أنا شاب، وسبعون في المائة من مواطنينا هم من الشباب. لا نريد أن نُضيع حياتنا في هذه الدوامة التي كنا فيها طوال الـ 30 سنة الماضية بسبب الثورة الخمينية، التي سببت التطرف والإرهاب، نريد أن ننهي هذه الحقبة الآن، نريد -كما يريد الشعب السعودي- الاستمتاع بالأيام القادمة، والتركيز على تطوير مجتمعنا، وتطوير أنفسنا كأفراد وأسر، وفي الوقت نفسه الحفاظ على ديننا وتقاليدنا، نحن لن نستمر في العيش في حقبة ما بعد عام 1979، لقد ولّى زمان تلك الحقبة.
محمد بن سلمان – ولي عهد المملكة العربية السعودية

منذ أربع عقود، عصف بالعالم الإسلامي أربعة أحداث متعاقبة، أثرت وبعمق في الحركات الإسلامية في الوطن العربي بأكمله، كان على رأسها توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وفي نفس الشهر استفتاء الإيرانيين وإعلان جمهوريتهم الإسلامية، ولم ينتهِ العام إلا بحدثين غيّرا -فيما بعد- شكل التفاعلات في المنطقة، لاسيما في السعودية؛ الأول ما اصطلح عليه بـ «فتنة جهيمان العتيبي» في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، تبعها احتلال السوفييت لأفغانستان.

كانت هذه الضربات الموجعة للداخل السعودي قد أدت لتحولات في علاقة السلطة السياسية بكل ما هو دين، ومن أهم التيارات التي شاركت في مرحلة ما بعد 79، كان التيار الصحوي أو ما يعرف بـ «الإخوان الجدد» أو «الوهابية الجديدة» والأفضل تسميتهم بـ «التيار الإصلاحي»، ولكي نفهم وضع التيار الإصلاحي يجب الاطلاع على السياق التاريخي لتفاعل المملكة والمؤسسة الدينية، مع تفصيل أحداث العام المفصلي هذا، وكيف ألقى بظلاله على العلاقة بين المؤسسة الدينية والملك السياسي، ثم لنعود بالتاريخ إلى حاضرنا، للإجابة على سؤال: لماذا يخشى ابن سلمان الإصلاحيين؟


بين السياسة والدين

فيصل بن عبد العزيز آل سعود
الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود

نوفمبر/ تشرين الثاني 1964، تقلد فيصل بن عبد العزيز المُلك في المملكة العربية السعودية بعد تنحي أخيه سعود، نظر الملك فيصل لنفسه كوريث للسلطتين، فمن ناحية هو وريث ملك عبد العزيز آل سعود، ومن ناحية أمه فهو ينتمي لأسرة آل الشيخ من تميم والتي يرجع إليها نسب محمد بن عبد الوهاب، ومنها مفتي المملكة. رأى فيصل نفسه وريث الشرفين.

في ذلك الوقت كان الشقاق بين المملكة ومصر الناصرية قد بلغ أوجه، ابتداءً من وحدة مصر وسوريا، ثم محاولة ناصر دعم تحركات أميرية ضد الملك في الداخل السعودي، كما سعى ناصر إلى مد نفوذه إلى منطقة الخليج العربي، بالإضافة إلى توغله في اليمن، هذا التنافس المحموم بين المملكة والجمهورية النابضة في أبعاد عدة منها الإسلامي والعربي وصولًا للأفريقي والعالم الثالث حفّز طرفيه ليستخدم كل منهما أدواته.

مع وصول فيصل تحول نهج المملكة، فسعت بكل قوة لتتحول إلى قلب العالم الإسلامي النابض، فاحتوت الإخوان المسلمين الفارين من أوطانهم كمصر وسوريا، والجماعة الإسلامية في باكستان وبنغلادش فيما بعد، وسعت إلى نشر الدعوة السلفية في المنطقة وخارجها، وأسست منظمة التعاون الإسلامي 1969، لمواجهة جامعة الدول العربية التي تستحوذ عليها مصر. كانت تلك السياسات تدعم وضع وموقف السعودية كقائدة للعالم الإسلامي، وبالفعل آتت هذه المرحلة ثمارها، لكن ما وضع المؤسسة الدينية في السعودية أصلًا؟ وكيف تم توظيفها لتلك المهمة؟

يشير روبرت ليسي في كتاب «المملكة من الداخل» إلى أن المؤسسة الدينية وقتها لم تكن تخضع لسلطة الدولة السعودية، بل كانت شريكًا في الحكم إلى جوار آل سعود، ومن المهم الاطلاع وقتها على دور الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأول للمملكة، والذي أسس الجامعة الإسلامية والرابطة الإسلامية، وكان قاضي القضاة، كما كانت تحتكر مؤسسته تعيين القضاة والدعاة وأئمة المساجد، وكانت تدير وقفًا ضخمًا للإنفاق على هذه المؤسسات والشيوخ المنتمين إليها.

وكان من أعظم تلاميذ الشيخ محمد بن إبراهيم، ابن باز، الذي سيكون له موقف محوري بالنسبة لجميع تيارات الإصلاح، الثورية منها والدعوية، والاثنان لهما منبتان مختلفان، حيث كان التيار الراديكالي والثوري قد نبت داخل تلك المؤسسة نفسها. فقد نشأت الجماعة السلفية عبر شباب كانوا يعملون في الحرس الوطني وكان على رأسهم جهيمان، وبسبب عمليات التمدن رغب الشباب في المشاركة لإصلاح المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على غرار الهيئة الموجودة فعلًا، وفي مقابلتهم مع الشيخ ابن باز الذي بارك جهودهم، وذلك قبيل وفاة الشيخ محمد بن إبراهيم بأربعة أعوام.

أشار عليهم ابن باز بإضافة الاحتساب إلى اسم الجماعة لتصبح (الجماعة السلفية المحتسبة)، وبعد توليه أعلى الهرم الديني في 1969 جراء وفاة شيخه، كان يغدق عليهم من الوقف ويتكفل بأنشطة الجماعة. رافق ذلك توجه الملك فيصل لحيازة الصدارة من مصر والأزهر في العالم الإسلامي وقد كان، وأصبحت السعودية وقتها تموج بكل التيارات الإسلامية، قِبلة للدين والإسلام السياسي.


ولادة تيار الإصلاح

مطلع الستينيات عاد الشيخ عبد الرحمن الدوسري من الكويت إلى الرياض ليستقر فيها، ونظرًا لوضع الشيخ المطلع على العديد من التيارات فقد تبنى مع الوقت المنهج القطبي، يمكن تسميته بالسلفي القطبي الأول، وفتح مجلسه للعديد من التيارات الدينية المختلفة ورموزها، وعلى رأسهم محمد قطب، الذي ربطتهم به علاقة شخصية قوية، وقد كان هناك اتفاق ضمني بين الإخوان والدولة السعودية بأن يعيشوا في أمان، مقابل عهدٍ بألا يعملوا على أهل البلاد أنفسهم ولا يجندوهم.

لكن في مجلس هذا الشيخ حدث الأمر الذي كانت تحذره الدولة، وتمت المزاوجة بين التيار الإخواني متمثلًا في جماعة الشيخ محمد بن سرور الذي كان مشاركًا في هذا المجلس وبين تيار السلفية. كان في هذه الفترة الشيخ محمد بن إبراهيم يوافق على إذاعة دروس حول كتاب «في ظلال القرآن» لسيد قطب على الإذاعة السعودية، ويشير سرور في لقاء مع عزام التميمي في برنامج مراجعات على قناة الحوار إلى أن الملك فيصل نفسه كان يستعين بمقولات لسيد قطب في خطاباته.

ومع هذا الموقف من المؤسسة الدينية في البلاد اشتد عود هذا التيار وقوِي، وكان أبرز من فيه الشيخ السوري محمد سرور، وبأسلوبه استطاع أن يحظى بشعبية ما داخل هذا المجلس، وعبر دروس أقامها سرور في بُريدة بالقصيم بدأت شرارة هذا التيار في اللمعان، وارتادَ هذا المجلس بعض الأطفال والشباب حديثي السن؛ أمثال سلمان العودة، وسعيد الزعير، وعوض القرني، والشيخ سفر الحوالي وغيرهم من مشاهير الحركة الإصلاحية في التسعينيات.

كان أهم ما يميز هذا التيار عدة أمور أهمها؛ معاداتهم للعلمانية مع الانفتاح النسبي للتعامل مع الغرب، ومعاداتهم الشديدة لتيارات الناصرية والقومية، ومعاداة الشيعة السياسية ربما كان بسبب الوضع الطائفي الذي أتى منه الشيخ سرور من سوريا، كما اهتم هذا التيار بالعمل الحركي السلفي المتمثل في الاهتمام بالأبحاث والدراسات والتوجيه، والاهتمام بشكل بالغ بالعمل الخيري.

لذا فإننا سنجد أن هذا التيار أنشأ العديد من المؤسسات، التي أشرف عليها سرور الذي انشق عن الإخوان عام 1968، وتبنى منهج السلفية الحركية التي ستعرف بـ «التيار الإصلاحي». كانت من هذه المؤسسات جمعية الإحسان الخيرية التي تأسست بلندن، ومراكز دراسات مثل مركز الدراسات الإستراتيجية، ومركز دراسات السنة النبوية والذي صدرت عنه مجلة السنة التي ستكون بوقًا لهذا التيار في التسعينيات. كان الاهتمام بالعمل الحركي والدعوي أحد أهم مميزات التيار الإصلاحي، حيث انتشرت تلك المؤسسات في مصر واليمن ودول الخليج وشرق آسيا، ولعبت -فيما بعد- دورًا مهمًا في أحداث ما بعد 1979.


الثورة.. الثورة

لم يكن حادث جهيمان واحتلال الحرم المكي في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 حدثًا منقطعًا من سياقه، وكأنه ردة فعل على الثورة الخمينية كما يصور البعض، أو مثالاً للتكلس والجمود داخل المجتمع السعودي، إنما كانت ثورة لها جذور في المجتمع السعودي نفسه.

سمى جهيمان الجماعة المحتسبة بالإخوان* ويقصد بهذه التسمية الامتداد التاريخي للإخوان الذين قامت على أكتافهم المملكة، أولئك البدو من قبائل مطير وعتيبه الذين غدر بهم عبد العزيز آل سعود، بعد أن رفضوا إيقاف «الفتوحات» عام 1929 بعد معاهدته مع بريطانيا لترسيم الحدود مع العراق، كما رفض جزء منهم عمليات تحويلهم لجيش نظامي، لذا رفضوا إطاعة أوامره، ولأنه لم يعد لهم حاجة أمرهم بالانضمام إلى الحرس الوطني وإلا سيحاربهم، وما إن رفض جزء منهم حتى أرسل قوات بأسلحة بريطانية في مارس/ آذار 1929 ليقتل ويأسر منهم المئات.

كان أحد الأسرى والد جهيمان كما ذكر روبرت ليسي، وبالرجوع إلى الجماعة السلفية المحتسبة سنجد غالبية المنتمين لها من ذلك النسب ومن الحرس الوطني، والذي حافظ البعض منهم على خصومة وإن كانت نفسية مع آل سعود. على جانب آخر كانت طفرة سعر البترول من جراء حرب 1973 قد أحدثت نموًا استهلاكيًا وتمدنًا سريعًا في السعودية، مما استدعى أثرًا لرفض التمدن وحياة الغرب، وكان أول من تصدر لهذا السلفية المحتسبة، وقد غض الطرف عنهم ابن باز كونهم يدافعون عن حوزة الدين.

وأصبحت الجماعة تتشدد منذ عام 1974 مع تصاعد مظاهر الترف، إلى أن بلغت القطيعة عام 1978، كما ذكر ناصر الحزيمي في كتاب «أيام مع جهيمان»، وفي ذلك الوقت حاول ابن باز دعوتهم إلى التخفيف في أسلوبهم، لكنهم أبوا، فقطع عنهم الدعم، ومع ذلك توسط عند الملك خالد للإفراج عن 30 شخصًا منهم قبيل اقتحامهم للحرم.

«جهيمان العتيبي» بعد القبض عليه وتظهر عليه آثار الغاز

لم تكن هذه التحركات دينية محضة، بل تمتعت بامتداد مجتمعي واقتصادي يؤكد أنها كانت ثورة مسلحة محدودة. في هذه الأثناء قرب الملك خالد منه الجناح السديري من الأسرة الحاكمة كالملك فهد وسلمان والأمير سلطان ونايف، وهو جناح ذو ترف ويفضل التيار العلماني والانفتاح على الغرب، وسار خالد على نهج فيصل، فكان يستجيب بسرعة للمؤسسة الدينية وعلى رأسها ابن باز.

أدركت العائلة المالكة بعيد انقضاء أحداث جهيمان والسيطرة على ثورة الشيعة في المنطقة الشرقية أن حكمها على وشك السقوط، لذا سعت إلى ضم المؤسسة الدينية إليها بشكل مطلق، وضرب أي تيار خارجها، والتضييق على المؤسسة الرسمية نفسها التي أدت إلى ظهور هذه الجماعة، مع إدراكها إلى مدى افتقارها وحاجتها لهذه المؤسسة التي تستمد من خلالها بعض الشرعية. لذا فهي أدركت أن حالة الثورات تلك لن تنتهي إلا بإصلاحات سياسية، وأعلن الملك وقتها عن إنشاء مجلس الشورى، وسعى لإجراء بعض عمليات التحديث السريعة في ظل بسط النفوذ على المؤسسة الدينية، كما تم قبول التيار الإصلاحي التدريجي كبديل شرعي للتيار الراديكالي.


استغلال واستهلاك

بعيد الثورة الإيرانية هنأت السعودية الخميني وأرسلت الوفود لذلك، كانت خصومة السعودية مع إيران بهلوي قوية بسبب النفوذ في منطقة الخليج العربي، حيث كانت إيران وقتها في الحلف الغربي مع بريطانيا وأمريكا. يُعتبر هذا إشكالاً لأن وضع السعودية ضعيف بين قوتين؛ إيران في الشرق ومصر في الغرب، لكن في صيف العام نفسه بدأت بودار تمرد للشيعة في المنطقة الشرقية، وفي نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني -نفس الشهر الذي حدثت فيه أحداث جهيمان- كانت المنطقة الشرقية لا تهدأ، ما استدعى تدخل الأمراء وعلى رأسهم الأمير سلمان ملك السعودية الحالي، لإجراء مفاوضات استمرت حتى إبرام اتفاقيات عام 1994.

في هذا الوقت كان محمد بن سرور في الكويت يؤلف كتاب (وجاء دور المجوس)، الذي طبعه في مصر، وما إن علم به ابن باز حتى أشرف على شراء الآلاف من النسخ وتوزيعها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن التيار الإصلاحي انهمك في مهاجمة الشيعة لذا لم تهاجمه السعودية وتقوض جهوده، حتى عاش عصره الذهبي. وفي جانب آخر لما جاء الاحتلال الأفغاني من قبل السوفييت، وحثت أمريكا السعودية على دعم «الجهاد» فيها، جرى امتصاص الحركة الراديكالية في الداخل، التي رفضت التدخل الفرنسي في أحداث جهيمان، بالإضافة لتمردها على عمليات العلمنة والتمدن السريعة.

ويمكن الإشارة هنا -أيضًا- إلى أن المملكة استفادت واستغلت هذا الأمر، حيث صدّرت مشكلاتها الداخلية التي كادت تفتك بالوضع السياسي فيها إلى الخارج، كما واستقبلت مواجهة الإصلاحيين للمشروع الإيراني بالترحاب، ويكأنها قد نُجِدت من السماء باستغلال الحالة الأفغانية، واستهلاك الإصلاحيين في العداوة الإيرانية.


الصحوة

في شريط له بعنوان «لماذا تسقط الدول؟» كان الشيخ سلمان العودة يهاجم تدخل الدولة في الأديان والتحكم في مصائر الناس، مطلع التسعينيات. ومع احتلال صدام للكويت، وعرض الولايات المتحدة لتخليص السعودية من ذلك الاحتلال، استدعت الأسرة الحاكمة والدولة عداءً من جديد، بالرغم من أن ابن باز الذي رفض سيطرة المهندسين الأمريكيين الزراعيين على الأراضي في السعودية عام 1944 بحجة أنهم «كفار»، هو نفسه الذي أقر بـ «جواز الاستعانة بالكافر» لتحرير أراضي الكويت. في ذات الوقت كان هناك عدد ضخم عائد لتوه من أفغانستان، على رأسهم بن لادن، بالإضافة لنمو التيار الإصلاحي أو ما سيعرف بتيار الصحوة فيما بعد، وقد صار له أتباع، وأصبح تيارًا جماهيريًا.

رفض هذا التيار الاستعانة بالأمريكان كما بدت هناك حالة من الغضب في أروقة الشباب، بدأت تتبلور هذه الغضبة في إحراق محلات الفيديو .. إلخ. على جانب آخر استغل هذه الغضبة البعض ليرسلوا رسالة مع بعض الشيوخ وهم العبيكان وزعير والعواجي للملك فهد رغبةً في الإصلاح. وللمرة الثانية لم يكن هدف تلك الصحوة رفض الاستعانة «بالكفار» فقط، بل كان لها أبعاد في مواجهة العلمنة والتحديث في المملكة، وبالرغم من موافقة القصر لمناقشتها مع الأمير سلمان أمير الرياض، إلا أن تسريب الرسالة إلى الناس أحدث غضبة لدى النظام، تُرجمت في اعتقال رموز هذا التيار.

وبنهاية التسعينيات، بدأ الإفراج الجزئي عنهم مع شروط بعدم ممارسة الدعوة، وبعيد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 سمح لهم تدريجيًا بمزاولة الدعوة على استحياء، وذلك لاحتواء التيار الجهادي والسماح بوجود حالة من الاتزان، إلا أن هذا التيار الذي أعلن مراجعاته في عدم مناصحة ولي الأمر في العلن قد بدأ يحتج مرة أخرى بصوت عالٍ مع حرب العراق 2003، وكان ذلك من خلال سفر الحوالي، الذي سينتهي به الحال معتقلًا في عام 2018، بسبب كتاب ألفه بعنوان «المسلمون والحضارة الغربية»، ينتقد فيه المملكة وخصوصًا في الأعوام الأخيرة.


ملتقى النهضة

جهيمان العتيبي عد القبض عليه ويظهر عليه آثار الغاز
جهيمان العتيبي عد القبض عليه ويظهر عليه آثار الغاز

يعتبر سفر الحوالي ممثلًا لتيار الصحوة القديم، أما سلمان العودة فوجه قديم لكن بمراجعاته اتخذ منهجًا وتيارًا جديدًا. أسس العودة مشروع النهضة وهو ملتقى سنوي للشباب غالبيتهم من دول الخليج، وانعقد أول مرة في البحرين في أغسطس/ آب 2010، والقارئ في أفكار العودة المتأخرة سيجده يؤكد على: 1-التخلي عن شعار الخلافة 2- القطيعة مع المثالية التاريخية 3- الاهتمام بالفردية غير الأنانية 4- الحركية الدؤوبة 5- الانفتاح على الآخر 6- التخلي عن الهوية الجزئية كالمظهر وخلافه، بالإضافة للأفكار الدينية السلفية.

تميز فكر العودة بهذا الطابع الخاص الذي جعل له شعبية جارفة، لكن ليس هذا فحسب ما يقلق ابن سلمان، وإنما انفتاحه على التيار العلماني والتحاور معهم والاستفادة منهم أيضًا، فالملتقى الثاني كان بعد الربيع العربي 2011، وهنا اهتم العودة في قطر أن يستضيف عزمي بشارة في محاضرة عن المجتمع المدني، بل كان يحث أبناء التيار الإسلامي بدراسة العلوم الاجتماعية، وفي العام الذي يليه انعقد الملتقى في الكويت وقد ضم متحدثين سعوديين علمانيين.

كل ذلك جعل من تواجد الرجل بخلفيته الإصلاحية أمرًا مقلقًا على ابن سلمان، فمن ناحية العودة يهتم بالحركية، ومن ناحية أخرى يولي أهمية كبرى للتحاور مع الآخر، وكأنه يلغي احتكار الدولة لعمليات التحديث والعلمنة، فهو بالرغم من أصالته ووهابيته، يمتلك القدرة على الدخول في حوار مع الآخر، كما حدث فيما يخص آراءه حول المثليين.

لا يمكن اعتبار الطريفي يمثل هذا التيار في حين يعتبر الطريفي أكثر تقليدية من العودة. امتلك العودة علاقات بالعديد من التيار المدني الإصلاحي في السعودية وعلى رأسهم خاشقجي، كما عارض الانقلاب في مصر وحصار قطر، كل ذلك كان بالتجاور مع دعوته التي تلقى قبولًا شبابيًا، ما جعل هذه التركيبة مخيفة في ظل تحول النظام والتخلي ليس فقط عن الإصلاحية وإنما التخلي عن الوهابية كليةً، وبالرغم من ذلك فالنظام لم يطق أن يعمل في ظل منافس يستطيع تقريب وجهات النظر وتقديم بضاعة أفضل مما يقدمها النظام نفسه.


* يشير لفظ الإخوان هنا للمسمى الذي أطلقه جهيمان وجماعته على أنفسهم في مقر الجماعة السلفية المحتسبة، ولا تمتد بصلة إلى حركة الإخوان المسلمين.