واجهت كوريا موكبًا من الكوابيس في القرن العشرين، بداية من الاستعمار الياباني (1910-1945)، إلى تقسيمها التعسفي من قبل القوى الغربية إلى دولتين متعارضتين، الشمال والجنوب (1948)؛ للحرب التي دمرتها وانتهت إلى طريق مسدود (1950-1953). عاشت قمعًا سياسيًا واجتماعيًا، استمر في فترة ما بعد الحرب ثم في ظل عقود من الحكم العسكري حتى بداية التسعينيات. كانت الحياة في ظل الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة تنطوي على أمور بسيطة وانتهاكات كبيرة للحرية في كل منعطف، خصوصًا في مجال التعبير السياسي والفني. طوال هذه الفترة، مارست حكومات مختلفة السيطرة على صناعة السينما من خلال الرقابة الصارمة، وانتقائية شديدة في الأفلام التي يجب أن تنتج وفق أجندتهم الخاصة. لم تدخر جهدًا في السيطرة على محتوى وأسلوب عمل صانعي السينما.

لم تنل السينما الكورية حريتها في يوم، لكن استغرقت عدة سنوات في عملية إصلاح الضرر الذي أحدثته عقود من السياسات السيئة، لكن في نهاية المطاف، مع تطور المجتمع الكوري وانتقاله إلى عصر ديمقراطي جديد، تطورت معه السينما الكورية، ومرت بتحول ملحوظ، بدءًا من أواخر الثمانينيات، بدأت مجموعة من صانعي الأفلام المطلعين سياسيًا واجتماعيًا في استكشاف موضوعات جريئة وبدأت سينما كورية جديدة.

اهتم هؤلاء المخرجون بفكرة التنويع من حيث الموضوع، الشكل، والتجديد في تقنيات الصناعة. إنتاج أفلام تمثل انفصالًا واضحًا عن الماضي. من التسعينيات إلى عام 2003 أصبح للسينما الكورية وجود حقيقي واضح وحضور في المهرجانات وتقدير من المشاهدين وانتشار وتوزيع الأفلام.

غياب وحضور

شهد عام 2003 تطورًا وإنجازًا كبيرين للموجة الكورية الجديدة، ولبعض مخرجي الموجة، ولكنه كان إنجازًا شديد الخصوصية بالنسبة لثلاثة من أهم مخرجي الموجة.

في أبريل، أخرج بونج جون هُو فيلم ذكريات القتل المقتبس من أحداث حقيقية، وعلى الرغم من نوع الفيلم البوليسي، فإنه يؤسس لشكل جديد، ويتعاطى مع إشكاليات جريئة، لم يكن هناك مساحة أو حرية للسينما الكورية في فعل ذلك. نال الفيلم استحسان النقاد والمشاهدين بشكل كبير فور صدوره، وحصد في شباك التذاكر أكثر من خمسة ملايين، وهو رقم ضخم بالنسبة لكوريا، ووضع بونج نفسه كأحد المخرجين الرواد.

في يونيو، أصدر المخرج كيم جي وون فيلمه قصة شقيقتين. فيلم رعب مبني على حكاية شعبية كورية، فتاة مراهقة تعود من المصحة، لتعيش مع شقيقتها الصغرى، ووالدها وزوجته، في كوخ ريفي منعزل. يعطي المخرج الأولوية للبصري أكثر من السردي، الصور المتكررة، الإحالات الرمزية، واللقطات القريبة، على الرغم من اللمسات والتقنيات الحديثة للفيلم، فقد حصل على شعبية كبيرة، وباع أكثر من ثلاثة ملايين تذكرة، وهو فيلم الرعب الأعلى ربحًا في السينما الكورية.

في نوفمبر، صدر الجزء الثاني من ثلاثية الانتقام للمخرج بارك تشان ووك «Oldboy» في أغسطس هذا العام يكون قد مر عشرون عامًا على العرض الأول للفيلم في كوريا، واحتفالًا بالفيلم في هذه المناسبة، تم ترميم الفيلم تحت إشراف المخرج نفسه، وعودته للعرض في دور السينما. أحد أكثر الأعمال المميزة للسينما الكورية الجديدة، مقتبس من مانجا يابانية بنفس الاسم التي نشرت به بين عامي 1996 و1998، تدور أحداث الفيلم حول شخصية أوه داي سو الذي يقضي 15 عامًا في سجن غريب، يدار بشكل خاص دون أن يعرف سبب سجنه.

يختفي من أحد شوارع المدينة في منتصف الليل، يستعيد وعيه فيما يشبه غرفة فندق رثة. سرير ومكتب وتلفزيون وحمام. يوجد باب حديدي به فتحة بالقرب من الأرض لصينية طعامه. من حين لآخر يتم تشغيل لحن صغير، وتمتلئ الغرفة بالغاز يفقد الوعي، وعندما يستعيد وعيه، يجد أنه تم تنظيف الغرفة وتغيير ملابسه وقص شعره.

رغم أنني لست أفضل من وحش، ألا يحق لي أن أعيش؟

في سجنه، يمرر التلفزيون الوقت، الذي يظهر في مونتاج لـ«داي سو» وهو يحاول الهرب، متقاطعًا مع نشرات الأخبار التي ترسم أكثر من عقد من تاريخ كوريا الجنوبية الحديث، ويصبح التلفزيون كل شيء بالنسبة له: الساعة، والتقويم، والصديق، والحبيب. وحيدًا وغير متأكد من سبب اختطافه، يبدأ داي سو في التصدع والانهيار. يرى نفسه محاطًا بالنمل، بل ويحاول الانتحار لتحرير نفسه، ليتم تنويمه بالغاز مرة أخرى وإنقاذه.

يتعهد بالانتقام، معلنًا أنه سوف يمزق جسد معذبه و«يمضغه كله». يقوم بإعداد نفسه من خلال مشاهدة رياضة الكونغ فو ولكم الجدران المبنية من الطوب لتمضية الوقت، وتطوير مفاصل الأصابع المقوية. يعاني من أحلام غريبة وهلوسة، وربما يكون تحت تأثير التنويم المغناطيسي. بغض النظر، فهو يسجل قوائم طويلة من الأعداء المحتملين، ينجز كومة من دفاتر الملاحظات، لم يعش داي سو حياة متميزة، ويبرر الأمر قائلاً: «على الرغم من أنني لست أكثر من وحش، ألا يحق لي أيضًا أن أعيش؟» وبينما يخطط لهروب متقن على مدى سنوات طويلة من الصبر، يجد نفسه فجأة قد أطلق سراحه من قبل خاطفيه، يوم إطلاق سراحه، يستيقظ في أعلى مبنى، في كامل أناقته مرتديًا بدلة جديدة وساعة يد.

المشهد الأول للفيلم، يمنع رجلاً من الانتحار من أعلى المبنى، يشرع داي سو في قصة سجنه، هذه هي المرة الأولى من ثلاث مرات سيشارك فيها قصته في الفيلم، ومع كل مرة، يتغير معنى القصة، من الغضب إلى المأساة، وأخيرًا إلى اليأس المدقع.

يزور أحد المطاعم، يقول: «أريد أن آكل شيئًا حيًا»، تأتي له الطاهية، التي ستكون حبيبته بعد تلك الليلة، بأخطبوط حي، يلتهم رأس الكائن الحي بشراهة دون تردد، تشفط أطرافه وجه داي سو باليأس المناسب تمامًا وهو يمضغه، كأنه يبدأ رحلة الانتقام الملحة من هنا.

يطلق العنان للعالم بشكل صلب وقاس، هدفه الوحيد: الانتقام. متعطشًا للحياة، أو ربما لممارسة خطته «لمضغ كل شيء». في الجزء الأول من الفيلم كل ما يعتبر انتقام هو مجرد زعم، بغض النظر عن مدى إثارة أعمال داي سو الانتقامية الأولية، فإن بارك يفكر في ما هو أكثر من مجرد فيلم انتقامي تشويقي مباشر، ما يبدو متسامحًا أو غريبًا في النصف الأول يتم تبريره لاحقًا على أنه مفارقة درامية، مما يجعل من استمرار المشاهدة ضرورية لمعالجة الكثافة الملحوظة للسرد بما يتجاوز الصدمة الأولية.

كافكاوية

بتلميحات غامضة ورمزيات، يحتوي جو بارك السينمائي على جودة تشبه الحلم أفضل وصف لها بأنها كافكاوية. حتى إن المخرج يستشهد بفرانز كافكا باعتباره مؤثرًا، على الرغم من أنه، على عكس كافكا، يقاوم الاستعارة. داي سو يُضطهد من شخص مجهول لأسباب مجهولة، مثل بطل رواية المحاكمة. وحتى بعد إطلاق سراحه، يتلقى رسالة تسبب الذعر: «كيف هي الحياة في سجن أكبر؟».

خلق بارك الصورة الحشرية «النمل»، التي تظهر لداي سيو في تهيؤاته وأحلامه، مستمدة من رواية التحول، وهي قصة أخرى حيث تؤدي العزلة إلى التغيير والتفكير والأسئلة حول ما هو حقيقي. إلى أي مدى يتصرف بإرادته، وإلى أي مدى يتحكم معذبه فيه؟

تقرأ مي دو مذكراته، علقت على أحلامه بالنمل، حيث يلتهمونه من الداخل إلى الخارج. الشعور بالوحدة والانعزال الذي تسبب به سجنه ولد عنده شعورًا عامًا بانعدام الثقة بالآخرين، حتى في مي دو نفسها في لحظة ما، فهناك علاقة عكسية بين الشعور بالوحدة والثقة. رهاب المجهول عند داي سو ولد لديه صعوبة في التعامل مع شكوكه، بداية من المشاهد التي كان يتشبث بقدم من يدخل له الطعام من تحت الباب الحديدي، ليقول له سبب وجوده هنا، بدأ تأثير وحدته ورهابه على عقله ونفسيته يتزايد مع الوقت، يدخل في نوبات هلع وهلوسات متكررة وفقدان للقدرة على التعامل مع نفسه ومع العالم تدريجيًا. فكان كأنهم يلتهمونه من الداخل إلى الخارج.

وتوضح مي دو أن الناس الوحيدين يرون النمل، إنها تدل على رغبة الحالم في ألا يكون وحيدًا. تحلم مي دو بالنمل أيضًا، أو بالأحرى نملة بحجم الإنسان في مترو الأنفاق، يجلس بمفرده، منعزلاً. إذا لم يكن لدى نملة في أحلامها أحد، فما هي الفرصة المتاحة لها؟

وهكذا، مي دو، التي تبدو وحيدة في العالم، تظل بجانبه، في النهاية كعاشقة، عاشقة تحتاج إليه.

على الرغم من استشهاداته الأدبية، لم يفقد بارك جمهوره أبدًا بسبب فكرية الزخارف الأدبية؛ بل إنه ينخرط دائمًا في المصطلحات الخام، هدفه هو سرد قصة مقنعة بعمق ولغة سينمائية لا يمكن إنكار فعاليتها.

عندما يوجه «يو جي تاي» تحديه لداي سو بأن يكتشف في غضون خمسة أيام سبب سجنه، ومع ذلك، داي سو مهتم في المقام الأول بالانتقام، ومن هذه النقطة فصاعدًا، يبدأ غضبه وتصميمه، في منح الفيلم زخمًا قويًا.

يعد الفيلم على أحد المستويات تعبيرًا عن الصخب السينمائي الخالص، بتأثر هيتشكوكي، يقدم بارك فيلمه كتعبير شخصي وتجريب أسلوبي، أخبر بارك الصحافة أنه قرر أن يصبح مخرجًا سينمائيًا بعد رؤية فيلم فيرتيجو لألفريد هيتشكوك، باتباع نموذج هيتشكوك، يجد المخرج توازنًا فريدًا بين الفن والترفيه، يحتضن كل الاهتمامات بالتساوي. إنه ينسج قصة مصنوعة من خيوط درامية، ملتفة على بعضها، تتحول إلى شيء أكثر انحرافًا، مستمدًا من الصدمة والذكريات المكبوتة، ولكنها أكثر إثارة للذكريات بشكل غريب مع تقدم الأحداث.

تتميز كلتا الصورتين بالبطل الذي يكون حضوره مضطربًا، ويتم تجريده من كل الأشياء حتى يصبح عاريًا. وفي حين يعتمد فيلم هيتشكوك على العذاب العاطفي في نفسية شخصيته، فإن فيلم بارك يتباهى بالوحشية الجسدية الوحشية للدلالة على معاناة نفسية مروعة، ويحتضن العلاقة التي لا يمكن إنكارها بين العقل والجسد.

يستخدم بارك مجموعة واسعة، بالنسبة للسينما الكورية وقتها، من التقنيات السينمائية لإنشاء الفيلم. بعض الصور اللافتة، يتعلق هذا غالبًا باستخدام المخرج للكاميرا وإعطائها حضورًا نشطًا ومتحركًا باستمرار. التحول فجأة من منظور إلى آخر، بدءًا من اللقطات المقربة والمشاهد الواسعة واللقطات المباشرة بين العدسة والشخصية.

أشهر مشاهد الفيلم، مشهد قتال داي سو مع مجموعة كبيرة من الأشخاص، في طرقة. في المانجا صور المشهد في أكثر من أربعين صورة منفصلة، قدمه بارك في لقطة واحدة طويلة بما يسمى «ميزانسين»، بكاميرا متحركة دون قطع، خليط من الأجساد المتضاربة والمتأرجحة، لكن على النقيض حركة الكاميرا هي نموذج للبساطة، تنتقل من اليسار إلى اليمين، لجعل البطل في المنتصف. جميع عناصر هذا المشهد مكرسة في سبيل إظهار الرغبة والإصرار على الانتقام، داي سو يتلقى طعنة في ظهره، يستمر في قتاله بسكين مغروز في ظهره ولا يتوقف حتى ينال منهم.

مشهد متواصل لمدة تقارب أربع دقائق يظهر فيه داي سو، مسلحًا بمطرقة وقبضتيه، يواجه عددًا كبيرًا من المسلحين بعصيان وأسلحة بيضاء. إنه مجرد عنف تم اختزاله في أبسط أشكاله، تبدو كل لكمة من داي سو وكأنها تؤذيه بنفس القدر الذي تؤلم به خصمه، وفي نهاية اللكمة، تصاب بالصدمة لأنه لا يزال واقفًا، ولكنك ببساطة لا تستطيع الابتعاد عن المشهد، وقد تكون هذه هي أفضل طريقة لتلخيص الفيلم.

أحدث هذا الفيلم نجاحًا كبيرًا للموجة الكورية الجديدة، وليس للمخرج فقط، وفي مايو 2004 عُرض في مهرجان كان السينمائي، كانت لجنة التحكيم برئاسة كوينتن تارانتينو، منحه تارانتينو جائزة لجنة التحكيم الكبرى، وكانت هذه هي الجائزة المرموقة التي حصلت عليها السينما الكورية.

كان أيضًا نجاحًا للمانجا المقتبس منها الفيلم، التي كان المخرج متخوفًا من العمل عليها في البداية، قال بارك في لقاء مع صحيفة انديواير بمناسبة الذكرى العشرين للفيلم: «عندما عرض عليّ المنتج المانجا الأصلية، لم تعجبني النهاية، لم تكن القصة بهذا الشكل وكان دافع الشرير مختلفًا تمامًا، انتهى بي الأمر بتوقيع العقد على أية حال، والذي كان بالنظر إلى الوراء قرارًا متهورًا للغاية لأنه لم تكن لدي خطة لكيفية تغيير النهاية، أنا سعيد لأنني توصلت في النهاية إلى فكرة جيدة حول كيفية تغييرها، ولكن إذا لم أفعل ذلك، فستكون مشكلة كبيرة. إنه قرار لن أتخذه هذه الأيام.. كم كنت صغيرًا في ذلك الوقت.» ، وفي عام 2005 نشرت القصة المصورة كاملة في خمس مجلدات، وبعدها تُرجمت للإنجليزية وانتشرت عالميًا.