزيرة تاريخ الحلقة: 23/12/2015