يثبت المخرج اليوناني يورجوس لانثيموس مع كل فيلم جديد، وبمنحنى إبداعي صاعد، أنه واحد من أكثر المخرجين الذين لمعوا خلال العقد الأخير من عمر السينما أصالة وتميزًا. صارت سينماه، التي تخلق تأثيرها عبر ما هو صادم ومحرض، قرينة لما هو قاس وغريب ومظلم في النفس البشرية. يستل خيوط كوابيسه مما هو عادي وبديهي، كحاجتنا إلى عائلة، أو سعينا إلى الحب. يخلق مع كل فيلم كابوسًا جديدًا ويجبرنا أن نحدق فيه بعيون مفتوحة.

تدور قصة أحدث أفلامه «The Favourite» في بداية القرن الثامن عشر، في بريطانيا وإبان حربها مع فرنسا. هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها لانثيموس إلى الدراما التاريخية، إذ تدور أعماله السابقة في الزمن الحاضر أو على تخوم مستقبل غامض في دوستوبيات متخيلة، وهي المرة الأولى أيضًا التي يتخلى فيها عن كتابة نصه السينمائي بنفسه، إذ يتشارك في كتابة هذا الفيلم كل من Deborah Davis وTony McNamara.

نحن أمام 3 شخصيات نسائية، يشكل مثلث العلاقات بينها قلب الحكاية التي يحكيها لانثيموس. آن (أوليفيا كولمان) الجالسة على عرش المملكة، شخصية مضطربة وجريحة، فقدت 17 طفلًا، استبدلتهم بنفس العدد من الأرانب يعيشون معها داخل غرفتها الملكية، والليدي سارة (ريتشيل فايس) صديقة طفولتها، مستشارتها وعشيقتها التي تستغل ضعف الملكة واحتياجها لها لتدير شؤون المملكة لصالحها، والخادمة أبيجيل (إيما ستون) فتاة من عائلة أرستقراطية فقدت ثروتها وعاشت حياة بائسة ومُذلة، تحاول أن تستعيد مكانتها الاجتماعية بالترقي داخل القصر والتقرب من الملكة. ثم تدخل سارة وابيجيل حربًا قذرة لتصير إحداهما المفضلة لدى الملكة.


حرب لانثيموس: الهزيمة على كل الجهات

بينما تغيب الحرب الدائرة بين بريطانيا وفرنسا تمامًا عن مشهدية لانثيموس (فالكاميرا لا تغادر القصر الملكي إلا نادرا) تشتعل داخل ردهات هذا القصر المتاهية وغرفه الشاسعة حرب أخرى لا تقل شرًا أو قسوة. لا يحتاج لانثيموس إلى صراع جيشين، أو سقوط القتلى أو تطاير الأشلاء كي ينفذ إلى حقيقة الظلام الذي يستوطن قلب الإنسان. يكفيه مثلث العلاقات الذي يجمع ثلاث نساء داخل القصر الملكي وصراع الرغبات الدائر بينهن ليحقق ذلك على نحو مثالي. ففي أفلامه السابقة استطاع أن يفجر القسوة الإنسانية داخل أكثر الأطر ألفة وحميمية، العلاقات داخل العائلة وعلاقات الحب.

يعري لانثيموس الشر داخل شخصياته دون أن يحولهم إلى وحوش، إذ يعري أيضًا جراحهم. ويحافظ دومًا على وجودهم داخل إطار إنساني مهما ارتكبوا من أفعال شريرة. مثلما يصور آن وهي تقامر بأرواح الضحايا موافقة على تمديد الحرب إرضاء لسارة كجزء من لعبة الحب بينهما. يظهرها أيضًا كامرأة تتداعى جسدًا وروحًا، معذبة بخوفها أن يتركها من تحب مثلما تخلى عنها أبناؤها بالموت. تستغل سارة ضعف الملكة ومحبتها في فرض إرادتها السياسية ، تعاملها أحيانًا بقسوة غير مبررة، ومع ذلك نشعر أنها الوحيدة التي تكن للملكة عاطفة صادقة.

تصف أبيجيل مأساتها بهذه الكلمات:

إنها ليست مسخًا هي الأخري، فهي تستشعر داخلها ثقل أفعالها لكنها تعرف أنه في حالة خسارتها هذه الحرب مع الليدي سارة ستعود إلى عبودية حياتها السابقة وربما أسوأ. المثير في حرب لانثيموس، وعلى نحو واقعي لا مجازي، هو أنه لا يوجد فائز في هذه الحرب، كل الأطراف تمضي مثقلة بهزيمتها.


ملامح جديدة في سينما لانثيموس

حياتي أشبه بمتاهة، كلما ظننت أنني أفلت منها أجدني أمام ركن آخر داخلها.

يتخلى هنا لانثيموس عن مشاركته المعتادة في كتابة نص الفيلم الذي سيقوم بإخراجه. النص هذه المرة من كتابة «ديبورا ديفيس» و«توني مكنمارا». يتعامل هنا وللمرة الأولى مع فئة الدراما التاريخية كنوع فني له تقاليد خاصة. تعامل لانثيموس مع هذه المتغيرات أوجد ملامح جديدة لسينماه على مستوى البناء والأسلوب.

نحن هنا أمام بناء أقرب للكلاسيكية، الفيلم مقسم إلى 8 فصول معنونة. هذه العناوين تشي أحيانًا بما سيحدث في الفصل المقبل أو تحوي جملة سترد فيما بعد على لسان الشخصيات وغالبًا ما تكون ذات إيحاء غريب، مما يخلق نوعًا من الترقب وحالة من الإثارة لدى المشاهد.

على صعيد بناء الشخصيات، يمنح النص سينما لانثيموس ولأول مرة شخصيات ذات أبعاد نفسية واضحة. شخصيات أفلامه السابقة هي شخصيات مسطحة وبلا أعماق، لا تحمل اسمًا حتى في أغلب الأحيان بل يتم تحديدها عبر سلوكها، ومظهرها الخارجي أو صفة ما تميزها مثل شخصية البطلة والتي تؤديها ريتشل وايز في فيلمه «The Lobester» والتي يتم تعريفها على أنها المرأة قصيرة النظر. الشخصيات في أفلامه السابقة أشبه بأدوات في يد حبكاته الغريبة والمثيرة.

اقرأ أيضا: سينما «يورغس لانثيموس»: حكايات السلطة والهيمنة

أما هنا، فالشخصيات أكثر طغيانًا من حبكة الفيلم البسيطة، وهذا أيضًا تبعه تغير أسلوبي عند لانثيموس، فالآلية التي كانت تحكم أداء ممثليه في الأفلام السابقة بدأت تتراجع تاركة مساحة لأداء أكثر طبيعية وحرية يسمح لشخصياته بأن تعبر عن عواطفها المضطربة وأعماقها الجريحة، والنتيجة، ثلاثة أداءات ممدوحة بشدة، استحقت ثلاثة ترشيحات لجائزة الأوسكار، خاصة أداء أوليفيا كولمان الذي يعتبر من أفضل الأداءات النسائية هذا العام.

تستمر الملامح المميزة لأسلوب لانثيموس والمتمثلة في استخدامه المعتاد الإضاءة الطبيعية (يستخدم هنا إضاءة تعتمد بشكل أساسي على ضوء الشموع بما يلائم طبيعة الفترة الزمنية للأحداث)، والتصوير في الأماكن الطبيعية، والحضور الطاغي لكاميراه. يستخدم هنا عدسات عين السمكة (fish eye lens) من أجل تشويه المنظور فهي تقعر أطراف الصورة لتعطي إحساسًا خانقًا، كما تظهر الشخصيات كما لو كانت تائهة داخل الكادر، وهو ما يعبر كثيرًا عن الحالة النفسية لشخصياته وفي المجمل يعطي للمشاهد انطباعًا عن تشوه العالم الذي يشاهده وغرابته.

لانثيموس مخرج شكلاني من الدرجة الأولى، يعرف جيدًا كيف يخلق معنى فيلمه عبر الشكل والأسلوب. هو هنا مثل ساحر متمرس يخفي خدعته الأكبر لختام العرض. ففيلمه لا يكتمل معناه إلا بتتابعات النهاية العبثية. انتهت الحرب بين بريطانيا وفرنسا، وكذلك الحرب بين أبيجيل والليدي سارة، ربحت أبيجيل وصارت المفضلة لدى الملكة.

يأتي مشهد النهاية وأبيجيل بين قدمي الملكة في وضع جنسي يظهر خضوعها مؤكدًا معنى الهزيمة. عبر المزج المونتاجي للقطتين قريبتين، وجه أبيجيل مأخوذًا بالرعب لاكتشافها أنها لا تزال خاضعة ومستعبدة، مع وجه الملكة غارقًا في الكآبة وقد أدركت وحدتها وحرمانها من الحب، تبدأ أرانب الملكة، والتي تمثل أرواح الموتى، في احتلال الشاشة مما يمنح المشهد حسًا جنائزيًا. إنها سخرية لانثيموس المرة، فالمشهد الإنساني بكل صخبه وصراعاته يؤول لهذه الكائنات الأليفة والمدجنة.