بينما تبلغ الحرب الأهلية الإسبانية ذروتها بين قوات الرئيس الإسباني الفاشي «فرانسيسكو فرانكو» والمقاومة المسلحة. كانت تعيش «أوفيليا» الطفلة الحالمة في مغامرات عالمها الموازي من أجل الوصول للخلود. وتحقيق شروط الجني «بان»، ما سيجعلها تنتقل لهذا العالم الذي ستصبح فيه أميرة خالدة. طفلة بريئة بعقل حالم وسط حياة قاسية مرعبة مليئة بالقتل، والإعدام، والفقر، والديكتاتورية. وأم مريضة متزوجة من أحد قادة جيش فرانكو، يعاملها بقسوة ويعتبرها وعاءً للحمل ولا يحب أوفيليا باعبتارها من أبناء الفلاحين.

هذه قصة فيلم «متاهة بان»، وهو العمل الأشهر للمخرج المكسيكي قليل الظهور «جييرمو ديل تورو»، الذي صُفق له بشكل غير مسبوق بعد عرض الفيلم في مهرجان «كان». ومع الوقت أصبح أحد الأفلام التي توجد في أغلب القوائم النقدية عن أهم أفلام القرن.

يأتينا ديل تورو هذا العام بفيلم «The Shape Of Water» والذي يشبه إلى حد كبير فيلمه الأشهر.


الهروب للفنتازيا

فيلم The Shape of Water (يمين) – فيلم The Mirror

يبدأ الفيلم بمشهد لمنزل تغمره المياه وتسبح فيه الأسماك، وتطفو فيه بعض مكونات المنزل، وفتاة نائمة وسط الماء يشبه وضعها كثيرا المشهد الشهير للمخرج الروسي العملاق «أندريا تاركفوسكي»، وصوت الراوي الذي يخبرنا أنه سيقص علينا حكاية الأميرة الخرساء، والوحش الذي دمر كل شيء. من هو الوحش؟

أفلام تورو رغم أنها حافلة بالكائنات الفنتازية، ولكن الوحش دائمًا يكون الإنسان. وعلى عكس الاتجاه السائد في السينما حاليًا لأنسنة جانب الشر وصنع دوافع مفهومة لأفعاله، يظل تورو محتفظًا بالشرير المطلق. وكذلك يحتفظ بالملاك الخام المقهور، الذي عادة ما يكون بطلة الفيلم. كأوفيليا في متاهة بان، وإليزا في «The Shape Of Water»، وهي الشابة الخرساء التي تفرض عليها إعاقتها أن تكون عاملة نظافة مع السود –الذين يعاملون كمواطنين درجة ثانية أو أدنى- في محطة أبحاث أمريكية. رغم صعوبة عالمها، ولكنها مرهفة الحس، ويظهر ضمنيًا أن أباها الرسام المجهول ساهم في ذلك.

بعد أن عرفنا تورو على عالم الفتاة وعملها، هنا يأتي التحول الأول وهو الكائن الذي تم اصطياده، ويعتبره البدائيون إلهًا. وهو لديه قدرات تمكنه من العيش في كواكب أخرى، ولذلك وجوده مهم في ظل الحرب الباردة مع الروس، وأيهما سينتصر في حرب الفضاء. يقوم بتعذيب هذا الكائن أحد المسئولين عن المحطة وهو الجنرال ستروكلند (مايكل شانون). ولكن رغم ما يعانيه هذا الكائن من البشر، فإنه يطمئن لإليزا بمجرد رؤيتها، والتي بدورها تتعاطف معه وتمنحه بيضة ليأكلها.

وعلى جانب آخر تمثل زيلدا (أوكتفيا سبنسر)، عاملة النظافة وصديقة إليزا، المجتع الأسود، ورغم تحررهم من العبودية شكلًا، ولكنهم مضمونًا يتعرضون لكل أنواع التمييز، عبر عنه تورو في عدة مشاهد سواء، خاصة بزيلدا أو مشاهد لآخرين.

ربما يُتهم تورو برسم شخصيات مفرطة في كلاسيكيتها، ولكن هذه لعبته التي من خلالها يعبر عن الحالة الإنسانية والرسالة التي يريد توصيلها للمشاهد. وإذا كانت الشخصيات كلاسيكية، فعالمه الفنتازي شديد التفرد والإبداع.


أربعينية تجسد روح طفلة

فتاة تحب كائنًا غريبًا شكله مقزز. وهذا هو المأزق الأكبر الذي واجه تورو، فالمشاهد لابد أن يقتنع بهذه العلاقة ويتعاطف معها ويتأثر إلى حد البكاء مع المشاهد الرومانسية والتراجيدية بينهما. نجح تورو في ذلك برسم شخصية حالمة ومنعزلة عن مجتمعها بنسبة كبيرة. وتزيد إعاقتها من نبذها مجتمعيًا وعزلتها، وبالتالي تكون أقرب لأي وافد من مجتمع آخر. ولذلك علاقتها متوطدة بزيلدا التي يمثل جنسها لدى البيض نموذجًا للإنسان الأدنى، الذي تقتصر مهمته على الخدمة والتضحية من أجل المواطن الأمريكي الأبيض.

وعندما ترى هذا الكائن المعذب من جنرالات المحطة تنجذب له. تزداد علاقتهم تدريجيًا إلى أن تصل لمشهد الحب الأول، كما يظهر في بوستر الفيلم للكائن وهو يحتضن إليزا. وبذلك قام ديل تورو بجذب أنظار المشاهد. وكأنه يقول: نعم هناك علاقة حب غريبة، ولكن شاهد لترى هل سأقنعك أم لا، وهذا هو تحدي تورو الأكبر الذي نجح فيه.

وبالإضافة للبناء التدريجي المقنع لهذه العلاقة ساهم أداء «سالي هويكنز» في نجاح التحدي. كيف نقلت ممثلة ذات ملامح حادة وليست جميلة بمقاييس الجمال العامة، وكبيرة في السن نسبيًا -41 عامًا- تلك الروح الطفولية الصافية، والقلب النظيف الذي لا تشوبه شائبة. كل شيء في تجسيدها ينقل روح طفلة، بداية من حركة رأسها ونظراتها وحركة يديها أثناء التحدث بالإشارة، وحركة قدميها. حتى مشاهد ممارستها للعادة السرية كانت كأنها طفلة تلهو بشيء يسعدها.

وكذلك قدمت أوكتفيا سبنسر دورًا ليس بالبسيط، فنقلت روح الشخصية المرحة والثرثارة، والتي تنشغل أغلب الوقت بالثرثرة عن تجاربها مع زوجها الكسول، وكذلك إخلاصها لصديقتها وتقديمها الدائم للتضحية. وتقبلها قهرًا لما تتعرض له من مديرها بصفتها سوداء.


فلسفة الصورة لدى تورو

The Shape of Water، The Mirror، جييرمو دل تورو، أندريه تاركوفسكي
The Shape of Water، The Mirror، جييرمو دل تورو، أندريه تاركوفسكي

استخدم تورو ثلاث رؤى مختلفة للألوان، ففي منزل إليزا كانت الألوان دافئة ومشبعة إلى حد كبير، مع مسحة برتقالية وتصوير نهاري (أو ما يبدو كذلك). ليعكس الشعور بالدفء والأمان، حيث إن منزلها هو أحب الأماكن لقلبها. وفي المحطة حيث تعمل استخدم ألوانًا غير مشبعة وأميل للأخضر والرصاصي. تصحيح الألوان في المحطة جعلها توحي وكأنها مكان مهجور أو مخيف. نظرًا لأنه أكثر الأماكن السيئة وغير العادلة التي تتعامل معها إليزا. وتحت المياه وفي المشاهد التي تجمعها مع الكائن استخدم اللون الأزرق الرقيق المشبع ليعطي انطباعًا بجمالية العلاقة وسموها.

حركة الكاميرا سائلة وسلسة، ولا يوجد قطعات حادة تقريبًا مع التقليل من اللقطات الثابتة، وهذه فلسفة التصوير السائدة بصفة عامة في الأعمال الفنتازية، فهي تنقل شعورًا بخيالية الأحداث.

يتوقع ترشيح الفيلم لثماني جوائز أوسكار على الأقل في الفئات الآتية (أفضل فيلم- أفضل إخراج- أفضل ممثل رئيسي- أفضل موسيقي تصويرية- أفضل تصميم إنتاج- أفضل مونتاج- أفضل تصوير سينمائي- أفضل تصميم ملابس)، ومتوقع أن ينافس بقوة على أربعة منها، هي: أفضل فيلم وإخراج وموسيقي تصويرية وتصميم إنتاج.