تظل إجابات الأسئلة حول منفذي العمليات الجهادية أو من يقوم بالتحريض عليها الأكثر غموضًا. لا تملك اليقين الكامل. لكن تظل المذكرات أو الوثائق -التي تظهر من الحين إلى الآخر لقيادات العمل الجهادي- أبرز الوسائل لكشف تفاصيل وأسرار هذه العمليات، كما أنها تظل الدليل لفهم خطط واستراتيجيات العمل الجهادي المعاصر، كما تدلنا على أهم التحولات التي تشهدها هذه التنظيمات وعلاقاتها الخارجية، وطرق تمويلها وتسليحها.

أحد أبرز هذه الوثائق ما قامت وكالة الاستخبارات الأمريكية بنشره بداية فبراير/شباط المنصرم. مجموعة من وثائق الأب المؤسس للجهاد المعاصر «أسامة بن لادن» تتوالى في الظهور. ترى ما أبرز ما جاء فيها؟ في قادم السطور نأخذ جولةً في رأس «ابن لادن».


ما الذي نشرته وكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA»؟

رغم رحيله منذ ست سنوات فإن أفكاره تظل المرجع الأول الذي لا غنى عنه في فهم استراتيجيات ومنهاج الجهاد المعاصر. فلا ريب في ذلك إنْ كان أسامة بن لادن هو الأب المؤسس لتنظيم القاعدة، وبرغم رحيله بقيت أفكاره المتدفقة تكشف أسرار الجهاد في ربوع الأرض من شرقها إلى غربها. وفي إطار مساعدة الجمهور لفهم «القاعدة» أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي الدفعة الرابعة من وثائق «ابن لادن» والمعروفة إعلاميًا «بوثائق آبوت آباد».

وتتضمن المجموعة الجديدة ما يقارب نصف مليون (470,000) وثيقة. وهي عبارة عن مزيج من رسائل إضافية من تنظيم القاعدة، وأشرطة فيديو، وملفات صوتية، واتصالات، فضلًا عن مراسلات عائلية روتينية. بالإضافة إلى ذلك فقد نشرت الوكالة صورة من المجلة الشخصية لأسامة بن لادن مكتوبة بخط يده، والتي عبرت بشكل مباشر عن موقف القاعدة من ثورات الربيع العربي، ومع ذلك أعلنت الوكالة أن بعض المعلومات والوثائق المتبقية لم تنشر حفاظًا على الأمن القومي.

يُذكر أن الثلاث المجموعات الأُول من هذه الوثائق قد نشرت تباعًا في العشرين من مايو/آيار 2015، والأول من مارس/آذار 2016، وجاء النشر الثالث في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني لهذا العام. ويأتي أهمية النشر الرابع في كونه الأكبر من حيث عدد الوثائق التي أتاحتها الوكالة. بالإضافة إلى تضمنه وثائق مهمة تشير إلى علاقة القاعدة بإيران وقطر وجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يشير إلى قصد الإدارة الأمريكية لإخراج هذا الكم من الوثائق في ظل استراتيجية ترامب تجاه إيران وملف الإسلام السياسي في الشرق الأوسط. كما تتزامن تلك الأهمية مع تطور العمل الجهادي من حيث التوجهات الفكرية والاستراتيجية والعقائدية، فكيف خطط «ابن لادن» لتجديد القاعدة؟


المجاهد السياسي: كيف خطط «ابن لادن» لتجديد القاعدة؟

إننا في طور مرحلة جديدة لتقييم العمل الجهادي وتطويره عما كان عليه في الفترة الماضية وذلك على محورين؛ محور العمل العسكري، ومحور الإصدارات الإعلامية، على أن يكون عملنا في هذين المحورين ذا شمول واسع، يشمل المركز والأقاليم

في أعقاب نشر المجموعة الرابعة حظيت قضايا «علاقات القاعدة بإيران وقطر وجماعة الإخوان» زخمًا واسع المجال، فيما لم تركز على قضايا أخرى أكثر أهمية مثل تطور منهاج الجهاد واستراتيجياته وهو ما يساعد أكثر على فهم واقع ومستقبل العمل الجهادي، ومدى انفصام توصيات وتوجيهات الأب المؤسس للقاعدة عن واقع العمل الجهادي المعاصر.

اقرأ أيضًا:خطاب القاعدة الإعلامي في مصر: من المنتديات إلى تلجرام

تترابط الوثائق ولا تنفصل في مجموعاتها الأربعة. فتشير في بعضها إلى أن أسامة بن لادن أدرك ضرورة تقييم العمل الجهادي للقاعدة وتطوير وتجديد تنظيم القاعدة وذلك من خلال التركيز على محوري العمل العسكري والإعلامي، ويبدو أن هذا يعود إلى قراءة ابن لادن لمدى الخسارة الشعبية التي خسرها، وهو ما أدى إلى ضعف قدراته التجنيدية والتمويلية في الآونة الأخيرة بعد نجاح الضربات الأمريكية لاستنزاف الجماعات الجهادية المسلحة في جبهات مفتوحة.

وتبنى «ابن لادن» منهاج الواقعية -الأقرب إلى عالم السياسة- في محاولات وضع أسس العمل الجهادي. وربما أراد أن يجعل من تنظيم القاعدة حركة مقاومة قومية عالمية وليست مجرد جماعة جهادية تفتقد للتخطيط الاستراتيجي لبناء الإمارة الإسلامية، وهو في ذلك يدرك القوى الفاعلة وقدراتها العسكرية والمادية في مواجهة الجماعات الجهادية، ومن ثم لم يكن أمامه سواء الاعتماد على الجماهيرية التي سعت رسائله للتأكيد على دعمها والحفاظ عليها.


معالم في طريق الدولة

إن إقامة الدول قبل اكتمال مقومات نجاحها هو في أغلب الأحيان إجهاض للعمل حيثما تقام، ثم إسقاط العدو لها عبء فوق طاقة الناس، وإن تحميل الناس أمرًا فوق طاقتهم له سلبيات كبيرة؛ منها أنه يؤدي إلى صدمة في الجهاد عند أهل الإقليم الذي تُقمع فيه الحركة، وقد تتعداهم سواء أقُمعت الحركة بعد إنشاء الدولة أو وهي تسعى لإنشائها

ينطلق ابن لادن من وضع معالم الطريق نحو بناء الإمارة الإسلامية، حيث تقوم على مبادئ أساسية من الحكمة والحلم والصبر والأناة في إدارة شئون الناس. ومن هذا المنطلق دعا أسامة إلى التريث في عدم استغلال الظروف والمحن التي يمر بها الوطن العربي وخاصة اليمن، وعدم إعلان قيام دولته في الجنوب. داعيًا فروعه إلى قراءة جديدة لواقع الفواعل السياسية والعسكرية في اليمن. والتركيز بشكل أساسي على استنزاف رأس الكفر «الولايات المتحدة» وكسب تعاطف الجمهور.

ولم يخفَ على ابن لادن إعادة تأكيده على أتباعه بضرورة التمسك بالسياسة العامة للعمل الجهادي بالقاعدة والمتمثلة في «التركيز على مهاجمة العدو البعيد»، مسترشدًا بنتائج الفشل المترتبة على تبني بعض الجماعات الجهادية لسياسة تركز على «العدو القريب»، وذلك في قوله: «وبالرغم من أنه تم استنزاف رأس الكفر «أمريكا» بصورة كبيرة، فإنه مازال لديه القدرة على إسقاط حكومة أي دولة إسلامية تُقام. وتعلمون أن كثيرًا من الجماعات الجهادية التي أصرت على البدء بالعدو الداخلي قد تعثرت مسيراتها ولم تحقق أهدافها».

وهنا يرى ابن لادن أنه لا ينبغي التعجل بمحاربة العدو القريب «الأنظمة الحاكمة» وتبديد قوة المجاهدين، وهو ما يزيد من خسارة تعاطف المسلمين. هو يفضل أن لا يبادر الجهاديون بمحاربة الأنظمة ولكن يتم الاعتماد على الدفاع المباشر في وجه عنف الدولة وأجهزتها الأمنية، وهو ما يجعل من الجهاديين قوى مظلومة في وجه العامة.


«ابن لادن» يتبرأ من الروضة وأخواتها

وانطلاقًا من السياسة العامة للقاعدة اهتم «ابن لادن» بتأكيده على ضرورة إعادة النظر في مفهوم التترس وضرورته. داعيًا إلى عدم الإفراط في التمسك به لما سببه من وقوع ضحايا كثيرين في العمليات التي تم تنفيذها، وخسارة المجاهدين لتعاطف المسلمين، وهو ما أعطى فرصة الأنظمة وخصوم الجهاديين لاستغلال أخطاء الجهاديين ومن ثم تشويه صورتهم إعلاميًا. ومن أبرز تلك العمليات التي ينتقدها ابن لادن استهداف بعض «المرتدين» في المساجد أو قريبًا منها.

ومن العمليات التي لها آثار سلبية جدا على أنصار الجهاد استهداف بعض المرتدين في المساجد أو قريبا منها

كما تركزت رسائل «ابن لادن» على رفض العمليات الجهادية داخل الدولة الإسلامية، لما لها من أضرار واسعة النطاق على أنصار الجهاد. إنما ينبغي التركيز على استهداف المصالح الأمريكية في الدول غير الإسلامية التي لم يسبق استهدافها، استغلالًا لحالة التراخي الأمني التي تعيشها هذه الدول كونها بمأمن من العمليات. كما وجه «ابن لادن» إلى ضرورة التركيز على استخدام مجاهدين متطوعين عابرين للجنسيات لتنفيذ عمليات في دول أخرى.

وفي وثيقة أخرى حملت اسم «العسكر» من المتوقع أنها كُتبت بعد ثورة تونس 2011، دعت الوثيقة إلى تقديم قراءة نفسية للعسكر في البلدان الإسلامية، مع ضرورة التركيز على استمالة وتحييد العسكر وعناصر الشرطة. وتركزت استراتيجية تحييد العسكر على ثلاثة عناصر رئيسية؛ امتصاص ردة فعلهم عند الخروج على النظام، تحييد العناصر والأجهزة الأمنية والعسكرية، واستمالتهم وكسب تأييدهم بوقف العمليات على الجيش والشرطة في كل المناطق وخاصة اليمن.


هل انقلبت القاعدة على «ابن لادن»؟

على الرغم مما تشير إليه وثائق «ابن لادن» من محاولاته العمل على تطوير وتحديث تنظيم القاعدة وربما الذهاب به إلى حركة مقاومة عالمية، فإن تجارب السنوات الماضية تشير إلى أن استراتيجيات القاعدة ظلت مرتبكة ومضطربة، في حين أنها خفتت مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية، لاسيما فروعها الأبرز في بلاد المغرب الإسلامي وشبه الجزيرة العربية. لكن ربما ظلت مبادئ العمل الجهادي التي وضعها أسامة بن لادن على أساس من الحكمة والتريث واختيار الوقت المناسب هي الأطر الحاكمة لعمل القاعدة في السنوات المنصرمة.

وبالرغم من تريثها وخفوتها في ظل صعود تنظيم الدولة الإسلامية،عادت القاعدة مرة أخرى للظهور في أعقاب سقوط دولة البغدادي. لكن مع ملامح جديدة للقاعدة، تحاول أن تجمع بين الحفاظ على الشعبية كما ظهر من خطابات شبكات تنظيم القاعدة في مصر في أعقاب فض اعتصام رابعة مثلًا، وفي استهدافها لعناصر ولاية سيناء و «خوارج» البغدادي، وما بين محاربة الأجهزة الأمنية بشكل انتقائي كما حدث في مذبحة الواحات، واستهداف بعض المباني الأمنية كمبنى المخابرات بالعريش.

اقرأ أيضًا:ضباط ولكن جهاديون: قائمة الجهاديين من خلفية عسكرية

كما تشير تجربة شبكات القاعدة في مصر إلى أن القاعدة عملت على استمالة بعض العناصر العسكرية والأمنية، وهو ما نجحت فيه من حيث قيادة «هشام عشماوي» لإحدى هذه الشبكات، بالإضافة إلى انضمام عناصر أخرى إلى بعض تلك الشبكات في ردة فعل لسياسات الدولة العنيفة. كما تركزت خطابات القاعدة على القضايا الرئيسية التي أشار إليها ابن لادن كأساس لتطوير العمل الإعلامي ومنها التركيز على قضية تحرير الأقصى.

في نهاية المطاف يبقى أن السياقات العالمية والإقليمية والجهادية دفعت بشكل مباشر إلى إحداث تغييرات في ملامح العمل الجهادي للقاعدة. ربما يمثل تحولات جبهة النصرة في سوريا «جبهة فتح الشام حاليًا» بقيادة محمد الجولاني نموذجًا كاملًا لهذا التحول، ولكن تظل الثوابت والأسس التي وضعها الأب الروحي للتنظيم هي منطلق للعمل الجهادي للقاعدة، وهو ما يمكن أن ينبئ بتحول شامل في استراتيجيات وعقيدة القاعدة في المستقبل.