تنتهي اليوم فعاليات مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثانية التي استمرت من 20 إلى 28 سبتمبر/أيلول، تنافس فيها 15 فيلمًا روائيًّا طويلًا، و12 فيلمًا تسجيليًّا، و23 فيلمًا قصيرًا، بالإضافة إلى 18 فيلمًا للعرض خارج المسابقة الرسمية.

حضر المهرجان على رأس اهتمامات رواد مواقع التواصل الاجتماعي طوال أيام انعقاده، وجاءت أغلب التعليقات بين التندر على المهرجان وأزياء النجوم وأخبارهم المثيرة للجدل، وبالطبع كان هناك نصيب محفوظ للحديث عن آل ساويرس ومقصدهم الاستثماري ﻻ الفني من وراء المهرجان الذي يقيمونه في منتجعهم السياحي الخاص أقصى شرقي البلاد.

لذا كان علينا أن نسأل: ما هي معايير تقييم أي تظاهرة فنية؟ وكيف تؤتي المهرجانات ثمارها المتعلقة بالصناعة ﻻ البيزنس؟ وما هو موقع مهرجان الجونة بين هذه المعايير؟ في هذا التقرير نحاول الإجابة على هذه الأسئلة.


الجونة بين آل ساويرس وآل السينما

منذ انطلاق المهرجان في نسخته الأولى في سبتمبر من العام الماضي تداول الكثيرون الحديث عن أغراض آل ساويرس الحقيقية، فالأخوان ساويرس يوليان اهتمامهما الأول والأخير للمردود المادي والاستثماري، وﻻ يقصدان أن يكون المهرجان وقفًا لله أو للوطن، وهي حقيقة ﻻ ينكرها عاقل، لكن هذا هو حال السينما منذ فجرها الأول، فهي تجمع بين الصناعة والتجارة والفن، ومع تغول الرأسمالية وانتصارها في حربها الباردة مع المعسكر الاشتراكي والشيوعي، أصبح الوزن النسبي في صالح الصناعة والتجارة، شأنها شأن الكثير من مظاهر الحياة الحديثة، لكنها بالطبع لم تخل من الفن.

فضلًا عن عشاق السينما ومحبيها، واجه مهرجان الجونة انتقادات شديدة من عدد من النقاد والمختصين مثل مالك خوري الباحث والمحاضر في السينما بالجامعة الأمريكية، والناقد المعروف أمير العمري رئيس تحرير موقع «عين على السينما»، وغيرهما.

تراوحت هذه الانتقادات بين التركيز الشديد على المظاهر الشكلية بالمهرجان، كفعاليات السجادة الحمراء، وأزياء النجوم، وبين الأهداف المقنعة لآل ساويرس الذين يقيمون مهرجانهم السينمائي في أقصى شرقي البلاد بعيدًا عن جمهور السينما الحقيقي في العاصمة وغيرها من محافظات وادي النيل.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10205079118974422&set=a.2467663147731&type=3

المهرجانات السينمائية حول العالم هي بمثابة ملتقى كبير يجمع أصحاب رأس المال وشركات الإنتاج بصناع السينما الموهوبين والمبتدئين منهم بشكل خاص، وذلك لتوفير الدعم اللازم للمشاريع الفنية الطموحة، وكذا توفير الفرصة للمنتجين للاطلاع على أحدث التجارب الفنية والخروج بتصور عام عن توجهات الفنانين والجمهور على السواء.

بالطبع هناك دور ثقافي لهذه الفعاليات، غير أن وظيفة التشبيك بين صناع السينما وأصحاب رأس المال تأتي في المقام الأول، ولذلك نجد أن «مهرجان كان الفرنسي»، المهرجان الأهم عالميًّا، غير مفتوح للجمهور، ويقتصر على عدد محدود من الدعوات.

ومن هنا يمكننا القول إن أي حديث عن موقع مهرجان الجونة البعيد عن العاصمة ليس على قدر كبير من الأهمية، كما أن أهداف صناعه التجارية مقبولة في حدود إلمامه بالأهداف الشاملة والعامة لدعم صناعة وفن السينما، ولكن هل يضطلع مهرجان الجونة حقًّا بهذه الأهداف؟

في دورته الثانية،قدم مهرجان الجونة دعمًا لصناع السينما بلغ 170 ألف دوﻻر، للأفلام في مرحلة التطوير، وهو رقم ليس بالقليل بالنسبة لصناع السينما المستقلة/البديلة، ومشاريعهم التي تعتمد على ميزانيات متواضعة لكنها غير متوفرة بشكل كبير، بالإضافة إلى الدعم في مرحلة التوزيع، خاصة مع عرض هذه الأفلام في الدورات التالية من المهرجان.

ويكتسب هذا الرقم أهمية إضافية في ظل غياب مهرجان دبي السينمائي هذا العام، مع توقعات بإلغائه نهائيًّا، وكان المهرجان قد اضطلع بدور كبير في دعم السينما المستقلة خلال 14 عامًا منذ انطلاقه، من خلال دعم أكثر من 500 فيلم عربي في مرحلة التطوير.

اقرأ أيضًا:تأجيل مهرجان دبي: هل يكون نذيرًا بإغلاقه نهائيًا؟

بالطبع هناك توجس دائم من معايير اختيار مهرجان الجونة للأفلام المستحقة للدعم، واعتبارات المصالح والعلاقات المتشابكة خاصة مع خوض نجيب ساويرس لتجربة الإنتاج السينمائي، وهي وإن كانت تخوفات في محلها، لكنها ﻻ تنفي أهمية الدعم الذي يقدمه المهرجان، خاصة في ظل ركود صناعة السينما المصرية وتراجعها على المستوى الفني.


أفلام لن تراها إلا في الجونة

على الرغم من التوسع الكبير واللافت لتوزيع الأفلام الأجنبية في دور العرض المصرية، غير أنها على الأغلب أفلام تجارية، أما الأفلام الفنية ففرصة اللحاق بها في دور العرض تتضاءل إلى حد كبير، وتتوقف على المهرجانات السينمائية كالقاهرة والإسماعيلية، أو البرامج الفنية التي تقدمها «سينما زاوية» مثل بانوراما الفيلم الأوروبي وأيام القاهرة السينمائية، وهنا تأتي أحد جوانب أهمية مهرجان الجونة.

شهدت النسخة الثانية من مهرجان الجونة السينمائي عرض مجموعة متنوعة من الأفلام التي شاركت مؤخرًا في أهم المهرجانات العالمية، من مهرجان كان فيلم Shoplifters للياباني «هيروكازو كوريه إيدا» الفائز بجائزة السعفة الذهبية لهذا العام، وفيلم Cold War للبولندي «بافيل بافليكوفسكي» الفائز بجائزة الإخراج، وفيلم Happy as Lazzaro الفائز بجائزة السيناريو، وفيلم Dogman الذي فاز بطله مارشيللو فونتي بجائزة التمثيل. ومن مهرجان برلين عرض فيلم Mug الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، وفيلم The Heiresses الذي فازت بطلته آنا برون بجائزة التمثيل.

اقرأ أيضًا:فيلم «Cold War»: بافليكوفسكي وجماليات الحد الأدنى

مجموعة مميزة من أهم الأفلام العالمية لهذا العام، والتي قد ﻻ يتسنى مشاهدتها بدور العرض المصرية، ومن هنا تأتي أهمية عرضها في مهرجان الجونة، حيث إن تجربة الاطلاع على مثل هذه الأفلام هي تجربة ثرية لصناع الأفلام والنقاد على السواء، خاصة لمن لم يتسن لهم السفر لحضور هذه المهرجانات الكبيرة من صغار النقاد وصناع السينما، كما أن حلقات النقاش التي تدور حولها وبوجود صناعها، سواء من خلال الندوات الخاصة بعروض الأفلام أو بورش العمل والمحاضرات التي نظمها المهرجان، هي بكل تأكيد على قدر كبير من الأهمية.

ربما كان عرضًا صحيًّا أن يكتسب مهرجان الجونة كل هذا الزخم في دورته الثانية، حتى وإن دارت أغلب المناقشات والتعليقات حول جوانبه السلبية، وأغراض مؤسسيه البراجماتية، ولكننا لن نعدم الجوانب الإيجابية كذلك، سواء على مستوى دعمه للأفلام المستقلة وصناع الأفلام المبتدئين، والتي حفزت مهرجان القاهرة لاستعادة نشاط سوقه السينمائي كما صرح رئيسه المنتج المصري «محمد حفظي»، أو على مستوى كونه منصة لعرض أهم الأفلام العالمية على مدى العام، وكلها عوامل تصب في مصلحة السينما المصرية بكل تأكيد.