يمكن اعتبار أدب الرحلات من أقدم أنواع الأدب التي تم تحديد مفهومها مبكرًا والتعرف عليها، فالتراث الأدبي العربي يذخر بالكثير من الكتب والمؤلفات التي كان دافعها الأساسي هو الرحلات ورصد ما شاهده الكاتب في أسفاره.

ولا شك أنه ما إن يأتي ذكر الرحلة وأدبها حتى يقفز إلى الذهن اسم أحد روادها وكتابها العرب الأوائل وهو الرحالة المغربي الشهير «ابن بطوطة» والذي يعد أول من فتح هذا الباب من الكتابة الأدبية ووضع له خطوطًا عريضة في كتابه الذي سمّاه على عادة أهل زمانه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» والمعروف باسم «رحلات ابن بطوطة».

وقد ظل هذا الكتاب لفترة طويلة أحد مصادر الكتابة العربية في الرحلة، وملهمًا ومحفزًا للكثير من الكتّاب لكي يكتبوا هذ النوع الفريد من الكتابة الأدبية، الذي يرصد فيه الكاتب خلال رحلاته كل غريب وعجيب بين مدن العالم التي زارها وتعرف عليها ناقلاً تلك الخبرات والمعارف لغيره من القراء.

في العصر الحديث اهتم عدد من الكتاب والأدباء بتوثيق رحلاتهم عبر مدن العالم من خلال الكتابة الأدبية المميزة، ووجدنا أن هناك نوعين من الكتابة في «أدب الرحلات»: في النوع الأول والأشهر تكون الكتابة عن عددٍ من الرحلات التي قام بها الكاتب أو الأديب، ثم رصد ملاحظاته وسجّل مشاهداته لهذه الدول والأماكن في كتابٍ واحد، ونوع آخر يكون تركيز الكاتب فيه على مدينةٍ أو رحلةٍ بعينها ويفرد لها المجال متحدثًا بالتفصيل عن الرحل والمدينة والناس هناك.

تجدر الإشارة إلى أن قائمة كتب أدب الرحلات تطول، وتزداد عامًا بعد عام، بل إن هناك جائزة عربية ربما لم تسلط عليها الأضواء كثيرًا تم تخصيصها لأدب الرحلات، وحملت اسم كاتبه الأول، وهي جائزة «ابن بطوطة لأدب الرحلات» والتي يمنحها «المركز العربي للأدب الجغرافي _ارتياد الآفاق» المختصة بالكتابة الأدبية عن السفر سواء كان عن تجربة شخصية أو ترجمة أو كشفًا عن مخطوطة عربية نادرة. حصل على هذه الجائزة عدد كبير من الكتاب العرب، كان منهم، مؤخرًا، الكاتب مهدي مبارك عن كتابه «مرح الآلهة 40 يومًا في الهند»، و«في بلاد السامبا» لمختار سعد شحاتة من مصر، و«رحلة العودة إلى الجبل» لخلود شرف من سوريا، و«أسفار استوائية» لعثمان أحمد حسن من السودان.

نتناول في هذا التقرير عددًا من أبرز كتب أدب الرحلات من النوعين.


1. حول العالم في 200 يوم – أنيس منصور

الكتاب الأشهر في مجال أدب الرحلات، كتبه أنيس منصور في ستينيات القرن الماضي، ورصد فيه رحلاته وأسفاره لعدد من مدن العالم، خاصة مدن شرق آسيا من الهند واليابان حتى سنغافورة والفلبين، وما شاهده هناك من عادات وتقاليد غريبة. كما وثّق فيه أنيس منصور لقاءاته مع الدالاي ما «تيزن غياستو» رئيس جمهورية التبت الذي كان قد حصل على جائزة نوبل للسلام في ذلك الوقت.

2. تائه في لندن – محمد عفيفي

على الرغم من أنه يُصنف كأدب ساخر في المقام الأول، فإن الملاحظات والمشاهدات التي قدمها محمد عفيفي في هذا الكتاب الذي تحدث فيه عن رحلته لبريطانيا في أواخر السبعينيات، وكيف عد نفسه تائهًا في مدينة الضباب، وأخذ يرصد بعين الساخر مظاهر الحضارة الغربية المزعومة، آملاً أن يحطم أسطورة التفوق الغربي التي كانت سائدةً في ذلك الوقت.

3. كتاب الأسفار – جمال الغيطاني

صدر في طبعة خاصة من مكتبة الأسرة، ويضم ما كتبه جمال الغيطاني في أدب الرحلة وهو كتابي «أسفار المشتاق»، و«أسفار الأسفار». في هذا الكتاب جولة سياحية أدبية خاصة، يتجوّل بنا فيها الغيطاني بين بلدان المغرب العربي الذي ارتبط به بشكلٍ خاص وكوّن جزءًا من روحه، فيرصد فيه جزءًا كبيرًا من وصف الأماكن، ويولي عناية خاصة بالعمارة المغربية وتميزها، ثم ينتقل عبر المحيط إلى هولندا وسويسرا وألمانيا وباريس، في جولة أوروبية شيقة يحرص على ذكر تفاصيل كل بلدٍ يقيم بها كما يرصد عددًا كبيرًا من عادات وتقاليد كل بلدٍ منها ومشاهداته فيه بأسلوبه الأدبي الشيق.

4. مفاكهة الخلان في رحلة اليابان – يوسف القعيد

هنا رحلة خاصة يخوضها الكاتب والروائي يوسف القعيد إلى اليابان في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حينما كانت اليابان حديث الناس في ثورتها وتقدمها التكنولوجي والصناعي، وكانت رحلة الكاتب بدعوة خاصة من مؤسسة اليابان في القاهرة التي تدعو واحدًا من الكتاب المصريين للإقامة أسبوعين في اليابان للتعرف عليها.

كانت الزيارة حافلة ومثيرة بالنسبة للقعيد، ورصد فيها عددًا من مشاهداته التي قسمها على فصول كتابه في اثنين وثلاثين مقالاً منذ أن وصل طوكيو حتى المغادرة، ولا يمل القعيد من مقارنة القاهرة بطوكيو ما كان يمكن أن يحدث في مصر إذا قات فيها نهضة حقيقية مماثلة لما جرى في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

5. أين تذهب طيور المحيط – إبراهيم عبدالمجيد

سبع رحلات لسبع مدنٍ مختلفة من روسيا شرقًا إلى المغرب غربًا، يرصد فيها الروائي والكاتب إبراهيم عبدالمجيد عددًا من ملاحظاته وقراءته للعالم من خلال هذه الدول التي يمر عليه في مناسبات ثقافية مختلفة.

في الكتاب أيضًا تأملات الكاتب السياسية الخاصة بأحلام الشيوعية في روسيا، وأثر انتصار الرأسمالية الغربية على الكتاب العرب، كما يتناول الكتاب عددًا من القضايا الثقافية المهمة كالترجمة الأدبية، بالإضافة بالطبع إلى وصف عدد من المعالم السياحية في البلدان التي زارها.

6. جنوبًا وشرقًا رحلات ورؤى – محمد المخزنجي

من أفريقيا التي يعدها «الجوهرة المنسية»، يبدأ محمد المخزنجي رحلاته متأملاً مستكشفًا تلك القارة السمراء الغنيّة بالمشاهدات والمعارف والخبرات التي يمكن أن يكتسبها كل زائر ومقيم.

يبدأ المخزنجي من رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، مرورًا بالهند، حتى يصل إلى الصين، ثم يعود مرة أخرى إلى تركيا، في رحلاتٍ شيقة، يرصد خلالها المخزنجي بأسلوبه الأدبي الشيق عددًا من الملاحظات والمشاهدات الفارقة، مؤكدًا أهمية اختياره الجنوب والشرق، وابتعاده عامدًا عن الغرام العربي بالغرب وثقافته وحضارته، باحثًا في بلدان المشرق عمّا يتماس معنا ثقافيًا وحضاريًا.

7. سبع سماوات – سعد القرش

يتضمن الكتاب رحلات قام بها الروائي والصحفي سعد القرش في عدد من الدول العربية: الجزائر والعراق والمغرب، وكذلك الهند وهولندا. كان هدف الكاتب هنا رصد الملامح النفسية لكل مجتمعٍ من المجتمعات التي مر عليها، فهو لا يهتم بذكر الأماكن السياحية البارزة، وإنما يرصد كيف يعيش الناس، وكيف يغنون، وكيف يتعاملون مع الغريب المختلف عنهم حضاريًا وثقافيًا، ولا شك أنه في كل مدينة من تلك المدن يقارن بين ما يجده هناك وما يجري في مصر.

8. نهرٌ على سفر – أشرف أبو اليزيد

خلال رحلاته وتنقلاته بين عدد من دول شرق آسيا حتى يصل إلى إسبانيا، ينقل لنا الروائي والشاعر أشرف أبو اليزيد مشاهداته وقراءاته الفنية والثقافية لهذه الدول وما شاهده فيها من فنون، جامعًا في كتابته بين الرصد الأدبي للأماكن وما تتميز بها، وبين التصوير الفوتوغرافي لهذه الجماليات.

وبطبيعة الحال ينقل أبو اليزيد عددًا من الملاحظات الثقافية والسياسية بين الشرق والغرب، والفروق الحضارية الكبيرة بيننا وبينهم، مع عدد من المعلومات التاريخية والوثائقية المهمة التي تخص هذه المدن من قرطبة إلى كوستاريكا.

9. 30 يومًا في المستقبل – مصطفى عبادة

رحلة خاصة جدًا إلى الصين، يخوضها الشاعر والصحفي مصطفى عبادة للتعرف على مظاهر ومعالم الحياة في هذه البلاد التي تنافس أمريكا اليوم، معتبرًا أن تلك الرحلة لم تكن إلا رحلة في اتجاه المستقبل، حيث يرصد مظاهر التطور التكنولوجي الهائل الذي وصل إليه الصينيون اليوم، كما يرصد قدرة الصينيين على التعامل مع المذاهب والطوائف الدينية المختلفة، وعددًا من المفاهيم والمعتقدات التي أثارت انتباهه هناك والتي يتمنى لو تحلى بها العرب والمسلمون.

اقرأ أيضًا:رحلة إلى الصين 30 يومًا في المستقبل

10. أساطير السفر السبعة – شيرين عادل

منذ نحو خمس سنوات برز اسم شيرين عادل ككاتبة ورحالة متخصصة في كتابة أدب الرحلات، بدأت تلك الكتابة بكتابها «الأولة باريس» الذي رصدت فيه مشاهداتها وزيارتها الأولى للعاصمة الفرنسية في 14 يومًا فقط، تلى ذلك كتابها «الفيروزية» عن مدن الشام الثلاثة: سوريا، ولبنان، والأردن.

في العام الماضي أصدرت كتابها «أساطير السفر السبعة: كيف تسافر حول العالم بميزانية محدودة» عن دار الرواق والذي حقق مبيعات كبيرة، ويعتبر أول مرجع مصري عربي للسفر، تعرض فيه الكاتبة نصائحها القائمة على تجاربها الشخصية للتخطيط للقيام برحلة بأرخص التكاليف، سواء كان السفر داخل مصر أو خارجها، من خلالى تحطيم أساطير عقبات السفر مثل الحصول على التأشيرة وصعوبة إتقان اللغة وغيرها، كما يحتوي الكتاب على قصص لعدد من الرحالة المصريين والعالميين وحكاياتهم التي تعد محفزةً للمغامرة والسفر. والجميل أن ذلك كله قد جاء بأسلوب أدبي شيق وبطريقة عرضٍ متميزة.