تميز المخرج (وونغ كار واي) عن قُرنائه في (هونج كونج) بعدّة أساليب تجريبية مُتفردة، سواء على مستوى الكتابة الإبداعية أو تعامله مع الممثلين أو حتى منطقه البصري الغالب في أفلامه، سنعرف هنا الأسباب التي أدت به إلى هذا النوع من الأساليب، وما هو صوته الكتابي والإخراجي، وكيف أثّر ذلك الصوت على أفلامه بشكل جعله خارجًا عن المألوف ليس محليًا فقط بل عالميًا أيضًا.

وونغ كار واي هو أحد أهم صناع السينما في آسيا خلال الخمسين عامًا الماضية، كما أنه أحد أكثر المخرجين تأثيرًا في السينما العالمية، ببصمة خاصة ضمنت له الفوز بالعديد من الجوائز، من بينها جائزة أفضل مخرج من مهرجان كان السينمائي في عام 1997.

طور التكوين «الصدمة والهوية»

يقع الحُب في مُنتصف الخط في أفلام (وونغ) لذلك فهو يمارس سلطته على الحب بشكل تسلطي، فيمد الخط إلى أبعد مدى، ويضع على حافتيه الوحدة والفقد والانكسار، وعلى غرار ذلك تبدو شخصيات (وونغ) كموجودات أذلّها الحب، فالحب بالنسبة له مثل لوثةٍ ألمت بوجدانه. وبناءً عليه؛ يتمرغ (وونغ) في خياله، لمحاولة خلق نسقٍ وافٍ للتعبير عن ذلك النوع الخاص من الحُب، ولهذا تبدو أفلامه كنسق داخل نسق داخل نسق أكبر، كحشد من الأصوات ممتلئ بالإحالات والأكواد التي تُعطي عُمقًا لتلك الأنساق بما يجده المتلقي من أشياء مُشتركة بينه وبين الحكايات.

وهذا يُحيلنا لنشأته، يُمكننا القول إنه قد عانى من صدمتين هائلتين، الأولى عندما هاجر من (شنغهاي) إلى (هونج كونج)، هذا التغيير الخاطف يستدعي صدامية بين النسق هُنا والنسق هُناك، فـ(هونج كونج) كانت تقع بمعزل تام عن باقي الصين، من حيث الإدارة والنمو الاقتصادي وأسلوب الحياة، حتى اللغة كانت مُختلفة، وذراع الثقافة الغربية المُمتد أثّر بشكل واضح على سير المدينة، باختصار كانت (هونج كونج) كمدينة لفظها الشرق، بيد أنه استطاع أن يمتص تلك الصدمة بفضل أمه العاشقة للأفلام، فكانت أمه هي الثقب الذي تلصص منه على العالم، فعرّفته السينما وكانت ـ-تقريبًا- صديقته الوحيدة.

انطلق (وونغ) على ذراع أمه، تلتقط أذنه المُوسيقى داخل المطاعم في وقت الغذاء، موسيقى غربية في كثير من الأحيان، ليصعد ويرى الثراء المعرفي والثقافي الذي تتسم به تلك البلدة كمُنتج مزج بين الغرب والشرق، وينتقل من الصدمة إلى الانصهار والذوبان فيما تخلفه تلك الصدمة من ثراء هائل، وسنلاحظ ذلك التأثر بالمدينة في أفلامه، وليست معالم المدينة الجغرافية فقط، إنما السينما السائدة في المدينة آنذاك، فنجده متأثرًا بمخرجين مثل (جودار) و(تروفو) و(أنطونيوني) و(فيلليني)، وأفلام الـ(ووشيا) الشهيرة في هذا الوقت، والموسيقى بأنواعها في المطاعم.

خلّفت تلك اللحظات أسلوب (وونغ) السينمائي، بيد أن طور التكوين لم ينتهِ عند ذلك الوقت، فـ(وونغ) ما انفك يُغير جلده، مُمتلكًا الفضول الكافي للخوض في تجارب مُقلقة وجديدة، ولكنه بأي شكل لا يقبل التصنيف، وهذا يُحيلنا للصدمة الثانية.

وونج كار وي
وونج كار وي

الصدمة الثانية أوغلت في هونج كونج على مرحلتين، الجزء الأول من تلك الصدمة يتمحور حول اتفاقية «الإعلان الصيني البريطاني المشترك» عام 1984، التي مهدت لحقبة رمادية انطبعت بتساؤلات الحقيقة الجوهرية واضطراب الهويّة، تنص الاتفاقية على تسلم (هونج كونج) للصين في عام 1997. ويقول (أكبار عباس Ackbar Abbas) أستاذ الأدب المقارن بجامعة كاليفورنيا ورئيس قسم الأدب المقارن في جامعة هونج كونج سابقًا عن تلك النقطة في كتابه «Hong Kong: Culture and the Politics of Disappearance»:

أثار هذا العد التنازلي للسنوات أزمة الهويّة بالنسبة لمواطني هونج كونج، مع احتمالية غزو ثقافي أجنبي على وشك أن يفرض نفسه من قِبل الصين، لذلك تشهد هونج كونج في اللحظات الأخيرة بحثًا مُكثفًا عن شيء يحسم هويتها.

الجزء الثاني كان تطلعًا لمستقبل غامض يلوح من بعيد مشوهًا. في عام 1997 الوقت الذي استردت فيه الصين الشعبية مدينة (هونج كونج)؛ وعدت بخمسين عامًا من الاستقرار وعدم التغيير من الناحية الاقتصادية أو الإدارية للبلاد، بيد أن تلك الواقعة شكلت متوالية فكرية وحفزت حشدًا من الأخيلة والتطلعات عن مُستقبل مجهول، وولّدت زخمًا هائلاً من الأفكار والأطروحات، فغيّرت المسار الفكري الذي ينتهجه المُخرج منذ البداية. وهذا التغير يطبع أفلام (وونغ) نفسها. ويُمكننا إرجاع النزعة الجدية في التجريب والبحث عنده لذلك النوع من الأحداث والتغييرات.

من أفلام وونج كار ووي
من أفلام وونج كار ووي

استحداث الأسلوب «القيمة الجمالية في الاضطراب – Aesthetic of Disturbance»

في السبعينات السينمائية بهونج كونج، تأثر أغلب المُخرجين بالتقنية الهوليوودية الحديثة، وانشغلوا في محاولة لمُحاكاة التقنية مع الوضع في الحُسبان المزج الثقافي والانبهار الحركي الذي تتميز به هونج كونج منذ بدايتها، لذا أخذ المخرجون أغلب التقنيات وطبقوها بشكل يخدم النصوص، بل وطوروها؛ ولكن اقتصر العمل أو التطوير على إطار مُعين لا يُخالف البنية الأساسية للتقنية السردية، بمعنى أنهم حافظوا على الترتيب بحيث يحافظون على مبدأ الوضوح الذي يضمن المردود القادم من المتلقي، لأنه يخدم بشكل ظاهري الحبكة التراتبية وسهم الزمن الذي ينطلق من الأمام للخلف، حتى لو انقطع هذا السهم بعدة لقطات فلاش باك لا تضر بالمضمون، وكأنهم يعلنون أن التقنيات السردية والتكنولوجية قد بلغت (هونج كونج).

هذه التقنيات تشمل Rack Focus) ،Close Up ،Fast Cutting) بالإضافة لتعديل كبير في حركة الكاميرا لتواكب نوع السينما الجديد، لتجد تطويعًا جيدًا من قِبل المُخرجين يخدم سينماهم الخاصة. بيد أن كُل تلك المُحاكاة والتطويع والمحاولات كانت تقع في البقعة الآمنة Safe Zone بحيث تضمن للمُنتج السينمائي المردود الجماهيري في شباك التذاكر، دون المُخاطرة بالمال والمجهود التي لم تكن تحتمله سينما هونج كونج في ذلك الوقت، لذلك كانت أفلام (وونغ) الأولى تفشل فشلاً ذريعًا في شباك التذاكر، لأن أغلبها يعتمد على نسق مُعين في السرد يُسمى بـ(جمالية الاضطراب).

خلال سبعينيات القرن المُنصرم، في وقت انتشار الموجة السينمائية الجديدة في (هونج كونج) كانت السينما تحكمها قاعدتان مُهمتان، تدور في فلكهما أغلب الأفلام، وهما قاعدة الوضوح، بحيث تظهر الحبكة بشكل يُساعد المُشاهد العادي في الولوج لعالم الفيلم، وهذا يظهر من خلال الكتابة والترتيب والقطعات المونتاجية، بحيث يتم بناء النسق السردي على هيئة حلقات مُتتابعة تشمل جميع الميزات المذكورة سابقًا، وهذا الدمج يولد جسرًا بين الصانع والمُتلقي.

من فيلم Ashes of Time - إخراج وونج كار ووي
من فيلم Ashes of Time – إخراج وونج كار ووي

القاعدة الثانية هي ليست قاعدة بل أشبه بكود أخلاقي مُعين، يستسيغه الناس، بحيث يصبح البطل -في أغلب الأوقات- شخصًا خيّرًا، يُقاتل الأشرار، بالإضافة لظهور أغلب الشخصيات بمظهر الخانعين دينيًا، يرجعون للدين ويظهرون في بعض المشاهد كأشخاص يتعبدون لرموز الديانة المانوية (Manichaeism). ومن هذه القواعد ينطلق فيلم إمكانية نجاحه في شباك التذاكر عالية، لأنه يلعب على نقطتين مهمتين، الوضوح التعبيري والأخلاق، ويوظفهم كأشياء مُهمة بالنسبة للمُتلقي.

بيد أن (وونغ) اخترق هذه القواعد منذ بداياته، مُتمردًا على السينما المحليّة، مُستخدمًا تقنية سردية خاصة به، وتلك المنهجية تُعزز جمالية الصورة، وهذا لا يعني أنه كان ضد مبدأ الوضوح التعبيري بشكل مُطلق، إنما أخذه وطوره بحيث تنضح سينماه بصور تعبيرية وعاطفة مُنفجرة تُثير العاطفة عند المُشاهد نفسه، كما أنه اكتسب قيمة الاضطراب، أي أن بإمكانه إزعاج الحبكة بشكلٍ خاص، ولهذا يُمكن أن تظهر حبكة (وونغ) كشيء عارض داخل أفلامه، شيء أكثر غموضًا من الشخصيات نفسها، شيء خارج عن المألوف يحتاج أن تُكرس كُل طاقتك الشعورية والبصرية لتتبعه بقلبك وبعاطفتك، ومن المُلاحظ أن المُتلقي يتوحد مع الشخصيات بشكل أكبر من الحبكة. ومن أهم العوامل التي أدت به للوصول لتلك المرحلة أن التطوير السردي لأفلامه يحدث بشكل يومي، حيث أنه لا يصور بسيناريو مكتوب قبلاً.

ولكن (وونغ) أيضًا لم يتخلّ عن تقنية الحلقات السردية، بيد أن تلك الحلقات كانت ثقيلة بالمُقارنة بالمُخرجين الآخرين، مما أدى لنوعٍ من الضبابية، والتخلي عن بعض من قوة الفكرة في سبيل الشعور، يُجري (وونغ) الكثير من عمليات الحذف في المونتاج وخلال التصوير، مما يُفضي لنوع من التشوش في الفهم، وصعوبة في هضم الفكرة الكُليّة خارج إطار الفيلم نفسه، وهذا يعني أنه يقوم بعملية تجريد للفكرة، حتى يصل للشكل النهائي الذي يأخذ هيئة مشوهة -إذا قارنّاها بالحبكة التقليدية- ولكنها مُفيدة لمنطق الجمال، إنما يصبح من الصعب إدراك التصميم النهائي للحبكة لأنها لا تخضع لنفس المعايير التي تخضع لها الحبكة العادية، مما يجعل النقاد يصفون حبكاته بالمفككة، ولكنها بالطبع ليست عرضية.

من فيلم Happy Together - إنتاج عام 1997
من فيلم Happy Together – إنتاج عام 1997

الأبطال/الشخصيات/الممثلون

أما بخصوص الكود الأخلاقي، فمن المعروف أن أبطال (وونغ) ليسوا أبطالاً، ولا يحملون كميات هائلة من الخير، ولم يسعَ أي منهم للفضيلة بأي شكل من الأشكال، بل في معظم الأفلام تبدو الشخصيات مُنغمسة في الخطيئة، لذلك كانت أفلام (Fallen Angels) و(Days Of Bieng Wild) و(As Tears Go By) وحتى رومانسيته الخفيفة في (Chunking Express) كانت الشخصيات مزجًا بين نورٍ وظلام، أو مُمرغة حد الأذنين في طين الإثم، تتحرك تحت جُنح الظلام. بيد أن غير المألوف هو عدم إنفاق هذه الشخصيات حياتها في التكفير أو التبرير، بل يعيشون من أجل أهداف أخرى، يبحثون عن الحب في محاولات بائسة للتحرر من أغلال الوحدة، تقع الشخصيات عنده على مسافة كبيرة من الخير والفضيلة، فهي دائمًا مُحطمة ووحيدة ولا تنال مُرادها في النهاية، الدماء متناثرة والعظام مُكسرة، والقلوب مُحطمة حتى النهاية.

يعمل (وونغ) مع الممثلين بطريقة غير تقليدية، السيناريو غير المكتوب يجعل من التصوير شيئًا مُبهمًا وغير واضح حتى بالنسبة للممثل الذي يضطر للعمل على شيء لا يعرف نهايته، يطور (وونغ) السيناريو عبر ما يراه خلال الممثلين، يستنبط من شخوصهم أبطاله، وما يفعله الممثل خلال التصوير يعتبر إلهامًا حقيقيًا له في الكتابة، وهذا يجعل المُنتج النهائي مختلفًا تمامًا عن الفكرة الأصلية، لذا فالممثل يعتبر ركنًا رصينًا في العملية التأسيسية وبناء الفيلم، كمُشارك أصلي في السيناريو بوجوده الحي، و يقول الممثل الموهوب (توني لونغ) عن علاقة (وونغ) بالممثلين:

يعطي (وونغ) للممثلين حُرية عارمة، بيد أن تلك المساحة مُجردة من قيمتها، فأنت لا تعرف ما يحدث داخل تلك المساحات، نعم، هُناك مساحة كبيرة، ستقول لنفسك: عليك أن تفعلها، والسؤال هنا: أفعل ماذا؟

لذا فحضور ممثل بعينه في أفلام (وونغ) شيء حتميّ في الحكي، بحيث إذا بدّلنا بعض الممثلين بممثلين آخرين لن تسير الحكاية كما هي، ويمكن أن تفسد، أو يظهر لها بُعد آخر تمامًا، لذا فحضور الممثل يتطلب سردية تكون دائمًا في تطور وتدفق، والعكس صحيح، فالذروة في فيلم (في مزاج الحب) لا تقع في الأحداث، ولكنها تقع في وجوه وأجساد الممثلين، لذلك فتطوير السيناريو ليس شيئًا مهمًا مقارنةً بالصورة عند (وونغ) كما قلنا سابقًا، بالطبع تطوير السيناريو مهم ولكن بالنسبة له في المقام الثاني فكُل الحكاية تقع في الصورة -الميزانسين- فالمعجون السردي للحكاية يذوب داخل المنطق البصري المعول عليه، وربما يختفي تمامًا دون أثر.

من فيلم Days of being Wild - إنتاج عام 1990
من فيلم Days of being Wild – إنتاج عام 1990

يحظى الممثل عند (وونغ) بمرتبة مُقدسة لكنها لا تخلو من الطين، ومن الطريف معرفة أنه يقوم بعمل تجارب الأداء في كُل فيلم لنفس الممثلين تقريبًا -رغم معرفته بهم وعمله معهم في أفلام كاملة- بمعنى أنه يُمكنه إخراج فيلم من بطولة الممثلة الجميلة (ماجي تشيونغ) ليدخل في مشروع آخر يطلب فيه نفس الممثلة؛ بيد أنها يجب أن تقوم بتجربة أداء جديدة كُليًا. يتحدث (وونغ) عن هذه النقطة ويقول إن تجارب الأداء تقرب المسافات بين المُخرج والمُمثل وبين الشخصية والمُمثل، وعلى هذا الثالوث المُقدس أن يملك القدرة الكافية على الترابط والتحمل لإكمال الفيلم والدخول في مُناخه الخاص، لذا فتجارب الأداء بالنسبة له دائمًا تكون مُخضبة بلمسة سحرية من خفة الظل والصداقة، وغرضها الأول التعارف بين هذا الثالوث، أكثر من الاختبار للجودة.

المراجع
  1. Wong Kar-Wai: The Actor, Framed (uncorrected proof
  2. Wong Kar-wai: Global Cinema, Local Hong Kong
  3. The Sensuous Cinema of Wong Kar-wai: Film Poetics and the Aesthetic of Disturbance – Chapter 1
  4. كتاب: Film History An Introduction By Kristin Thompson David Bordwell
  5. Christopher Doyle: Filming in the Neon World
  6. Wong Kar Wai – EXCLUSIVE Interview on 2046
  7. Working with Wong Kar Wai || Christopher Doyle || Working with the Director
  8. Interview Wong Kar Wai on music (2046 and In the Mood for Love)
  9. Wong Kar Wai at the Museum of Moving Image 2008 (Intro by Ang Lee