ما زلت أنحني أمام برتولوتشي وأنا أفعل ذلك منذ أول فيلم له «قبل الثورة» عام 1964، ولطالما رغبت بعمل مثل هذا الفيلم وقد فهمت في أكثر من مناسبة بأنني لن أنجح أبدًا في مقارنة معه، فأنا دائمًا ما قبلت بهذا المخرج بوصفه جزءًا من التراث الكبير للفن الإيطالي.
مارتن سكورسيزي من كتاب «مسراتي كسينمائي»

«برناردو برتولوتشي» المعلم الإيطالي الكبير المولود في بارما 1940. كان برتولوتشي رغم شغفه الكبير بالسينما يرغب في أن يصير شاعرًا تأثرًا بوالده الشاعر الإيطالي «أتيليو برتولوتشي»، لكن لقاء مع «بيير باولو بازوليني» الشاعر، والروائي، والمخرج الإيطالي الأكثر جدلاً، تبدل مساره إلى الأبد، فحين يقول برتولوتشي لبازوليني إنه يريد أن يصير شاعرًا يخبره الأخير أن «السينما قد تكون هي الشعر نفسه».


المسيرة السينمائية لبرناردو برتولوتشي

يقول برتولوتشي «كان علي إذن أن أجد لغتي وكانت لغتي هي السينما».

تمتد المسيرة السينمائية للإيطالي الكبير لتشمل ما يزيد عن خمسة عقود -تتخللها بعض الانقطاعات- من عمر السينما منذ بداية عمله مطلع الستينات وحتى آخر أعماله «Me and You» عام 2012، والذي يعود فيه إلى تيماته الأثيرة كالتمرد والعزلة وإلى التصوير بلغته الإيطالية بعد غياب ثلاثين عامًا عنها. سنرصد في هذه المساحة أهم الأفلام التي حققها خلال مسيرته.

«Before the Revolution» هو فيلمه الأهم في عقد الستينات وبدايته الحقيقية. الفيلم أشبه بسيرة ذاتية، ورؤية شاعرية وحالمة لجيل متمرد وغاضب يحلم بالثورة ويسقط في براثن اليأس. عقد السبعينات هو الأعظم في مسيرة برتولوتشي، وهو العقد الذي صنع مجده كسينمائي حينما افتتحه بتحفته «The Conformist» عام 1970، عن رواية لـ«ألبرتو مورافيا»، الفيلم الذي يراه معظم نقاد برتولوتشي أفضل أفلامه وأكثرها اكتمالاً.

أما «Last Tango in Paris» (رقصة الثورة والبرجوازية) فهو فيلمه الأكثر إشكالاً والذي لم يتوقف عن إثارة الجدل منذ ظهوره وحتى الآن. يأتي بعد ذلك فيلمه الملحمي «1900» والذي يقول عنه برتولوتشي:

حقيقة مر علي زمن اعتقدت فيه أن التناقض يكمن في أساس كل الأشياء، وهذا يفسر ذهابي لإخراج فيلم عن مولد الاشتراكية ممولاً بدولارات أمريكية، في هذا الفيلم جمعت بين ممثلي هوليود وفلاحين من «وادي إل بو» لم يسبق لأحد منهم أن شاهد كاميرا من قبل.

بالإمكان أن نتوقف في عقد الثمانينات أمام فيلمه «The Last Emperor» والمتوج بتسع جوائز أوسكار منها أفضل إخراج، وأفضل سيناريو مقتبس. عبر ما يزيد عن ثلاثة عقود يستمر برتولوتشي في إنجاز أفلام سينمائية متفاوتة المستوى وتبتعد كثيرًا عن ذاتية، شاعرية وثورية أفلامه الأولى، نلمح فيها أحيانًا آثارًا وظلالاً باهتة للتيمات والأفكار التي طالما شغلته طوال مسيرته السينمائية، لكن لا شيء اقترب أبدًا من أفلامه التي أنجزها في السبعينات العظيمة.


برتولوتشي الحائر بين الامتثال والثورة

برتولوتشي الذي يرى التناقض في قلب كل الأشياء، وأنه هو المحرك الرئيسي لكل فعل،يجمع في منجزه السينمائي بين المتناقضات، فهو فرويدي وماركسي.

أهم اكتشاف بالنسبة لي من أحداث مايو 1968 أنني اكتشفت البعد الفردي للثورة.

هذا البعد الفردي في أفلامه موجود في الجدل بين القمع الجنسي والتحرر، في الربط الدائم بين ما هو ثوري وجنسي، ذاتي حتى حين يصنع فيلمًا ملحميًا مثل 1900.

لقد أنجزته لأستعيد الروابط العاطفية مع أبي.

هناك مسار ثابت يحكم حركة أبطاله الرئيسيين من اندفاعهم نحو الثورة وإذعانهم للهزيمة. «فابريزيو» في «Before the Revolution» الحالم بالثورة، والمتمرد على تقاليد وأخلاقيات البرجوازية التي ينتمي لها، ينضم إلى الحزب الشيوعي، يرفض أن يتزوج من «كليليا» والتي كان مقررًا أن يتزوجها حسب أعراف العائلة، ويدخل في علاقة جنسية مع خالته الفصامية (دائمًا ما يمزج بين ما هو سياسي وما هو جنسي). تنتهي هذه الاندفاعة الثورية إلى عودة يائسة إلى أحضان الأسرة البرجوازية وحيث يعلن فابريزيو في النهاية رضوخه للهزيمة. وبهذه الكلمات اليائسة ينفي الحاضر وينفي الثورة مستسلمًا للموت ملتفًا بجذوره التي طالما أراد الهرب منها.

يبدأ «مارشيللو»في «The Conformist»من حيث انتهى فابريزيو متخلصًا من أفكاره الثورية القديمة، ينضم إلى الحزب الفاشي ويتزوج من «جوليا» التي تنتمي لنفس طبقته. مارشيللو هنا لديه شكوك حول هويته الجنسية وإحساس هائل بالذنب بسبب مثليته الكامنة، يدفعه ذلك لكراهية أن يكون مختلفًا يريد أن يصير عاديًا مثل بقية الناس، يقبل سجنه داخل الفاشية من أجل أن يصير مقبولاً.

اقرأ أيضًا:أزمة فيلم «Last Tango In Paris»: بين الإبداع وحقوق الإنسان

وفي «Last Tango in Paris» نرى «جين» ابنة البرجوازية الفرنسية المتمردة هي الأخرى على تقاليدها تتخلى عن خطيبها من أجل «بول» الغامض والثوري المهزوم، يقيمان معًا في شقة قديمة ومنعزلة كما لو كانت خارج العالم، لكن رغم انجذاب جين نحو بول وتمسكها بالعلاقة بينهما إلا أنها ترفض أن يغادر الشقة، كما لو كانت تحافظ على بقائه، وكما لو كان بخروجه للعالم سيصير حقيقة. إنها تريد أن تتغير ولكنها تخاف أيضًا من التغيير، ربما تريد البرجوازية أن تظل الثورة في عزلتها بعيدًا عن العالم، مجرد فكرة وهكذا تصير رقصة بول هي الرقصة الأخيرة للثورة. ربما لو شاهد «جاك لاكان» التانجو الأخير في باريس لرأى في مقتل بول على يد جين قتلاً لصورتها المثالية، فبول هو الموضوع الذي تكرهه وتتطلع إليه في وقت واحد.


كيف تخلص برتولوتشي من أبوة جودار السينمائية؟

مستقبلي البرجوازي كامن في ماضي البورجوازي، بالنسبة لي كانت الأيديولوجيا عطلة عابرة، كنت أظن أنني أعيش سنوات الثورة لكنني كنت أعيش ما قبل الثورة لأنه دائمًا ليس إلا ما قبل الثورة.

معظم أفلام برتولوتشي تحمل في داخلها أصداء صراع أوديبي. هذه الأصداء كانت موجودة أيضًا في مسيرته الإبداعية ولا سيما في علاقته بـ«جان لوك جودار». في فيلمه «The Dreamers» عام 2003 تقول إيزابيلا (قامت بدورها إيفا جرين): «لقد دخلت العالم عبر رصيف الشانزليزيه 1959، هل تعرفون ما هي أول كلمات سمعتها؟ New York Herald Tribune».

في إشارة للمشهد الذي تمشي فيه «جين سيبرج» تنادي بأسماء الصحف في فيلم جودار «Breathless – 1959». هذا اعتراف بهذه الأبوة الجودارية له، لكن برتولوتشي الذي ترك أرض الشعر من قبل ليهرب من تأثير والده الشاعر أتيليو برتولوتشي إلى أرض جديدة بلا آباء، محاولاً أن يكتشف نفسه بعيدًا عن ظل الأب،سيحاول جاهدًا أن يتخلص من أبوة جودار أيضًا في محاولة قتل رمزي للتخلص من أسلوبيته التي وسمت أعماله الأولى.

الصراع الأوديبي بين برتولوتشي وجودار يتضح عبر ما يمكن تسميته بقلق التأثير «The Anxiety Of Influence». رغم أنه عمل كمساعد مخرج مع بازوليني في فيلمه اكاتونه وكتب بازوليني نص فيلمه الأول «The Grim Reaper»، لكن بازوليني لم يشكل تأثيرًا كبيرًا على برتولوتشي مثلما فعل جودار، حيث إن بازوليني نفسه لم يكن قد كون أسلوبه الخاص أو بصمته المميزة. كان هو أيضًا وللمرة الأولى يكتشف وسيطًا جديدًا للتعبير عن ذاته، بعد أن جرب من قبل الشعر والرواية. في المقابل كان «Breathless» لبرتولوتشي بمثابة إلهام روحي وميلاد جديد. قدس برتولوتشي جودار مفتتنًا براديكاليته، رآه كمخرب سينمائي واصفًا قفزاته المونتاجية بالقنابل. يقول برتولوتشي:

أحببت جودار للغاية، كان أحدنا قريبًا جدًا من الآخر، عندما بات ماويًا (نسبة إلى ماو تسي تونغ) تعكرت الصداقة بيننا، فقد كنا شديدي الخلاف بالنسبة لهذا التوجه.

كان تأثر برتولوتشي بجودار واضحًا في فيلمه «Before the Revolution»،ومع فيلمه الثاني «Partner» عام 1968صار أكثر هوسًا بمحاكاة أسلوبية جودار، واعتراف برتولوتشي بأنه عانى معاناة عظيمة من هذا الفيلم على هذا الصعيد. أما في فيلمه «The Conformist» قرر قتل جودار، حيث يصرح برتولوتشي في أحد حواراته «أن «The Conformist» عنه وعن جودار، أنا مارشيللو أصنع أفلامًا فاشية وأريد أن أقتل جودار الذي هو ثوري ويصنع أفلامًا ثورية وهو معلمي أيضًا».

هذا الصراع الأوديبي بين مارشيللو وكوادري، أستاذه المناهض للفاشية والذي يقتله في النهاية قتلاً يكاد يكون طقوسيًا، يعبر عن تغير في رمزية الدور الذي يلعبه جودار في سينما برتولوتشي، فالقتل يحدث على مستوى السرد والخيال كما على مستوى الأسلوب. وفي التانجو الأخير يكون قد تحرر تمامًا من سلطة جودار ليصنع أكثر أفلامه ذاتية وأصالة.

في مشهد سينمائي بامتياز وبعد العرض الأول لفيلمه «The Conformist» (كان برتولوتشي قد دعا جودار إليه)، نرى برتولوتشي منتظرًا جودار أمام دراغستور سان جيرمان قرب مقهى فلور، كان قد أعطاه موعدًا هناك عند منتصف الليل، بدأت السماء تمطر، وصل جودار ولم ينطق بكلمة، وضع ورقة في جيبه ومضى، الورقة على أحد وجهيها صورة ماو تسي تونغ، وعلى الوجه الآخر كتب: «يجب النضال ضد الفردية والأنانية»،يمزق برتولوتشي الورقة ويمضي هو الآخر.