إذا كنت من محبي فن السينما، فبالتأكيد شاهدت من قبل فيلم «Close-Up»للمخرج الإيراني «عباس كيارستمي»، وإن لم تسبق لك مشاهدته، فبالتأكيد صادفته في إحدى القوائم التي تضم أفضل الأفلام في تاريخ السينما. ولكن هل سألت نفسك قبل ذلك: لماذا يندرج هذا الفيلم في غالبية تلك القوائم؟

أراك الآن – عزيزي القارئ- تسأل سؤالًا آخر: لماذا تدور افتتاحية مقال عن فيلم «Spider Man» عن ذلك الفيلم الإيراني التسعينياتي؟ وما المقاربة التي يمكنها الجمع بين أحد الأفلام الجماهيرية (Blockbuster) وفيلم فني نخبوي مثل «Close-Up»؟

في تقرير لمجلة «The Hollywood Reporter» عن فيلم «Spider Man: Far From Home» تقول باميلا ماكلينتوك، إن المشهد السينمائي الأمريكي تغير كثيرًا على مدار العقد الأخير، فبالرجوع إلى عام 2009 سنجد أن الأفلام العشرة الأكثر تحقيقًا للأرباح في أمريكا ﻻ يوجد من بينها أي من أفلام الأبطال الخارقين، ولكننا سنجد أفلام السلاسل مثل: «Transformers»، و«Harry Potter»، و«Twilight»، وسنجد أيضًا الجزء الأول، من فيلم «Avatar»، والجزء الأول، من فيلم «The Hangover»، والفيلم الاجتماعي، «The Blind Side»، وسنجد أيضًا فيلم الرسوم المتحركة «Up».

أما في عام 2018 سنجد أن أفلام الأبطال الخارقين تحتل 6 مراكز من أعلى 10 أفلام تحقيقًا للإيرادات، يتقدمها فيلما مارفيل «Black Panther»، و«Avengers: Infinity War». ويبدو أن فيلم Spider Man: Far From Home بصدد تحطيم بعض الأرقام القياسية، إذ تفوق على فيلم «Toy Story 4»، أحد أكثر الأفلام المنتظرة هذا العام، ليحقق في أسبوع الافتتاح وحده 185 مليون دوﻻر داخل أمريكا، ويتخطى حاجز 600 مليون دوﻻر علي مستوى العالم بعد أول 10 أيام.

اقرأ أيضًا:جماليات المعاناة في فيلم «Close Up»

حاولت الكثير من المقالات النقدية الوقوف على سر تميز فيلم «Close-Up» بمناقشة مختلف جوانبه الفنية، ولكن الثابت أن هذا الفيلم أحدث تحولًا في المشهد السينمائي العالمي على مستوى تعريف ما هو واقعي وما هو خيالي، وهو الخط الذي ما إن مددناه على استقامته لوصلنا إلى عالم مارفيل السينمائي اليوم، فكيف ذلك؟


الوعي بعملية الخلق

بالطبع ﻻ يتضمن هذا الخط الافتراضي الواصل بين الفيلمين أي حديث عن إيردات شباك التذاكر، والإشارة السابقة لم تكن إﻻ للتدليل على مدى التحول الكبير التي تحدثه أفلام مارفيل في عالم السينما اليوم، ومدى التأثير الذي تمارسه على مشاهد السينما العصري -وهو ما سنعود إليه بنهاية المقال- ولكن الشاهد هنا أن هذين العالمين المتباعدين اشتركا في ثورية طرحهما لهذا الوسيط الفني وكيفية تلقيه من قبل الجمهور.

في فيلم «Close-Up» قدم المخرج الإيراني عباس كيارستمي معالجة سينمائية لحادثة واقعية قرأ عنها في الصحف، عندما حاول أحد عشاق السينما، ويدعى «حسين سابزيان»، انتحال شخصية المخرج الإيراني الشهير محسن مخملباف. كان الاختيار السهل أن يكتب كيارستمي قصة خيالية يعيد فيها رسم شخصيته الرئيسية بأدوات السينما التقليدية، وينتقي من بين الممثلين المحترفين من يقوم بأداء هذه الشخصية. ولكنه اختار أن يتجاوز قوانين الوسيط السينمائي بل ويتلاعب بها، ويمزج بين ما هو واقعي وما هو خيالي، ليضع المشاهد في حيرة من أمره في تناول هذا الشريط السينمائي الفريد من نوعه.

منذ بدايتها المبكرة اتخذت السينما من الأدب منهلًا أساسيًا لها، ليس على مستوى القصة وأدوات الحكي وحسب، ولكن على مستوى التقنيات الفنية الدقيقة. ولهذا سنجد أن الكثير من المفاهيم المؤسسة لعلم السينما مستقاة في الأصل من الأدب، ومن بين هذه المفاهيم «Metacinema»، والمستقى من مفهوم «Metafiction».

ﻻ يوجد مقابل عربي لهذين المفهومين، ولكنهما يعبران في أبسط تعريفاتهما عن «الوعي بعملية الخلق الإبداعي». فالرواية التي يعلن كاتبها عن نفسه للقارئ ويلفت انتباهه إلى أنه يقرأ قصة خيالية هي Metafiction، والفيلم الذي ينبه مشاهده إلى أنه يشاهد أحداثًا مصطنعة وليست حقيقية هو Metacinema، فمتى ما كان هناك وعي بالوسيط الفني، اندرج العمل تحت مفهوم Metafiction.

في فيلم Close-Up عمد كيارستمي إلى تمويه الخط الفاصل ما بين الواقع والخيال، فالمشاهد يعرف أن من يشاهده على الشاشة هو حسين سابزيان نفسه، بطل الحادثة الحقيقية، وبطل الفيلم في الوقت نفسه، وأن مشاهد المحاكمة هي مشاهد حقيقية، وليست تمثيلية، وهو بذلك يقدم معكوس فكرة محاكاة الفن للواقع، إذ إن الواقع هنا هو من يحل في صورة فنية. ولكن هذا التلقي الواعي ﻻ يمنع المشاهد من التماهي مع البطل وحكايته، وهذا التجاوز الذي يصر عليه كيارستمي لقواعد الوسيط ﻻ ينفي على الفيلم انتمائه لفن السينما، وإن كان يطرح أسئلة حول مدى انتمائه إلى النوع الروائي أو التسجيلي.

اقرأ أيضًا:سينما «عباس كيارستمي»: الشعر أقدر على مجابهة الزمن

على النقيض تمامًا من كل ذلك تقف أفلام عالم مارفيل ومثيلتها، والتي تقوم بالأساس على ميثولوجيا الأبطال الخارقين المستقاة من الكتب المصورة (كوميكس) الأمريكية. فالمشاهد هنا بصدد عالم خيالي بالكلية ﻻ ينتمى بأي شكل إلى الواقع وإن قام على محاكاته. إذن فأين تكمن المساحة المشتركة بين فيلمي «Spider Man: Far From Home»، و«Close-Up»؟


فن القاعة المظلمة

مع كل التطور الهائل الذي شهده فن السينما على مدار أكثر من قرن من الزمن، ﻻ تزال تجربة التلقي تتوقف بالأساس على تلك القاعة المظلمة التي تتحرك على أحد جدرانها الأربعة صور متحركة. هذا التقليد الراسخ هو جزء أصيل من التجربة، وهو ما يمنح المشاهد القدرة على التماهي مع تلك الحكاية المصورة المرسومة أمامه، ولكن الرغبة في التماهي، الهدف منها في الأساس هو معايشة الحكاية بشكل أقرب إلى المادي، والحلول محل أبطالها، والإحساس بمشاعرهم المضطربة والمستقرة.

ولهذا فإن ما يعرف بـ«كسر الجدار الرابع» مثل هاجسًا كبيرًا لدى صناع السينما الأوائل، فإذا ما كان الهدف هو أن يتماهى المشاهد بالكلية مع الحكاية المصورة إلى الحد الذي تكون فيه واقعية وطبيعية، فكيف الحال بعمل يقوم بالأساس على تنبيه المشاهد لهذه العملية، ولفت انتباهه لهذه القاعة المظلمة بأبعادها الحقيقية وليست الأبعاد الافتراضية للصورة على الجدار؟

منذ بداية مشروع عالم مارفيل السينمائي، اعتمد صناعه على التلاعب بهذا الخط الفاصل بين الواقع والخيال، وذلك من خلال السخرية الدائمة من أبطالهم وقواهم الخارقة للطبيعة، ووضع المشاهد أمام التناقض الواضح ما بين قوانين عالم الأبطال الخارقين والقوانين الطبيعية، في أحد أكثر الأشكال العصرية لمفهوم Metacinema، وهو الأمر الذي بلغ مداه في فيلم «Spider-Man: Far from Home».

تنبيه: الفقرات التالية قد تتضمن حرقًا لأحداث الفيلم

ينقسم فيلم «Spider-Man: Far from Home» إلى نصفين، يتضمن النصف الأول تقديمًا لشخصية Quentin Beck في صورة بطل خارق يحمل اسم Mysterio، وفي النصف الثاني، نكتشف حقيقة هذا البطل المزعوم الذي قام بتزييف معركة حامية مع وحش وهمي من خلال تقنية متقدمة من الهولوجرام Hologram. وخلال النصف الثاني من الفيلم نشاهد مواجهتين بين بطلنا سبايدر مان، والبطل المزعوم Mysterio، تقوم بالأساس في عالم وهمي خلقته الروبوتات الطائرة.

تنتهي المواجهة الأولى بهزيمة سبايدر مان الذي فشل في التمييز بين الواقع والوهم، لتأتي المواجهة الثانية بانتصاره بعد أن يدرك أن السبيل الوحيد لمواجهة هذا العالم المصطنع هي في عدم تصديقه.

هنا تحديدا تتجلى المساحة المشتركة بين فيلمي «Close-Up»، و«Spider Man: Far From Home»، وهي التلاعب بالخط الفاصل بين الواقع والخيال، فالمشاهد في فيلم Spider Man: Far From Home يدرك أن هذا العالم المصطنع الوهمي الذي خلقه Mysterio، ﻻ يختلف في شيء عن الواقع الوهمي الذي خلقته مارفيل، فكل ما سبق ورآه المشاهد في الأفلام السابقة من السلسلة لم يكن أكثر من خدع بصرية قام بها متخصصو الجرافيك بحرفية شديدة لإيهام المشاهد القابع في القاعة المظلمة مرتديًا عوينات تحول الصورة على الجدار المقابل من ثنائية إلى ثلاثية الأبعاد، من أجل تجربة أقرب إلى الواقع. وعلى الرغم من هذا الكشف المباشر لقواعد الوسيط، ﻻ يزال المشاهد يرغب في تصديق هذا الخيال بل والأكثر من ذلك يقاربه بواقعه شديد البعد عن هذا العالم الخيالي.

على مستوى أعمق تضرب قصة فيلم Spider Man: Far From Home بجذورها في الواقع العصري، وتؤسس لرمزية واضحة لسطوة الميديا وقدرتها على خلق تهديدات زائفة تصب في مصلحة السلطة الحاكمة، في إشارة واضحة أيضًا إلى فترة حكم الرئيس الأمريكي المثير للجدل دونالد ترامب.

ﻻ ينفك الفيلم يؤكد على هذه العلاقة الرمزية المباشرة حتى آخر مشاهده التي تأتي بعد تترات النهاية، حين نرى نيك فيوري يجلس قبالة أحد الشواطئ التي يقضي بها إجازته بعيدًا عن مقرات مؤسسة «شيلد» العسكرية، ﻻ يدوم ذلك إﻻ لثواني قليلة نكتشف بعدها أن هذا الشاطئ لم يكن سوى محاكاة وهمية، وأن فيوري قابع بإحدى مقرات شيلد يحاول إيهام نفسه بأنه يقضى إجازة هادئة بمكان ناءٍ.

في عام 1990 حقق المخرج الإيراني عباس كيارستمي فيلمه Close-Up الذي استطاع من خلاله أن يقدم الواقع محاكيًا للخيال وليس العكس، وعلى مدار العقد الماضي قامت مارفيل بمد هذا الخط على استقامته لتقدم من خلال عالمها خيالًا يحاكي خيالا يحاكي الواقع.

اقرأ أيضًا:عباس كيارستامي: الإيراني الذي غير وجه السينما في العالم

كل تلك الأرقام القياسية والإيرادات الخيالية التي تحققها أفلام مارفيل – وﻻ تزال- هي مؤشر واضح على إقبال الجمهور العالمي لفن السينما المعاصر على التهام هذه النوعية من الأفلام، وهي أيضًا ذريعة للقول بأنها أفلام تجارية Blockbusters فارغة، تقوم بالأساس على استراتيجيات التسويق الرأسمالية التي تستهدف إثارة الغرائز، وهي كذلك بالفعل، ولكنها أيضًا تحدث تحولًا كبيرًا وثورة حقيقة في هذا الوسيط الفني من خلال التلاعب التام بقواعده الراسخة، وإعادة تعريف ما هو واقعي وما هو خيالي.