لأن جميع أندية كرة القدم تبحث دائمًا عن الصفقات الرابحة التي تدر المزيد من الأموال، نالت رعاية القمصان نصيبًا لا بأس به من الغرائب والطرائف. فتجد ناديًا يضع إعلانًا عن الحلوى المغلفة، وآخر يحول قميصه إلى واجهة لشركة إنتاج سينمائي، وصولاً لنادٍ يوناني قام بالدعاية لأحد بيوت الدعارة في المدينة.

لم تكن رواندا لتخطر ببالي كمكان للسياحة، لذلك ربما تحتاج إلى صدمة الناس برؤية اسمها، وهذا هو الهدف من الرعاية، الاعتراف بالعلامة التجارية.

كيلفين غاردنر؛
رئيس قسم التطوير بالغرف الصناعية الأمريكية.

واستمرارًا لتلك التعاقدات الغريبة، قرر نادي أرسنال مفاجأة مشجعيه بوضع شعار «Visit Rwanda» للدعوة لزيارة رواندا، التي بالتأكيد لا يبدو اسمها غريبًا علينا لتواجدنا معها بنفس القارة، والاصطدام بمنتخبها لكرة القدم في عدة مناسبات، لكن بالنسبة للإنجليز، أو قاطني قارة أوروبا، كان الأمر وكأنك تحدثهم عن بلد جديد، نهض «كريستوفر كولومبوس» من مدفنه لاكتشافه.

لكن بالتأكيد، قرار الترويج لبلد عبر أحد أكبر الأندية الإنجليزية، لن يقدمها كبلد سياحي فقط، لأن معرفة العامة بما فيهم السياح ستتجاوز عاجلاً أم آجلاً المناظر السياحية وستمتد إلى ملفات أخرى، ونفس الأمر بالنسبة لنا، إذ سنخبرك بثلاثة أشياء لم تكن لتعلمها لولا شعار «Visit Rwanda».

هل يمكن لدولة الدعاية عبر منتخبها؟

في البداية، نحن لا نتحدث عن شركات راعية تحمل اسم دول، كطيران الإمارات أو الخطوط الجوية التركية، لكننا نتحدث عن دولة قررت أن تتحول إلى شركة راعية، تريد تسويق نفسها وتعريف الجماهير بوجودها، ليظهر لنا السؤال التالي: لمَ لا تقوم رواندا أو غيرها بالدعاية عبر قميص منتخبها؟

بالنسبة لرواندا، ستكون الدعوة بلا جدوى، لأن منتخبها دون المستوى، ولم نسمع به من قبل يصل لأدوار متقدمة في كأس أمم أفريقيا، لكن لو افترضنا أنه بطل أفريقيا والعالم، فالأمر لن يختلف أيضًا، ولن يستطيع الترويج لبلده.

فالاتحاد الدولي لكرة القدم «FIFA» يمنع جميع المنتخبات من وضع أي إعلانات على قمصانها، لأنه يحمي مجموعة الشركات الراعية المتعاقدة معه بضمان عدم ظهور أي معلِن منافس عبر قميص أحد المنتخبات. لذا، ستجد المنتخبات الوطنية تتحايل على ذلك، بوضع الإعلانات على قمصان التدريب، والإحماء، وكذلك السترة التي يرتديها اللاعبون قبل المباراة.

وسواء كنت رواندا أو البرازيل، فإن طريق الدعاية الوحيد سيكون عبر الأندية، لذا ظهرت عدة حملات مماثلة، مثل الدعاية لزيارة ماليزيا «Visit Malaysia» عبر قميص كارديف سيتي الويلزي (يلعب ضمن مسابقات الاتحاد الإنجليزي)، وكذلك عبر واجهة قميص إشبيلية، الذي أتبعها بحملة أخرى لدولة بورتو ريكو «SeePuertoRico.com»، وصولاً إلى الدعاية التي قامت بها جمهورية تشاد «Chad: Oasis du Sahel» عبر قميص ميتز الفرنسي.

هل أثمرت حملة «Visit Rwanda» عن شيء؟

بالعودة إلى حملة «Visit Rwanda»، فكانت فكرة الظهور على قمصان الأندية الأوروبية ضمن خطة الحكومة لتطوير السياحة في رواندا، والتي شكلت في عام 2017 حوالي 12.7% من الناتج المحلي الإجمالي و 400 مليون دولار من الإيرادات.

رواندا «دولة التلال الألف» ذات الطبيعة الغنية،تضم 3 من أشهر المنتزهات الوطنية في العالم، وأهم منتزهات أفريقيا، وهي موطن الغوريلا الجبلية النادرة، وتقع في منطقة البحيرات العظمى بشرق أفريقيا، وتتميز بتنوع بيولوجي استثنائي من حياة برية وسط البراكين والغابات المطيرة الجبلية والسهول الشاسعة، والعديد من الأنواع المتوطنة الفريدة، مثل الشمبانزي والقرود الذهبية والطيور الزاهية الألوان.
حكايات من رواندا: من الإبادة إلى أيقونة التنمية الأفريقية

تم الاتفاق على ظهور الشعار على كم قميص أرسنال في مايو عام 2018، بعقد لمدة 3 سنوات، يحصل النادي اللندني من خلاله على 30 مليون جنيه إسترليني إجمالاً. وسوف تشمل الصفقة الدعاية لرواندا عبر اللوحات الإعلانية لاستاد الإمارات، بجانب تنظيم زيارات من مدربي ولاعبي ولاعبات الفريق الأول.

حسب تقرير لقناة «France 24» في فبراير 2020، فإن عدد السياح الوافدين من إنجلترا إلى رواندا ارتفع بنسبة 5%، وهو الأمر الذي دفع الحكومة للاستمرار على نفس النهج، بإبرام صفقة رعاية مماثلة مع باريس سان جيرمان.

أُبرمت صفقة الرعاية في عام 2019، وبعقد لمدة 3 سنوات أيضًا، بقيمة ستتراوح بين 8 إلى 10 ملايين يورو سنويًا. لكن هذه المرة لن يظهر شعار «Visit Rwanda» على القميص الرئيسي، وسيظهر على قمصان الإحماء، بجانب اللوحات الإعلانية لملعب حديقة الأمراء.

الوجه الآخر

تشير الأرقام الأخيرة التي أعلنتها رواندا إلى زيادة عدد السياح بنسبة 8% نتيجة حملة «Visit Rwanda»، وهو ما يعد نجاحًا ملحوظًا لواحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في القارة السمراء، لكن كما ذكرنا سلفًا، فإن معرفة العالم بدولة رواندا لن تتوقف على الجانب السياحي، ونحن نقصد تحديدًا الوجه الآخر المتعلق بسياسات الدولة الداخلية.

أتى النظام الحالي في رواندا نتيجة للحرب العرقية بين الهوتو والتوتسي في السادس من أبريل/نيسان 1994، حيث استمرت المذابح لمائة يوم وأودت بحياة 10% من السكان، ليتولى الحكم «بيزي مونجو»، الذي استقال سريعًا بعد الفوضى التي حلت بالبلاد، وتولى نائبه «بول كاجامي» الحكم حتى الآن.

ورغم ما يراه الكثيرون من نمو اقتصادي إلا أن الأمور على مستوى القمع وحقوق الإنسان لا تبدو على ما يرام. في عام 2017، أصدرت «هيومن رايتس ووتش» تقارير مقلقة بشأن انتهاكات، شملت اعتقالات تعسفية للفقراء في (مراكز العبور) في جميع أنحاء البلاد، والقمع على نطاق واسع في قضايا الأراضي، والقتل خارج نطاق القضاء والاعتقال غير القانوني والتعذيب في المنشآت العسكرية.

في أكتوبر / تشرين الأول 2017، علقت اللجنة الفرعية لمنع التعذيب التابعة للأمم المتحدة زيارتها إلى رواندا بسبب سلسلة من العوائق التي فرضتها السلطات، كانت هذه هي المرة الثالثة فقط خلال 10 سنوات التي تقوم فيها اللجنة الفرعية بذلك.

علاوة على ذلك، كان هناك تحليل وتعليقات واسعة النطاق حول حالة الديموقراطية في رواندا، حيث الحزب الأوحد بدون معارضة سياسية ذات مغزى ولا حرية صحافة ولا مجتمع مدني مستقل. بالإضافة إلى تعديل الدستور في عام 2015 لتمكين الرئيس الحالي من البقاء في منصبه حتى عام 2034، وهو الذي أعيد انتخابه في عام 2017 بنسبة اقتربت من 99% (النسبة المفضلة للديكتاتوريين).

تغريدة لـ «بول كاجامي» رئيس رواندا

وفقًا للصحفية البريطانية «ميتشيلا رونج»، أخذت الأمور تزداد سوءًا منذ عام 2018، بالتوازي مع زيادة رغبة الحكومة في مطاردة منتقديها في الخارج وإسكاتهم، فيما يسمى بالقمع العابر للحدود، وزعمت في كتابها «Do Not Disturb: The story of a political murder and an African regime gone bad» أن الحكومة الرواندية تستخدم جهازًا شبيهًا بالموساد لفعل ذلك.

استخدمنا حرب الاتصالات والمعلومات أفضل من أي شخص آخر. لقد وجدنا طريقة جديدة لعمل الأشياء.

الرئيس الرواندي «بول كاجامي»

استخدم «بارني روني» الكاتب بصحيفة «الجارديان» تلك المعلومات ليعيد تذكيرنا بذلك الوجه القبيح من كرة القدم، عالم ما وراء ملاك الأندية والشركات الراعية، أو كما وصفه بـ«المكان الذي تجتمع فيه المصالح والرسائل المتضاربة،حيث لا يوجد فيه أحد خارج المظلمة حقًا»، لكن المفاجأة أن الدول الفقيرة قد انضمت لركب المستغلين، وما علينا سوى المشاهدة وانتظار انضمام المزيد.